الثورة السورية تكمل عامها الحادي عشر

الثّورة السّوريّة تكمل عامها الحادي عشر

ثورة لم يشهد مثلها التّاريخ الحديث من حيث صلابة الثّوار وإصرارهم على تحقيق حلمهم في الحريّة والكرامة والعدالة الانتقاليّة

سورية قبل أذار 2011

بدأت مسيرة الاستبداد والقمع منذ عهد حافظ الأسد، الذي استولّى على السّلطة بانقلاب عسكريّ سمّاه الحركة التّصحيحيّة سنة 1970 حيثُ بَنى حافظ الأسد سلطته على أساسٍ طائفيٍّ كان أشدّها على السّوريّين مجزرة حماة وتدمر، والتي خلّفت آلاف الشّهداء الأحرار وزجّ أضعافهم عقوداً في سجون الموت التي حُفرت مأساتها بذاكرة السّوريين و شكّلت وصمة عار على جبين الإنسانيّة في تاريخها الحديث، ومع استلام المُستبدّ الابن بشّار الأسد السّلطة  سنة 2000 استمرّ التّضييق على السّوريّين من خلال إحكام قبضة عائلة الأسد على مُقدّرات السّوريين عبر شركات رامي مخلوف ابن خالة بشّار الأسد، وكما قام بدعم الأفرع الأمنيّة واستحداث فرقة عسكريّة جديدة سمّاها الفرقة 15 قوّات خاصّة، وكان كلّ هدفه وكلّ تحالفاته الخارجيّة للحفاظ على كرسيّه على حساب راحة وحريّة شعبه، ولا يخفى على أحدٍ أنّ السّوريّين قبل الثورة عانوا من التّصحّر السّياسيّ لأنّ عصابةَ الأسد حجبَت هذا الاختصاص عنهم، وكان المعروف لدى السّوريين من كلمة سياسة فقط فرع الأمن السّياسيّ وشُعَبه الطائفيّة وهذا ولّدَ لدى السّوريين الهمّة والعزيمة للثّورة على الاستبداد والمُطالبة بحياةٍ كريمةٍ تسود فيها العدالةُ والقانون.

 

انطلاق الثّورة السّوريّة في آذار 2011

كانت أعين السّوريين على ثورات الرّبيع العربيّ وكيف خرجت الشّرارة من تونس إلى مصر وليبيا

وشعر السّوريّون أنّ حلم الحريّة سيتحقّق، وأنّ زوال الاستبداد سيكون ضمن الرّبيع العربيّ المُرتقب

بدأت الثّورة السّوريّة على جدران المدارس في درعا حيث خطَّ أطفالُها عباراتٍ أشهرها: ( إجاك الدور يا دكتور)

فقام النّظام باعتقالهم وتعذيبهم ظنّاً منه أنّه سيقمع هذه الاحتجاجات بأسلوبه الذي ربّاه عليه حافظ الأسد

وكان هذا الإجراء سبباً في تحرّك السّوريّين في شتّى المحافظات السّوريّة مطالبين بالحريّة وإنهاء حالة الطّوارئ التي دامَت أكثر من خمسين عاماً.

بدأ النّظام بتحريك أجهزة الدّولة ليس لتلبية طلبات السّوريّين وإنّما لقمعهم، حيثُ حوّل أجهزة الأمن والمخابرات إلى شبيحة لا تَعرف غير لغة القتل، وبعدها بدأت قطعات الجيش تتحرّك ليس لحماية الحدود وتحرير الجولان المُحتلّ من العدوان الصّهيونيّ، وإنّما لقمع حريّة الشّعب وضرب المظاهرات السّلميّة الّتي ميّزت فيها وعي وثقافة الشّعب السّوريّ المُتعطّش للحريّة والكرامة، مظاهرات سوريا السّلميّة والّتي سُمّيت مظاهرات الورد التي قابلها نظام الأسد بالحديد والنّار.

شعار السّوريين مع بداية القمع (( على الجنّة رايحين شهداء بالملايين )) بعد أن رأوا أنّ للحريّة ثمناً وهو آلاف الشّهداء وآلاف المعتَقَلين.

 

التّحوّل في مسار الثّورة إلى حمل السّلاح

كان في صفوف الجيش السّوريّ العشراتُ من الضّباط الشّرفاء الذين رفضوا سياسة القتل وأعلنوا انشقاقهم والتحاقهم بصفوف الثّورة السّوريّة، وكان من أبرزهم المقدّم حسين هرموش حيث بدأت تتشكّل كتائب الجيش الحرّ لحماية المظاهرات السّلميّة والدّفاع عن السّوريّين من بطش نظام الأسد،

امتدّت هذه الكتائب إلى معظم المدن السّوريّة، وهذا ما دفع النّظام إلى زيادة وتيرة الإجرام فقام بارتكاب المجازر الطّائفيّة وكان أبرزها كرم الزيتون والحولة ومجزرة داريا الكبرى.

وبعد عام من تشكيل الجيش الحرّ تمكّن الثّوار من تحرير غالب الأراضي السّوريّة، ممّا دفع النّظام إلى جلب الميليشيات الإيرانيّة والعراقيّة والّلبنانيّة للوقوف بوجه الشّعب السّوريّ

وأسّس أيضاً لوجود داعش داخل المناطق المُحرّرة سنة 2013 التي وقفت أيضاً ضدّ تحرير الشّعب السّوري ونجاح ثورته، وبدأت بسلب الأراضي المحرّرة وثمّ تسليمها على طبقٍ من ذهبٍ للنّظام المجرم.

التّدخّل الرّوسيّ لانتشال الأسد

استمرّ الثّوار في نضالهم المشروع من أجل إسقاط الأسد وحماية الشّعب السّوريّ من آلة الإجرام التي عصفت بهم من قتلٍ وحصارٍ وتدميرٍ ومجازر كان أبرزها مجزرة الغوطة التي استخدم فيها النّظامُ السّلاح الكيماويّ وكسر كلّ الخطوط الحمراء التي رسمتها له الدّول الكبرى.

ولكن رغم الإجرام الذي قامت به قوّات الأسد إلا أنّ عزيمة السّوريّين بقيت صامدة، وصرخات الحريّة مدويّة، وهذا جعل النّظام أمام انهيار؛ لأنّ المناطق الثّائرة خرجت عن سيطرته، فبدأ يستنجد بالدّول الحليفة له مثل الصّين التي ساندته بحقّ الفيتو في مجلس الأمن وروسيا التي انتشلت سقوطه وأعلنت وقوفها العلنيّ معه في قمع السّوريّين.

في أيلول 2015 بدأ التدخّل الرّوسيّ على أثر معارك هدّت مضجع النّظام، وكان من أبرزها “الله غالب” في الغوطة الشّرقيّة ومعركة ” لهيب داريا” في مدينة داريا المحاصرة، وكان التّدخّل الرّوسيّ يستهدف كلّ شيء فيه حياة من أطفال ومشافٍ ومواسم وغيرها

وانتهج سياسة التّجويع والحصار ثمّ الأرض المحروقة وضرب الثّوار في حواضنهم المدنيّة، وهذا ما أدّى لسقوط عدّة مدن أبرزها مدينة حلب.

صمود رغم الآلام

استطاعت الثّورة السّوريّة الصمود في وجه النّظام في كلّ المراحل التي مرّت بها، ورغم كلّ الآلام التي عصفت بها ورغم كل التّخاذل الدّوليّ في نصرة الشّعب السّوريّ الجريح، فها هي أتمّت عامَها الحادي عشر ومازالت روح الثّورة حاضرةً، وبقي الحلم السّوريّ حاضراً في قلوب الثّوار قبل ذاكرتهم، وهو حلم التّحرير وإسقاط النّظام بكافّة رموزه وتحقيق العدالة الانتقاليّة التي تحافظ على سورية بلداً واحداً، وهذا الحلم له دافع واحد وهو الإيمان بعدالة القضيّة وأن ليس للثّورة مصير إلّا النّصر أو النّصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى