القوة الناعمة في الحرب الروسية_الأوكرانية

القوة الناعمة في الحرب الروسية – الأوكرانية

لم تعد تنحصر أدوات الحروب والنزاعات في العصر الحديث على الأسلحة العسكرية، مثلما كانت عليه من قبل، وإنْ كانت هذه الأسلحة تشكل نسبة كبيرة في ترجيح النصر للأكثر عُدّة والأحدث عتاداً، لكنْ ثمة أمر مهم يدركه قارئ الأحداث التاريخية، كما يدركه المخطط العسكري على أرض الميدان، وهو أن هناك عناصر قوة أخرى باتت الدول تعمل عليها في حروبها، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، لما رأت فيها من عوامل القوة التي لا يمكن الاستغناء عنها، وهي ما يعرف بمصطلح “القوة الناعمة”، وسأخص هنا الحديث عن أهم جوانب هذه القوة، وهو “الإعلام”.

لكنْ قبل كل شيء، علينا أن نوضح للقارئ الحصيف مفهوم القوة الناعمة والقوة الصلبة، الّلتَين تعتبران من أدوات الممارسة السياسية. أما القوة الصلبة Hard _ Power: فهي كل ما يهدف إلى إخضاع العدو وكسر إرادته، مثالها: المال والمنصب والعسكرة وغير ذلك، وأما القوة الناعمة Soft_ power: فيندرج تحتها الإعلام والدعاية السياسية، والتعامل المباشر، وغير المباشر، والدبلوماسية.

ومن هنا نقول إنه غالباً ما تبدأ الحرب بأدوات القوة الناعمة، على حين تغيب العسكرة في البداية، ثم ينتج عن هذه القوة لقاءات دولية ومحلية وبناء التحالفات، وتربص كل طرف بالآخر، وهذا ما يظهر واضحاً في الإعلام الموجّه لكلّ منهما.

وعلى الرغم من بدء مرحلة العسكرة والقتال بعد هذا التمهيد الإعلامي إلا أن هذا لا يعني انتهاء المرحلة الأولى، بل على العكس تماماً، فهي تشتدّ وتزداد كلّما اشتدت الحرب واتسعت رقعتها وكبرت خسائرها، لأنّ كل طرف في القتال يريد أن يحشد الزخم لاستمرار معركته، ويبرر المرحلة التي وصل إليها أو يظهر مواطن نجاحه وتفوقه وهيمنة أفكاره على الطرف الثاني، وليس لهذا طريق إلا الإعلام والدعاية السياسية.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن هذا الحشد يكون مزدوجاً، فبينما يستمر الإعلام بتسعير الحرب وتثبيت عقيدة الجنود القتالية إذا طال أمد الصراع، يعمل في الجانب الآخر على نشر الرعب والوهن في صفوف العدو.

وقد لاحظ المتابعون للحرب الروسية – الأوكرانية، تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وخاصة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ومستشاره “جيك سوليفان” حول اتخاذ الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” قراراً بغزو أوكرانيا، لاحظوا أن الضخّ الإعلامي الأمريكي ظهر جلياً في هذه المسألة، حتى إنَّ الرئيس الأمريكي قد حدد يوم الغزو الروسي لأوكرانيا في أحد تصريحاته، بأنه سيبدأ يوم السادس عشر من شهر شباط الماضي!

أما “جيك” مستشار “بايدن” فقد أشار في أحد تصريحاته إلى أن الحرب باتت شبه مؤكدة.

ومن هنا فتصريحات الرئيس ومستشاره على وسائل الإعلام وتحديد موعد الغزو الروسي -وإن لم تُصِب بدقة- فهي تدل على دور المكنة الإعلامية الضخمة التي اتبعتها أمريكا في هذه الحرب، وكان لذلك تبعات اقتصادية وسياسية، من ارتفاع في الأسعار وطرد للدبلوماسيين من كلا البلدين وغير ذلك، وقد أجلت العديد من دول العالم رعاياها من أوكرانيا على إثر التصريحات الأمريكية.

ولا يخفى أن هناك جوانب أخرى وراء هذه التصريحات تتمثل في جر روسيا إلى مستنقع الحرب وإغراقها في حرب استنزاف مع عقوبات اقتصادية قوية وقياسية، وهذا أمر آخر، ليس موطن مقالنا.

ولأهمية الجانب الإعلامي في الحروب، قام الاتحاد الأوروبي كذلك في بداية هذه الحرب بفرض الحظر على وسائل إعلام روسية، وقد ذكر “جوزيب بوريل” ممثله السامي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في مؤتمر صحفي: أن الاتحاد سيحظر قناة “روسيا اليوم”، و”سبوتنيك”، وذلك لمواجهة التضليل الروسي، وبذلك تكون هاتان الوسيلتان محظورتين من البث في الاتحاد الأوروبي، الذي أثاره خطر الدعاية الروسية، إذ من الممكن أن تؤثر الأفكار الروسية المضللة في السياسة الخارجية لهذا الاتحاد وفي تحريك شعوبه ضد هذه السياسة.

في حين أن روسيا لم تستطع مواجهة المكنة الإعلامية الأمريكية الضخمة، رغم وعيها التام بالمخطط الأمريكي لها، فراحت تروج على وسائل إعلامها أنها لا تريد خوض الحرب على أوكرانيا، وأنّ ما تريده قَبول أمريكا لشروطها بعدم توسيع حلف الناتو بجوارها، وعدم تنصيب منظومات استراتيجية في (بولندا ورومانيا وبلغاريا وأوكرانيا)، أي الدول التي تهدد الأمن الروسي، ولكن بالنهاية دخلت الحرب المفتوحة على أراضي أوكرانيا.

وأما الطرف الآخر أوكرانيا فلم تكن كروسيا من حيث الحشد الإعلامي، لأنها في حالة دفاع، ولكن الرئيس الأوكراني منذ اندلاع الشرارة الأولى بين بلاده وروسيا أصبح يخرج بشكل مستمر، وخاصة في يومي الحرب الأولَّين،   يوجه خطابات للشعب الأوكراني يحثّه على الثبات ومقاومة الروس، مثلما يوجه كلمات لزعماء العالم يطلب مؤازرتهم في ذلك، هذا الأمر أثبت جدية الأوكران في مواجهة الروس، إضافة إلى أن كلمات “زيلنسكي” للزعماء والتحذير من خطر الحرب الروسية على بلاده، أدت إلى خروج مظاهرات مناهضة في دول العالم، وفي العاصمة الروسية موسكو وغيرها كـ “سانت بطرسبرغ”، وهذا ساعد في تعاطي الإعلام العالمي مع الشعب الأوكراني ونبذ روسيا.

على أية حال ما تزال الحرب، على ما يبدو، في بدايتها، إذ يظهر من أرض الميدان أن روسيا مستمرة في اجتياح الأراضي الأوكرانية، وأن أوكرانيا تحاول صدّ الهجمات المتتالية، مع دعم أوروبي متزايد لها، وعقوبات اقتصادية على روسيا.

ويظهر من الخطاب الإعلامي للطرفين أن روسيا ستصعد في حربها، وقد تستخدم الأسلحة المحظورة، كما أن أوكرانيا ستستمر في رد الفعل ومقاومة الآلة الروسية، على حين يبدو الخطاب الإعلامي الأمريكي والأوروبي منحازاً بقوة إلى أوكرانيا على عكس الحياد الذي أعلنه قبل إطلاق القذيفة الأولى.

عثمان علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى