بالتزامن مع التعاون الصيني اليوناني الصربي في الحزام والطريق هل أصبح موقع تركيا الجيوسياسي مهدداً؟

قبل كل شيء المشروع الصيني العملاق المسمى “طريق الحرير الجديد” سيكون محور الكثير من الأحداث السياسية والاقتصادية خلال العقود المقبلة. بسبب الهدف الرئيس الذي يسعى المشروع إليه المتمثل في ربط الصين بأوروبا وتوسيع نطاق نفوذها. لذلك أنفقت حزماً طائلة من التمويل كشراكة في مشروعات للبنى التحتية في إفريقيا وأوروبا. والسؤال هنا: هل أصبح موقع تركيا الجيوسياسي مهدَّداً؟

 

ما مظاهر اهتمام الصين بمشروع الحزام والطريق؟

في الواقع شاركت الصين أوغندا في تعبيد طريق حديث يبلغ طوله 50 كيلومتر إلى المطار الدولي. وفي تنزانيا تكفلت الأموال الصينية بتحويل مدينة ساحلية صغيرة إلى ميناء قد يصبح أكبر موانئ القارة. كما موّلت خط سكة حديد قياسي يربط مومباسا بنيروبي. علاوة على خط سكة حديد كهربائي من أديس أبابا إلى جيبوتي.

 

هذا في قارة إفريقيا. أما في أوروبا فتمكّنت شركات صينية من النفاذ إلى القارة العجوز عبر بوابة اليونان. التي انتهزت المشاركة في مبادرة “الحزام والطريق” لدعم الاستثمارات الصينية لديها وزيادة التبادل التجاري المشترك بينهما وهو ما تحقق بالفعل.

 

ما أبرز مجالات التعاون بين الصين واليونان؟

بصفة عامة شهدت السنوات الأخيرة تعزيز مجالات التعاون بين الصين واليونان. خصوصاً بعد دعمها في أزمة ديونها. ففي 2016 استحوذت «كوسكو» الصينية (مجموعة الشحن البحري الصينية) على حصة الغالبية في هيئة ميناء “بيريوس” أكبر الموانئ في اليونان. لا سيما بعد نجاحها في توسيع جزء من محطة الحاويات في الميناء خلال 7 سنوات.

 

من جهة أخرى ميناء بيريوس اليوناني تعتبره بكين نقطة محورية في مبادرة “الحزام والطريق” كبوابة رئيسة في منطقة الجنوب الأوروبي. وبعد الاستثمار الصيني فيه تحوَّل إلى أحد أكبر موانئ الحاويات في البحر المتوسط وأصبح ممر نقل رئيس يربط الميناء بأوروبا الوسطى. لكن هل تقف بكين عند الحصول على “بيريوس” فقط؟

 

يبدو أن الإجابة “لا”. خاصةً أن بكين تهدف لسدّ فجوة البنية التحتية على طول طرق التجارة إلى أوروبا وتسريع شحن البضائع من وإلى الصين. والقليل من المشاريع لا يكفي. ولذلك هناك أقاويل غير مؤكدة عن التوصل لاتفاق نهائي بين الصين واليونان لتدشين قناة صناعية من بحر إيجه إلى نهر الدانوب.

 

ما موقف تركيا إقليمياً بعد التقارب بين الصين واليونان؟

من ناحية أخرى فإن المشروع المرتقب يهدف كما يبدو لربط اليونان وأوروبا الوسطى وقد يتكلف نحو 3 تريليونات دولار. وإن تم الإعلان عنه رسمياً سيكون جزءاً من مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. لكن ما هو وضع تركيا كبلد يربط حرفياً وجغرافياً القارتين الآسيوية والأوروبية معاً؟ لا سيما أن تركيا تربط الشرق بالغرب.

 

من المنطقي أن هذين المشروعين وغيرهما ستمنح اليونان بالأخص ميزة تنافسية إقليمية كبرى كمركز شحن دولي. وبالتالي ستجعلها أكبر شريك بحري للصين في المنطقة. وهو الدور الذي يمكن لتركيا أن تلعبه بامتياز. ولذلك ستكون القوة الجيوسياسية لتركيا في البحر الأبيض المتوسط مهدَّدة.

 

مع ذلك فبالنظر إلى القرب الجغرافي بين تركيا واليونان. فالعديد من الجزر اليونانية تقع في بحر إيجه وشرق المتوسط على مرمى البصر من الساحل التركي. خاصةً أن قضايا المياه الإقليمية بينهما معقّدة وأوشك البلدان بسببها على الدخول في حرب في الماضي.

 

ما أبرز أسباب التوتر بين أنقرة وأثينا؟

كما أن حالة التوتر القائمة منذ عقود بين أنقرة وأثينا تتمحور بالأساس حول عمليات التنقيب عن الطاقة في شرق البحر المتوسط. فالبلدان المنتميان لحلف “الناتو” يتنافسان على مصادر الطاقة في البحر المتوسط. خاصةً خلال السنوات الأخيرة حينما تم الكشف عن احتياطات ضخمة من الغاز قبالة سواحل قبرص.

 

في الحقيقة كثفت تركيا حلال العام 2019م عمليات التنقيب غرب قبرص. ثم أبدت في نهاية مايو 2020م اعتزامها البدء في التنقيب خلال الأشهر التالية في مناطق عدة أخرى غرباً. الأمر يثير انزعاج اليونان وقبرص ويهدد بعودة التوتر إلى منطقة البلقان من جديد. خاصةً أن الأمر لا يقتصر عليهما فقط. بل يضمّ صربيا أيضاً.

 

بالإضافة إلى ذلك فإن الصين تمنح صربيا أهمية كبرى في تبادلاتها التجارية مع أوروبا. وتسعى لتوسيع التعاون بينهما في مجالات عدة تشمل الاقتصاد الأخضر والاستخدام الفعال للطاقة والجيل الخامس. زيادةً على حرصها على ضمّها إلى قائمة المستفيدين من مشاريع كبرى في إطار مبادرة “الحزام والطريق”.

 

وفي الوقت نفسه فإن ماضي العلاقات التركية الصربية يحمل الكثير من التوترات التي وصلت حد الحروب. مثل: حرب البلقان 1912-1913م وحرب البوسنة 1992-1995م وحرب كوسوفا 1999م. رغم حدوث طفرة إيجابية في العلاقات بعد عام 2002م حيث أصبحت تركيا مستثمراً جيداً في صربيا ووسيطاً إقليمياً بينها وبين الدول المجاورة.

 

على الرغم من هذا التطور الإيجابي إلا أن ذلك لا يمنع من وجود مخاوف على المكانة الجيوسياسية لتركيا في منطقة البلقان. وسط الطموح المتنامي للصين لضمّ الكثير من الأطراف الأوروبية الفاعلة ضمن مبادرة “الحزام والطريق” وتوجهها نحو اليونان وصربيا على وجه التحديد.

 

في نهاية المطاف إن أنقرة تحتاج لإدراك أن مشروع طريق الحرير البحري لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط. بل هناك جانب جيوسياسي يهدد مكانتها إذا ما تزايد التعاون الصيني اليوناني وظلت هي على هامش الطريق البحري. وعلى تركيا إقناع بكين بالاستثمار معاً في هذا المجال مثلما تستثمران في شبكة خطوط السكك الحديدية ضمن مشروع الطريق البري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى