هل ما جرى في كوبلنز محاكمة قضائيّة أم سياسيّة؟

هل ما جرى في كوبلنز محاكمة قضائيّة أم سياسيّة؟

 

أثارت قضيّة محاكمة العقيد المنشقّ أنور رسلان في ألمانيا الكثير من ردود الأفعال بين السوريّين على وجه الخصوص، فهناك من يرى أنّها محاكمة تاريخيّة تشكّل بداية الطّريق لمعاقبة الأشخاص الذين تورّطوا بجرائم ضدّ الشّعب السّوريّ، وهناك من اعتبرها انتقاماً من الضّباط المنشقّين وتصبّ في تقوية النّظام السّوريّ، وعقوبة لضابط انضمّ إلى الثّورة منذ البداية وعمل في مؤسّسات المعارضة، فريق آخر يصف العدالة الأوروبيّة بالعوراء تنظر بعين واحدة وتلاحق أشخاصاً ينتمون لمكوّن معيّن دون المكوّنات الأخرى،  وهذا الفريق يضع إشارات استفهام كثيرة على المراكز أو الجهات القانونيّة السّوريّة في أوروبا التي تلاحق أشخاصاً بعينهم دون غيرهم لتصفية حسابات شخصيّة، أو تنفيذاً لأجندات دوليّة، لذلك شكّكوا في دوافع هذه الجهات وغاياتها.

الفريق الأخير يقول إنّ المراكز القانونيّة السّوريّة التي تنشط في أوروبا تجاهلت ملاحقة الكثير من الشخصيّات المحسوبة على النّظام والتي ارتكبت جرائم خطيرة راح ضحيّتها الآلاف من السّوريين بالرّغم من أنّهم يقيمون في دول أوروبيّة منذ سنوات ويتنقّلون فيها بكامل حريّتهم مثل رفعت الأسد وغيره، إلى جانب ذلك زار ألمانيا وبعض الدّول الأوروبيّة خلال السّنوات الماضية مسؤولون أمنيون لازالوا يعملون في الأجهزة الأمنيّة السّوريّة وعقدوا اجتماعات مع أجهزة المخابرات في هذه الدّول ولم يتمّ توقيفهم أو اعتقالهم خاصّة وأنّ أسماء بعض هؤلاء مُدرجة على لائحة عقوبات الاتّحاد الأوروبيّ. وهناك قيادات في قوّات سوريا الدّيمقراطيّة “قسد” مسؤولة عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة بحقّ السّوريين تصول وتجول في أوروبا من غربها إلى شرقها وبعضهم لديه مكاتب رسميّة هناك دون أن تحرّك هذه المراكز ساكناً ضدّهم.

لا شكّ أنّ الإفلات من العقاب يُعتبر أحد المسبّبات الرّئيسة لانتشار الجرائم الخطيرة المحظورة بموجب القانون الدّوليّ، ويحول دون تطبيق العدالة على مرتكبي هذه الجرائم، الأمر الذي يفتح شهيّة آخرين لارتكابها في ظلّ انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، والتي تعني أنّ الذين يرتكبون الانتهاكات يعلمون أنّ من غير المحتمل أن تطالهم يد العدالة، ولن تتمّ محاسبتهم على أفعالهم، ويُعدّ ذلك أحد أبرز التّحدّيات التي تواجهها العدالة في عالَمنا المعاصر. خلال السّنوات القليلة الماضية تطوّرت قواعد القانون الجنائيّ الدّوليّ الخاصّة بملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة التي تخالف القانون الدوليّ، ووفّرت هذه القواعد آلياتٍ جديدة لم يعرفها المجتمع الدوليّ من قبل لمحاكمة المجرمين المتّهمين بارتكاب هذه الانتهاكات.

