You are currently viewing النزاع التركي اليوناني في المتوسط

النزاع التركي اليوناني في المتوسط

 558 عدد المشاهدات,  2 المشاهدات اليوم

النزاع التركي اليوناني في المتوسط

ما خسرت تركيا خلال مئة عام :

كان الاقتصاد التركي متدهوراً ، ويعاني من التخلف بعد انهيار الدولة العثمانية ، عَقِبَ الحرب العالمية الأولى ، التي تبعها ميلاد الجمهورية التركية … لقد اعتمدت الزراعة على تقنيات بدائية متخلفة ، وكانت القاعدة الصناعية لتركيا ضعيفة ؛ وكانت المصانع القليلة المنتجة للسلع الأساسية مثل : السكر والدقيق … تقع تحت سيطرة الدول الأجنبية ؛  نتيجة لشروط الاستسلام .

لقد تعافى الاقتصاد التركي بشكل ملحوظ بعد انتهاء القتال ، وأرتفع الناتج الزراعي بنسبة 87% من عام 1923 حتى عام 1926، حيث عاد الإنتاج الزراعي إلى مستويات ما قبل الحرب ، ونما القطاع الصناعي ، والخدمات بمعدل يفوق 9% سنوياً ، من عام 1923 حتى عام 1929م ، إلا أن الدخل القومي ظل ضئيلاً في نهاية عقد العشرينيات ، وتدخلت الحكومة في مطلع عقد الثلاثينيات لدعم الاقتصاد ، متبعةً مبدأ يُعرف باسم “سيطرة الدولة”، وتباطأ النمو خلال سنوات الكساد ، ما عدا السنوات بين : 1935 و 1939م ، حين بلغت 6% سنوياً . وتعطل الاقتصاد أثناء عقد الأربعينيات بسبب الاحتفاظ بحياد مسلح أثناء الحرب العالمية الثانية ، مما زاد من نفقات البلد العسكرية ، بينما جمد بشكل شبه تام التجارة الخارجية .

عانت تركيا من اضطرابات اقتصادية بعد عام 1950م ، بمعدل اضطراب كل عشر سنوات ؛ وقد حدثت أخطر أزمة اقتصادية في أواخر عقد السبعينيات . وفي كل مرة تشهد تركيا فترة النمو السريع بقيادة التصنيع ، حيث اتسمت بارتفاع حاد في الواردات ، فينتج عنها أزمة في ميزان المدفوعات ، مما خفض قيمة الليرة التركية ، وزاد من برامج التقشف المصممة للتقليل من الطلب على السلع الأجنبية ، وكانت برامج التقشف تـُنفـَّذ حسب ارشادات صندوق النقد الدولي ، تلك الإجراءات التي أدت كالمعتاد إلى تحسن كافٍ في الحسابات الخارجية للدولة ؛ لتجعل من الممكن استئناف إقراض تركيا من الدائنين الأجانب ، وبالرغم من أن التدخلات العسكرية في عامي 1960 و 1971م ، كانت مدفوعة جزئياً بمصاعب اقتصادية ، نرى أنه بعد كل تدخل كان السياسيون الأتراك يرفعون حجم الإنفاق الحكومي ، مما يسبب إسراع عجلة الاقتصاد التركي لدرجة السخونة الزائدة ( اضطراب ميزان المدفوعات بسبب الواردات ) .

مع غياب الإصلاحات البنيوية الجادة ، عانت تركيا بشكل مستمر من عجز في الحساب الجاري ، اعتادت أن تموّله بالاقتراض الخارجي ، مما جعل الدين الخارجي للدولة يرتفع من عـِقد إلى عـِقد ، ليبلغ في عام 1980م نحو : 16.2 مليار دولار ، أو أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي السنوي ، وبلغت تكلفة خدمة الديون في ذلك العام 33% من صادرات السلع والخدمات .

وفي أواخر عقد السبعينيات ، بلغ الاقتصاد التركي أسوأ أزماته منذ سقوط الدولة العثمانية ، فقد فشلت السلطات التركية في اتخاذ إجراءات كافية ؛ لضبط آثار الارتفاع الحاد في أسعار النفط في 1973– 1974م ، وقامت بتمويل العجز الناجم بقروض قصيرة المدى من المقرضين الأجانب ، وبحلول 1979م بلغ التضخم مستوى الثلاث أعداد ( أي أكثر من 100% ) ، وارتفعت البطالة إلى نحو 15% ، وأصبحت الصناعة تعمل بنصف قدرتها ، ولم تعد الحكومة قادرة على دفع حتى فوائد الديون الأجنبية . وبدا أن تركيا لن تتمكن من التنمية بدون أزمات ، إلا إذا تم اتخاذ تغييرات رئيسية في منهاج الحكومة في التنمية بإحلال الواردات . شك العديد من المراقبين بقدرة السياسيين الأتراك على القيام بالإصلاحات المطلوبة[1] .

الطبيعة البشرية لا تحب الاعتراف بالخطأ ، وأنهم خربوا ما كان موكلاً إليهم ، لكن ما فعل الجنرال كنعان أفرن ، بتشجيع من صندوق النقد الدولي ، حيث أرسل – في السبعينيات – شباباً نابهين ليعملوا في الصندوق “كمال درويش” وفي البنك الدولي “توكوت أوزال” ، هؤلاء الشباب عادوا ، وأقاموا حكماً مدنياً غير متخاصم مع العسكر ، وطوّروا التعاون مع الصندوق وتنفيذ توصياته ، وبعد تولي أوزال الحكم ، قام بتخفيف حكم السجن المؤبد على الجنرالين كنعان أفرن وتحسين شاهين ، لقتلهم رئيس الوزراء عدنان مندريس ، إلى ثمان سنوات بالمستشفى .

مع محدودية وصول العراق للخليج العربي ، اعتمد العراق بشكل كبير على تركيا كممر لتصدير النفط الخام ، وقد موّل العراق خطي أنابيب متجاورين ، من حقول كركوك الشمالية إلى ميناء يمرطالق التركي على البحر المتوسط ، إلى الشمال الغربي مباشرة من الاسكندرونة ، القدرة الإجمالية لخطي الأنابيب كانت 1.1 مليون برميل لكل يوم (170,000 م3/ ي) ( برميل / يوم ) ولم تحصل تركيا فقط على جزء من احتياجاتها النفطية من خط الأنابيب ، بل كانت تحصل على رسم عبور معتبر ، قدرت بعض المصادر رسومه ما بين 300 مليون دولار إلى 500 مليون دولار .

أصيب الاقتصاد التركي بضربة في الصميم بسبب حرب الخليج عام 1991م ، فالحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق ، اقتضى إنهاء صادرات النفط عبر خط أنابيب كركوك – يمرطالق ، وقد نتج عن ذلك فقدان تركيا لرسوم خط الأنابيب ، بالإضافة لذلك ، فقد خسر الاقتصاد التركي ما يناهز 3 مليارات دولار كانت في التبادل التجاري مع العراق . إلا أن السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة هبـّت لتعويض تركيا عن تلك الخسائر ، وفي عام 1992م عاود الاقتصاد التركي النمو بسرعة .

الأداء الاقتصادي المبهر لتركيا في الثمانينيات ، حاز على إعجاب وكالات التصنيف الائتماني في وال ستريت ، وفي عامي 1992 و 1993م استخدمت الحكومة تلك التصنيفات ؛ لجذب الأموال لتغطية عجز الميزانية ، وبلغت اصدارات السندات الدولية في تلك الفترة 7.5 مليار دولار ، ساعدت تلك التدفقات المالية على الحفاظ على سعر الصرف المبالـَغ فيه ، ففي اقتصاد السوق ، يجب أن يُترجـَم المستوى المرتفع للاقتراض الحكومي إلى مستويات مرتفعة لأسعار الفائدة بل وربما “يخنق” مقترضي القطاع الخاص ، وبذلك يـُبطئ النمو الاقتصادي . ولكن اقتراض الحكومة من الخارج أزال الضغوط عن معدلات الفائدة المحلية ، بل وحفـّز المزيد من اقتراض القطاع الخاص في اقتصاد ساخن جداً ، ولشعورها بوجود فرصة ربح سهلة أثناء تلك الفترة ، اقترضت البنوك التجارية التركية بأسعار الفائدة العالمية ، وأقرضتها بأسعار الفائدة المحلية العالية في تركيا ، بدون الخوف من انخفاض قيمة العملة ، ونتيجة لذلك ارتفعت الديون الأجنبية قصيرة المدى لتركيا بشكل حاد ، وخفتت الثقة الخارجية والداخلية في قدرة الحكومة على إدارة أزمة أقساط الديون المستحـَقة ، مما ضاعف من المصاعب الاقتصادية .

فقدت الليرة التركية الجديدة نحو 47% من قيمتها في ثلاثة أشهر ، من 27 أغسطس 2008م ( 1.18 ) ، إلى 25 أكتوبر 2008م ( 1.733 ) .

وفي 3 أكتوبر 2004م ، قررت تركيا حذف ستة أصفار من عملتها ليصبح اسمها الليرة التركية الجديدة والتي تساوي 1,000,000 ليرة تركية .

وبعد أربع سنوات ، في 3 أكتوبر 2008م ، أعلن رئيس الوزراء أردوغان ، تغيير اسم الليرة التركية الجديدة إلى الليرة التركية ، تارة أخرى .

ثم واصلت الانزلاق حتى بلغت في : 4 نوفمبر 2016 قيمة 3.149 .

حجم الثروات في حوض المتوسط :

قدَّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في العام 2010م احتمال وجود ما يقرب من 122 تريليون م3 من مصادر الغاز غير المكتشفة في حوض شرق المتوسط ، قبالة سواحل : سورية ، لبنان ، فلسطين ، قبرص .

بالإضافة إلى ما يقارب 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج ، وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تبقى في إطار التقديرات ، ولا تشمل أيضًا الأرقام المتعلقة بحوض دلتا النيل ، إلا أنها لم تأت من فراغ ، فخلال العقد الماضي ، جرى اكتشاف العديد من حقول الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط .

بدأت عمليات الاستكشاف بالازدياد بعد نجاح الكونسورتيوم الذي تقوده شركة “نوبل إنرجي” الأمريكية في اكتشاف حقل تمار في العام 2009م قبالة ساحل فلسطين ، ومع توالي الاكتشافات ( انظر الجدول رقم 1 أدناه ) أصبحت دول المنطقة أكثر اهتمامًا بتكليف الشركات الأجنبية بالقيام بأعمال الاستكشاف .

ويحظى الغاز في شرق منطقة حوض البحر المتوسط بأهمية خاصة ، نظراً لعدة عوامل :

1- الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة الأوسع التي يقع فيها ، وهي منطقة الشرق الأوسط التي تضم حوالي 47% من احتياطي النفط و41% من احتياطي الغاز في العالم . وزاد من أهميتها انفتاح البحر المتوسط على تقاطع كل من : آسيا ، أوروبا ، إفريقيا . واتصاله بطرق التجارة العالمية ، عبر مضائق السويس ، البوسفور، جبل طارق.

2- الآمال الجيوسياسية ، والجيواقتصادية ، والجيوأمنية التي يحملها الغاز في تلك المنطقة ، بالنسبة إلى دول الجوار  التي راهن البعض على أنها ستغير المعطيات السياسية والاقتصادية لدول المنطقة .

3- الصراع على استغلال ثروات الهيدروكربون ، والتنافس على طرق تصديرها ، والتزاحم على حصص الأسواق الخارجية . بالإضافة إلى تحويل دول المنطقة إلى لاعب دولي صاعد في لعبة الغاز .

4- المنافع السياسية والاقتصادية والأمنية ، التي افترض كثيرون أن الغاز سيأتي بها لدول المنطقة .

قبرص التركية – قبرص اليونانية :

تَعتبر قبرص التركية أن ثروات الجزيرة هي ملك لجميع أبنائها ، ولا يجوز استغلالها بمعزل عن الطرف الآخر ، لكن قبرص اليونانية تجاهلت هذا الأمر ، وقامت بالانتهاء من ترسيم حدود منطقة اقتصادية خالصة لها (EEZ) ، تمكنها من استغلال ثروة الغاز بشكل أُحادي في العام 2010م ( انظر الجدول رقم 2 ) مما دفع قبرص التركية للرد بخطوة مماثلة ، فقامت بتحديد حدودها البحرية ، كما وقَّعت اتفاقًاً مع تركيا لترسيم الجرف القاري في العام 2011م .

ونتيجة لهذه الإجراءات ، أصبح هناك تداخل بين المناطق المحددة من قبل الطرفين القبرصيين ( التركي واليوناني ). ولذلك تطالب قبرص ( التركية ) بحقها في المناطق رقم 1و2 و3 و8 و9 و12 و13 التي قامت قبرص ( اليونانية) بترسيمه . ( انظر الخريطة رقم 1).

 

الجزر اليونانية القريبة من تركيا :

جزيرة كاستيلوريزو ( باليونانية : Καστελλόριζο )‏ هي أصغر الجزر اليونانية الموجودة في قسم رودس الإقليمي في جنوب إيجة ، شرق اليونان ، ويفصلها عن السواحل التركية أقل من كيلومترين ؛ لذلك تعد من الجزر المتنازع عليها بين تركيا واليونان .

تنتشر على امتداد سواحل غرب ، وجنوب غرب تركيا العشرات من الجزر الخاضعة لسيادة أثينا ، رغم ابتعادها مئات الأميال عن البر اليوناني ، ما يجعل رسم حدود البلدين البحرية في إيجة والمتوسط أمراً في غاية التعقيد ، وسبباً للتوترات التي قد تؤدي إلى صدام عسكري في أية لحظة .

ويطرح هذا المشهد تساؤلات عن خلفياته التاريخية ، لا سيما أن بعض تلك الجزر، ومنها “كاستيلوريزو” على سبيل المثال ، تبتعد عن البر التركي نحو كيلومترين فقط ، مقابل أكثر من 550 كيلومتر عن نظيره اليوناني ، وترفض أثينا تنقيب تركيا عن النفط في المياه التي تليها لآلاف الكيلومترات ، رغم أن مساحة الجزيرة لا تتجاوز الـ12 كيلومتر مربع وهو ما تعتبره أنقرة منافياً لـ “القانون والمنطق” .

ومن أهم تلك الجزر ، وأكثرها إثارة للجدل مجموعة “دوديكانيسيا” ، وتتكون من 15 جزيرة كبيرة ونحو 150 أخرى صغيرة ، 26 منها غير مأهولة ، وتمتد بالدرجة الأولى على شكل سلسلة متصلة قبالة سواحل ولاية موغلا السياحية التركية ، وتعد بمثابة قواعد متقدمة لليونان أمام تركيا ، ولا سيما جزيرتي “رودس” و”كوس” .

أبعاد الصراع التركي اليوناني في البحر المتوسطـ

مرت العلاقات التركية اليونانية ، بفترات من المد والجزر منذ استقلال اليونان عن الإمبراطورية العثمانية عام 1832م ، نشأت هذه الخلافات التاريخية بينهما بسبب الحدود البحرية ، وملف جزيرة قبرص ، بالإضافة إلى خلافات جديدة تتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز في منطقة حوض شرق البحر المتوسط وإيجة …

حصلت اليونان ، بموجت معاهدة لوزان عام 1923م ، على مجموعة من الجزر في منطقة إيجة ، لا تبعد هذه الجزر عن الحدود التركية في منطقة إيجة سوى كيلومترين ، بل امتد الصراع إلى منطقة حوض البحر المتوسط الموجود فيها جزيرة قبرص ، وذلك مع سيطرة تركيا على 37% من الجزء الشرقي لجزيرة قبرص عام 1974م ، التي أصبحت عقبة أمام تحسن العلاقات بين البلدين منذ عقود .

تركيا ترى أنه من غير المنطقي المطالبة بجرف قاري 40 ألف كيلومتر لجزيرة “ميس” الصغيرة ، وأن هذا الأمر مخالف للقانون الدولي .

تواصل تركيا كفاحها ؛ للدفاع عن حقوقها النابعة من القانون الدولي في المنطقة ، وقد اشتد الصراع شرقي البحر المتوسط ، اعتبارًا من عام 2000م ، في أعقاب اكتشاف حقول الغاز، لتشرع دول المنطقة في تحديد نفوذها البحري .

بيد أن الاتفاقيات الثنائية التي وقعتها قبرص اليونانية مع كل من مصر عام 2003م ، وإسرائيل عام 2005م ولبنان عام 2007م ، هي بداية الصراع الحقيقي في حوض البحر المتوسط، حيث تجاهلت حقوق القبارصة الأتراك ، رغم عدم التوصل إلى حل لأزمة الجزيرة القبرصية ، الأمر الذي عارضته تركيا وقبرص التركية بشدة ، بل واعتبرته أنقرة انتهاكًا صارخًا لجرفها القاري .

لقد اعتمدت قبرص اليونانية في هذه الاتفاقيات التي عقدتها مع دول المنطقة بشأن تحديد الحدود على مبدأ “المسافة المتساوية”، المعتمد لدى بلدان اليابسة ، إلا أن هذا المبدأ ليس قاعدة معتمدة في تحديد حدود الجرف القاري ، والمنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان . في المقابل ينص القانون الدولي وقانون البحار التابع للأمم المتحدة على مبدأ “التقاسم المتساوي”، في تحديد الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة، وعلى أن الجزر تنال مساحات أقل من بلدان اليابسة بحسب مبدأ الإنصاف” .”

تحاول اليونان السيطرة على جميع الموارد الاقتصادية في حوض البحر المتوسط ، وحصار تركيا في شريط ضيق – رغم أنها أكثر الدول إطلالًا على بحر إيجة والمتوسط – متذرعة بجزيرة “كاستيلوريزو” باليونانية و”ميس” بالتركية ، وتبلغ مساحتها 10 كيلومترات مربعة ، وتبعد عن البر اليوناني نحو 580 كيلومتر ، وتتبع لها عمليًا بموجب اتفاقيات دولية ، وتبعد عن البر التركي نحو كيلومترين ، وتطالب اليونان بجرف قاري لهذه الجزيرة 40 ألف كيلومتر ، لكن تركيا ترى أنه من غير المنطقي المطالبة بجرف قاري40 ألف كيلومتر لهذه الجزيرة ، وأن هذا الأمر مخالف للقانون الدولي .

كانت شركة “نوبل إينرجي” – ومقرها تكساس – أول من أعلن عام 2011م  اكتشاف الغاز قبالة قبرص في حقل “أفوديت” الذي يقدر احتضانه 4.5 تريلون قدم مكعب من الغاز الطبيعي ، واستمرت قبرص بالاتفاق مع دول عدة دون الرجوع لتركيا .

عام 2014م أعلنت تركيا “قواعد الاشتباك” في حوض المتوسط ، وأشارت من خلالها إلى استعدادها للتصدي لأي محاولة للتنقيب في جرفها القاري والمياه الإقليمية لقبرص اليونانية دون توافق معها ، وإثر ذلك اعترضت سفن حربية تركية سفينة التنقيب التابعة لشركة “إني” الإيطالية المتعاقدة مع قبرص اليونانية في حوض البحر المتوسط ، بحجة أن البوراج تقوم بمناورات عسكرية في المنطقة عام 2018م .

تُعتبر الاتفاقية التركية الليبية ، مكسبًا سياسيًا وقانونيًا مهمًا لتحركات تركيا في البحر المتوسط ، رغم أنها لا تعتبر الحل النهائي للخلافات القائمة …

ازداد الصراع في حوض البحر المتوسط ، مع ظهور التحالفات بين الدول المعنية ، حيث تأسس منتدى غاز البحر المتوسط في : يوليو/ تموز 2019م ، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية ، الذي يضم كلا من “مصر ، الأردن وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا ، علمًا بأن بعض هذه الدول ليست مصدراً للغاز ، إنما مستهلك له كالأردن … في حين تغيبت دول معنية عن هذا المنتدى أهمها : لبنان وتركيا وسوريا.

في المقابل كان موقف تركيا مختلفًا ، حيث عمدت إلى التحرك نحو خطوات عملية ، ووقعت مُذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج 27 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019م ، الأولى بخصوص التعاون الأمني والعسكري ، والثانية بشأن تحديد مناطق النفوذ البحرية ، لتوقف التحركات القبرصية عند جزيرة كريت ، التي سيمر منها خط نقل الغاز والموارد النفطية إلى أوروبا .

عبرت اليونان عن غضبها من اتفاق مُذكرتي التفاهم بطرد السفير الليبي ، ومن ثم وقعت اتفاقًا مع “إسرائيل” وقبرص اليونانية ؛ لمد خط الغاز “إيست مد” في 2 من يناير/ كانون الثاني 2020م ، نحو “إسرائيل”، الذي جاء ردًا على اتفاق مُذكرتي التفاهم التركي الليبي ، بعد فشل اليونان في حشد الموقف الدولي ضد التحركات التركية في المنطقة .

تُعتبر الاتفاقية التركية الليبية ، مكسبًا سياسيًا وقانونيًا مهمًا لتحركات تركيا في البحر المتوسط ، رغم أنها لا تعتبر الحل النهائي للخلافات القائمة بشأن مناطق النفوذ البحرية في المنطقة .

في الآونة الأخيرة وصلت العلاقات بين البلدين ، إلى التصادم المباشر في المنطقة ، إثر إعلان تركيا إخطارًا يُعرف باسم “نافتكس” لإجراء مسوح اهتزازية في منطقة من البحر ، بين جزيرتي قبرص وكريت في 21 من يوليو / تموز من العام الحاليّ ، تحت إطار مُذكرتي التفاهم التركية الليبية ، اعتبرت اليونان هذه التحركات محاولة للتعدي على جرفها القاري ، أي الجرف القاري التابع لجزيرة “ميس”، وترى أنقرة أن هذا مخالفًا للقانون الدولي وقانون البحار .

موقف الدول الفاعلة في الصراع اليوناني التركي .

مصر :

تأتي الانتقادات المصرية للتحركات التركية في منطقة البحر المتوسط من باب المناكفة ، إذ وقعت اتفاقية مع اليونان لترسيم الحدود البحرية ، رغم خسارتها ما يقارب 24 ألف كيلومتر من حدودها البحرية .

المفارقة هنا أنه على الرغم من أن مصر بادرت بإقامة منتدى غاز شرق المتوسط مع اليونان وقبرص وفرنسا نكايةً بأنقرة ، فإنها استفادت من مواقف تركيا ، التي تقف حائلًا دون إقامة خط غاز شرق المتوسط ، كما أن مصر استفادت من مُذكرة ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا ، وعليه فإن المناكفة المصرية لتركيا مستمرة ما دامت حالة القطيعة بينهما مستمرة .

“إسرائيل”

ترى “إسرائيل” أنها غير معنية في التصعيد ضد تحركات تركيا في المنطقة ، بهدف عدم تعطيل مصالحها معها ، الهادفة إلى تصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب يمر من البحر المتوسط .

بعد توقيع تركيا مُذكرتي التفاهم مع ليبيا ، دعمت “إسرائيل” اليونان ، لكن على مستوى التصريحات الإعلامية دون الذهاب إلى التصعيد المباشر على أرض الواقع .

تجد “إسرائيل” فرصة في تحقيق هدفها بإنشاء خط أنابيب الغاز في شرق المتوسط ، يمر عبر الأراضي التركية ، لخفض التكاليف الباهظة ، التي من الممكن أن تتحملها في حال أقدمت على إنشاء خط الأنابيب من عرض البحر المتوسط ، وأكثر أمنًا .

 فرنسا

زاد التدخل التركي في ليبيا ، بناءً على مُذكرتي تفاهم رفعت حجم المخاوف الفرنسية تجاه النفوذ التركي ، الذي يهدد مصالحها في إفريقيا والبحر المتوسط . تقوم السياسة الفرنسية في المنطقة على أساس المصالح الوطنية الواقعية ، وأعربت باريس عن دعمها الواضح للمواقف اليونانية والقبرصية ، مع تصور أنها تدافع عن مصالح الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالمنطقة .

دعمت فرنسا ، منتدى غاز البحر المتوسط ، وأصدرت عددًا من البيانات المشتركة مع دول البحر المتوسط المنددة بالنشاط التركي في المنطقة ، وعرضت فرنسا المساعدة على اليونان ، بإرسال طائرات مقاتلة مع أجهزة استخبارات تكنولوجية إلى قبرص في : 17 من أغسطس / آب من العام الحاليّ .

وينطلق موقف فرنسا المضاد لتركيا من مُنطلق استراتيجية “الاتحاد من أجل المتوسط” التي ترمي للحفاظ على النفوذ الأوروبي في شرق المتوسط وزيادته ، خوفًا من التأثيرات السلبية المتعلقة بالوجود الروسي والصيني والتركي المتنامي في الحوض .

 

الولايات المتحدة الأمريكية

تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالدور الثانوي في المنطقة ، أي دور “المراقبة” ، تطور الموقف الأمريكي إزاء حلفائها الإقليميين ، حيث تؤيد الطرف الذي يستطيع موازاة الدور الروسي المتنامي في المنطقة ، بعد التدخل الروسي في ليبيا ، وامتداد النفوذ الروسي القريب من الجناح الجنوبي لحلف الناتو وأوروبا ،هو تركيا وفرنسا حاليًّا وبشكل أساسي ، أي أنها تقوم بدور “الإمساك بكفة توازن القوى” بين تركيا وفرنسا ؛ لدفعهما بصورة مدروسة نحو موازنة الدور الروسي المتنامي هناك .

روسيا

أصبحت روسيا من أبرز اللاعبين الأساسين في الساحة الليبية لصالح قوات حفتر، كما هو الحال في سورية، تدعم روسيا قوات حفتر على عكس تركيا التي تدعم حكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج ، والمعترف بها من الأمم المتحدة ؛ لذلك أصبحت روسيا إحدى الدول المُعيقة لتحقيق أنقرة لمصالحها في المنطقة – كما هو الحال في سورية – وتفعل روسيا في الصراع بين اليونان وتركيا بشكل متوازن ، فمن جهة تدعم اليونان من خلال تفعيل منظومة إس 300 في جزيرة كريت ، والدخول في حركة تفاوض وحوار مع تركيا من جهةٍ أخرى.

لكن الأرجح هو استنساخ الطرفين للنموذج السوري ، بما يشمل حركة تفاهمات وتقارب يحقق لروسيا أهدفها التي تكمن في استئناف عمليات التنقيب عن الغاز قبالة السواحل السورية واللبنانية ، وصولًا إلى استخدام موانئ البحر المتوسط ، كالموانئ الليبية في : طبرق ودرنة ومدينة سرت الليبية … التي تعتبرها روسيا “خطًا أحمر، باعتبارها البوابة الغربية لمنطقة “الهلال النفطي”، بهدف تسهيل وصول الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي دون أي عقبات ، مقابل حفاظ تركيا على نفوذها في الغرب الليبي وحوض المتوسط ، مع مشاركة روسيا لاستراتيجية نقل الغاز لدول الاتحاد الأوروبي تحت إدارتها.

يمثل الموقف الحاليّ لجميع الأطراف في شرق البحر المتوسط مأزقًا يضرها جمعيًا ، فالصراع بين تكتلات دول الشرق البحر المتوسط ، قد يعطل عمليات التنقيب المستقرة في المتوسط ، حتى تتم حالة توافق قائم على التسوية بين الدول الفاعلة .

في الوقت ذاته فإن التصعيد الأخير بين تركيا واليونان لا يُحدد وحده مصير المتوسط باعتبارهما دولًا إقليميةً لا تستطيع فرض معادلات نهائية، وفي هذا الحال ستذهب تركيا إلى زيادة التقارب مع روسيا في المنطقة ، فلا يمكن استبعاد دولة كبيرة كتركيا من الصراع على الغاز في المنطقة ، وفي نفس الوقت لا يمكن لتركيا فرض حل نهائي على دول الشرق الأوسط ، دون التوصل إلى حل نهائي يرضي جميع الأطراف المتصارعة .

 ورغم هذا تستأنف اليونان وتركيا اليوم الإثنين المحادثات ؛ لحل النزاع حول الغاز الطبيعي في بحر ايجه شرقي المتوسط ، بعد توقف دام 5 سنوات بسبب تصاعد التوتر بين الطرفين .

وتأتي المباحثات ، التي بدأت عام 2002م ، بعد انقطاع طويل ، حيث عقدت آخر مباحثات بين الطرفين في أثينا عام 2016م ، وحتى الآن . لم يتفق الطرفان على ما يريدان مناقشته ، فأنقرة تريد مناقشة جميع القضايا الشائكة ، وتشمل المياه المشتركة والمنطقة الاقتصادية الخاصة في بحر إيجة ، بالإضافة إلى نزع السلاح في الجزر اليونانية قبالة الساحل التركي ، والاختلافات بشأن التوسع المتبادل للمجال الجوي . لكن أثينا تريد مناقشة النزاع على الغاز الطبيعي فقط .

وبحسب تقارير إعلامية ، فإن الوفد التركي يرأسه سدات أونال نائب وزير الخارجية ، ويرأس الوفد اليوناني الدبلوماسي المتقاعد بافلوس أبوستوليديس .

ويشتعل الصراع منذ فترة ليس بالبعيدة على الغاز الطبيعي بين البلدين الجارين ، وكلاهما عضوان بحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) . وكاد العام الماضي أن يتصاعد الصراع ليصير عسكرياً .

وتتهم اليونان – العضو في الاتحاد الأوروبي – تركيا بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في المناطق البحرية التي لا يجوز إلا لأثينا – من وجهة نظرها – استغلالها ، في حين تقول أنقرة : إن هذه المناطق تنتمي إلى الجرف القاري التركي .

 عقب سلسلة من جلسات المباحثات على المستوى العسكري ، في إطار حلف شمال الأطلسي (ناتو) اتفقت تركيا واليونان على تأسيس آلية لفض النزاع بعد التوتر العسكر المقلق بين الطرفين ، في خطوة لتقليل خطر وقوع حوادث بحرية أو جوية بين البلدين في بحر ايجه وشرق المتوسط ، في حين تصاعدت الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي حول الطلب اليوناني القبرصي بفرض عقوبات على تركيا في القمة التي انطلقت الخميس ، ومقرر أن تختتم أعمالها الجمعة بقرار حول الخطوات المقبلة اتجاه تركيا .

وقد أعلن الناتو عن تشكيل آلية حول أساليب فض النزاع بين تركيا واليونان ، بخصوص شرقي البحر المتوسط . وقال بيان صادر عن الحلف : “نتيجة لسلسلة مباحثات فنية بين الوفدين العسكريين التركي واليوناني . تأسست آلية ثنائية لأساليب فض النزاع ، اعتبارًا من الأول من أكتوبر/ تشرين الأول”. وتهدف الآلية إلى خفض مخاطر وقوع حوادث غير مرغوب بها بين البلدين في شرقي المتوسط ، فيما سيتم إنشاء خط اتصال لتسهيل الفصل بين الجانبين في البحر والجو .

ونقل البيان عن الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ ترحيبه بتشكيل الآلية ، قائلًا : “أصبحت هذه الآلية ممكنة بفضل الجهود البناءة لحليفين مهمين في الناتو ” ، مشيراً إلى أن هذه الآلية الأمنية يمكن أن تساعد في خلق مساحة للجهود الدبلوماسية التي ستبحث القضايا الأساسية للخلافات ، مضيفاً : “مستعدون لتطويرها أكثر ، وسنبقى على تواصل مع البلدين الحليفين”.

وتعني آلية تجنب المواجهة باللغة العسكرية : إقامة خطوط اتصال بين الجيوش المتنافسة في نفس الميدان . مثلما فعلت الولايات المتحدة مع روسيا في سورية . وأحد الدوافع وراء المحادثات التي جرت بمقر حلف شمال الأطلسي وقوع تصادم طفيف بين فرقاطتين تركية ويونانية ، وزيادة المناورات العسكرية من جانب القوات البحرية للبلدين في البحر المتوسط .

والى الآن لا يزال هذا النزاع قائماً في عدة نقاط ، لم يتوصل البلدان إلى حلول ترضي كلا الحكومتين ، مع وجود جهود مبذولة من الدول الإقليمية والعالمية ؛ لحل الخلاف ، والوصول لمصالح مشتركة تشمل الجميع .

المصادر : المواقع الاخبارية العالمية ، ومراكز الدراسات

إعداد الطالب : محمد عبدالكريم العلي

اترك تعليقاً