أحد هذه القواعد الجديدة ما يسمى بــــ”مبدأ الولاية القضائيّة العالميّة” الذي يسمح لهيئات الادّعاء الوطنيّة بملاحَقة من يُعتقد أنّهم مسؤولون عن جرائم دوليّة خطيرة بعينها، مثل جرائم التّعذيب وجرائم الحرب والإبادة الجماعيّة والجرائم ضدّ الإنسانيّة، حتى وإن ارتكبوا هذه الجرائم في أماكن أخرى خارج إقليمها، ولو كان المُتّهم أو الضحايا من غير مواطني الدّولة. ويعتبر هذا المبدأ تطوّراً مهمّاً في سياق القضاء الجنائيّ الدّوليّ، يسهم في منع إفلات الجُناة من العقاب في حال لم يحاكَموا في بلدانهم أو أمام محاكم دوليّة. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال مبدأ الولاية القضائيّة العالميّة يثير نقاشاً حادّاً في الأوساط القانونيّة الدوليّة.

واستناداً لهذا المبدأ تصدّت كلّ من السّويد وألمانيا وفرنسا وإسبانيا لعدد من القضايا المتّصلة بانتهاكات حقوق الإنسان في سورية، بموجب قوانينها الداخليّة، حيث يسمح قانون المسؤوليّة الجنائيّة عن الإبادة الجماعيّة والجرائم ضدّ الإنسانيّة وجرائم الحرب السّويدي لعام 2014 بمحاكمة المواطنين، أو الأشخاص المقيمين في السّويد أو غيرهم من الأجانب الموجودين في الإقليم، بسبب جرائم ارتُكبت خارج السّويد، أمّا في ألمانيا فقد تمّت محاكمة مواطنين سوريين موجودين على أراضيها من قِبَل المحاكم الألمانيّة، لارتكابهم جرائم دوليّة، ومنهم من ينتظر المحاكمة بموجب مدوّنة الجرائم ضدّ القانون الدّوليّ الألمانيّة لعام 2002، وتراوحت التُّهم ما بين الخطف والتّعذيب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة.

المحاكم المحليّة التي تعمل بناءً على مبدأ الولاية القضائيّة العالميّة، كتلك الجارية في عدد من الدّول الأوروبيّة تملأ إلى حدٍّ ما فجوة المُساءلة والإفلات من العقاب. لكن ما يثير القلق إلى حدٍّ ما هو حقيقة أنّ الغالبيّة العظمى من الحالات التي نظرت فيها هذه المحاكم قد استهدفت المُشتبه بهم المرتبطين بجماعات المعارضة – وعناصر داعش – وليس أفراد النّظام السّوريّ. وهذه المحاكمات رغم أهميّتها، تظلّ عرضيّةً وانتهازيّةً، كما تقول “بيث فان شاك” الباحثة في مركز ستانفورد لحقوق الإنسان والعدالة الدّوليّة في كتابها المُعَنون “تخيّل العدالة لسوريا“. وبالنّظر إلى حقائق التحقيق والادّعاء العام، فإنّ القضايا في مُجملها لا تمثّل النّطاق الكامل للجرائم الدوليّة التي تُرتكب في سوريا. إذا كان الهدف هو المُساءلة الشّاملة، فإنّ هذه النّتائج مُخيّبة للآمال، لا سيما لضحايا جرائم النّظام السّوريّ. ومع ذلك، فإنّ هذه القضايا ترسي سوابق قانونيّة مهمّة، مثل تزويد السّلطات المحليّة بخبرة قيّمة في مُقاضاة الجرائم الدّوليّة، وتقديم قَدَر من العدالة للضّحايا، وحرمان الجُناة من الملاذ الآمن، ومعاقبة الأفراد المُتّهمين بارتكاب أعمال مروّعة، وتعزيز الاستقرار من خلال منع الضّحايا من تحقيق العدالة بأيديهم في أماكن لجوئهم. مع ذلك يبدو أنّ هذه المُحاكمات تمثّل المُنتدى الوحيد المحتمل لإقامة العدل في سوريا حتى الآن.

لكن ما جرى في محكمة كوبلنز يبدو وكأنّه محاكمة سياسيّة لا جنائيّة، فالحُكم الذي أصدرته المحكمة أشبه بدفاعٍ سياسيٍّ ولا يستحقّ حتّى أن يُسمّى “حُكماً قضائيّاً” لأنّه لم يتضمّن أدنى مقوّمات القرار القضائيّ ولم يُبنى على حقائق أو أدلّة دامغة بل على تخميناتٍ ومعلوماتٍ مصدرها وسائل إعلام غير موثّقة وقصص وشهادات شهود مضى عليها أكثر من عشر سنوات لا يُمكن التّحقّق من صحّتها أو مصداقيّتها وهذا ما يتعارض مع أدنى الضّمانات القانونيّة التي تحرص على اتّباعها المحاكم الجنائيّة الدّوليّة ويتعارض مع مبدأ العدالة الشرعيّة الصّارمة السّائد في البلدان الخاضعة للنّظـام الرّومـانو-جرمـاني.

ينصّ الحكم على أنّ مجلس قضاء الأمور الجنائيّة الأوّل لدى المحكمة الإقليميّة العُليا في كوبلنز حكم على السّوريّ الجنسيّة أنور رسلان  بعقوبة سالبة للحريّة مدى الحياة بسبب ارتكابه جرائم ضدّ الإنسانيّة تمثّلت في إحداث موت، تعذيب، حرمان من الحريّة بصورة جسيمة، اغتصاب وإكراه جنسيّ في 27 حالة، جريمة اعتداء جسديّ خطر أو إلحاق إصابة جسديّة خطرة في  25 واقعة، جريمة اغتصاب مشدّدة بصورة خاصّة، جريمة إكراه جنسيّ في واقعتين، جريمة سلب حريّة مستمرّ لمدة تزيد عن أسبوع في 14 واقعة، جريمة احتجاز رهائن في واقعتين وجريمة إساءة معاملة سجناء جنسيّاً في ثلاث وقائع، كل ذلك حدث في إطار هجوم واسع ومنهجيّ على السّكان المدنيّين السوريّين كما قام بوصفه شخص مشترك في الجريمة بقتل 27 إنسان وكذلك قام بطريقة جسيمة بحرمان 4000 إنسان من الحريّة الجسديّة وقام بتعذيبهم أثناء فترة الاحتجاز في الحبس. ويضيف الحكم “على الرّغم من أنّ المرفوع ضدّه الدّعوى (أنور رسلان) لم يقم بتنفيذ الجرائم بنفسه بصورة شخصيّة، إلّا أنّ هذه الجرائم يجب أن يتمّ نسبتها إليه بناءً على ما كان لديه من سلطة التّقرير وإصدار الأوامر”. في موضع آخر يقول الحكم “أنّ المُدّعى عليه كان يريد أن يحافظ على وضعه الاجتماعي المرموق كعقيد في جهاز المخابرات العامّة وعلى الامتيازات المرتبطة بذلك، من واقع ذلك تكشّفَ لمجلس القضاء وجود دوافع دنيئة للقتل لدى المدّعى عليه” وأنه كان يتوجّب عليه “مغادرة سوريا والانشقاق عن النّظام في وقت أبكر” وأنّه ” فيما يتعلّق بالتّسبب في إحداث الموت كان لديه شبه عمد فقط ولم يمارس عنف بيديه”.

هناك الكثير من الخلل والتّناقض في حكم المحكمة لأنه لم يُبْنَ على أدلّة قانونيّة حقيقيّة، بل على افتراضات وحكم على النّوايا وتخمينات غير واقعيّة مبنيّة على شهادات وتقارير منظّمات لا يمكن التّحقّق من مصداقيّتها. لسنا بصدد الدّفاع عن أنور رسلان وإن كان يستحقّ الدّفاع عنه لأنّه من أوائل الضّباط الذين انشقّوا عن النّظام ومن الأشخاص المشهود لهم اجتماعياً بحُسن الخُلق ومساعدته الكثير  من الموقوفين داخل سجون النّظام في بداية الثّورة وهو ما أكّده العديد من المعتَقَلين سابقاً أمام المحكمة ذاتها، لكن ما ذهبت إليه المحكمة خطير جداً ويتنافى مع أدنى ضمانات العدالة الجنائيّةـ فالجرائم ضدّ الإنسانيّة تعتبر من الجرائم الخطيرة التي يجب على القضاء الجنائيّ الوقوف أمامها بحذر شديد بعد التّأكّد من توافر أركانها الماديّة والمعنويّة بصورة لا تقبل الشّك، وفي حال وجود شكوك فيجب أن يتمّ تفسيرها لصالح المُتّهم، وهذا أحد المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها القضاء الجنائيّ الدّوليّ الحديث.

كان يتوجّب على المحكمة بدل الجنوح إلى الادّعاءات والافتراضات السّياسيّة التي ساقتها جهة الادّعاء أن تحلّل الأدلّة والجرائم التي وجّهت للمتّهم كلّ جريمة على حدة من حيث بُنيتهـا الماديّة المرتكزة على عناصرها الثّلاث وهي السّلوك، والنّتائج، والظّروف، وبُنيتها المعنويّة المتمثّلة بضرورة ارتباط السّلوك المحظور بحالة ذهنيّة معيّنة، وهذا عنصر نفسيّ يشترط النّظام القانونيّ توافره لاعتبار الـسّلوك جـديراً بالملامة وبالتّالي معاقباً عليه ويُسمّى هذا العنصر أيضا بالحالة الذّهنيّة المُدانـة أو القصد الجنائيّ وهو شرط أساسيٌّ لإسناد المسؤوليّة الجنائيّة في كافّة الأنظمة القانونيّة بما فيهـا القـانون الجنـائيّ الدوليّ. وهو ما ذهبت إليه المادة 30 من نظام روما الأساسيّ التي نصّتْ على أنّه (… لا يسأل الشّخص جنائيّاً عن ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة ولا يكون عُرضة للعقاب على هذه الجريمة إلا إذا تحقّقت الأركان الماديّة مع توافر القصد والعلم). أي ضرورة توافر الرّكن المادّيّ والمعنويّ للجريمة، بل أنّ الجرائم ضدّ الإنسانيّة تتطلّب توافر ركنين معنويّين وهما القصد الجنائيّ الخاصّ بالجريمـة الأصـليّة (القتـل المُتعمّد، الاغتصاب، التّعذيب، التّرحيل، إلخ)، وإدراك وجود ممارسة منهجيّة أو واسعة النّطاق.

قد يكون أنور رسلان محظوظاً لأنّه حصل على فرصة للدّفاع عن نفسه وهو ما لم يُتَح للآلاف من المعتَقَلين أمام المحاكم في سوريا، لكن العدالة لا تتجزّأ، كما يقول النّاشط الأميركيّ ضدّ سياسة التّمييز في الولايات المتّحدة مارتن لوثر كينغ، إنّ الظّلم في أيّ مكان هو تهديد للعدل في كلّ مكان، وبالتّالي الظّلم هو ذاته سواء كان في سوريا أو ألمانيا أو في أي بلد آخر، يجب على المحاكم المحليّة التي تتصدّى للجرائم الدوليّة أن تراعي عدّة قضايا وتأخذها بعين الاعتبار وهي ضرورة وجود قضاة مدرّبين على التّعاطي مع هذا النّوع الخاصّ من الجرائم، وصعوبة الوصول إلى الأدلة الحقيقيّة وتحليلها في الوقت المناسب، وعدم قدرتها على إجبار العديد من الجهات على التّعاون معها خاصّة في ظلّ عدم وجود قرار دوليّ بذلك.

د. وسام الدّين العكلة

أستاذ القانون الدّوليّ في جامعة ماردين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى