قراءة في نظريّات الديمقراطية الكلاسيكية

الكاتبة: أ. سماح عبد السلام

19.05.2022

الحديث عن الديمقراطية لا يمكن اختصاره بعدد محدد من المقالات، وخصوصاً أنها أحدثت ضجة كبيرة بين المفكرين الغربيين والشرقيين وما زالت إلى اليوم. هذه الضجة تتعلق بتعريف المصطلح وتحديد أدواته وممثليه وتأثيره والوسط المناسب لتطبيقه على أرض الواقع. هذا المصطلح الذي يحمل أصولاً يونانية والذي يُستخدم في ميدان اللغة السياسية يتكون من كلمتين: الأولى ديموس “demos” وهي كلمة يونانية تشير إلى الشعب أو المواطنة، والثانية “kratein” والتي تعني الحُكم أو ممارسة السلطة. تشير الديمقراطية إذن إلى السيادة أو ممارسة السلطة من قبل الشعب الذي يملك الصلاحيات لتأسيس مجلسه وأي مؤسسات أخرى.

تمت ممارسة الديمقراطية لأول مرة في دول المدن اليونانية في الفترة القديمة من القرن الخامس قبل الميلاد تقريبًا إلى القرن الرابع في مدينة آثينا التي رفضت نظام الحكم الملكي. كان لفظ الشعب أو المواطن في اليونان القديمة حتى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين يعني شريحة صغيرة فقط من السكان الذكور البالغين، هؤلاء الذكور الذين يمكنهم حمل السلاح، ودفع الضرائب، والمقيمون لفترة طويلة في آثينا لهم حق المشاركة في الانتخابات، والترشح لعضوية البرلمان، وأيضاً نصيب جيد في الإدارة العامة. بمعنىً آخر، لا يمكن للعبيد والأجانب والنساء المشاركة في العمليات الديمقراطية. هذا كان شكل الديمقراطية التي طُبقت لأول مرة في التاريخ.

يشمل مصطلح “الشعب” اليوم جميع المواطنين البالغين من الذكور والإناث في الدول الدستورية الغربية. لكن منذ وقت ليس ببعيد، كان الوضع مختلفًا تمامًا؛ فحتى بدايات القرن العشرين، كانت النساء محرومات من حق التصويت والتعليم وكُنّ مواطنين درجة ثانية. يُضاف إليهن الرجال غير المتعلمين وغير القادرين على حمل السلاح، والذين يعيشون على مساعدات من فاعلي الخير. مختصراً كانت نظرية الديمقراطية وممارستها في الواقع من “شؤون الرجال” فقط لفترة طويلة.

لا توجد ديمقراطية واحدة فقط، بل توجد مجموعة متنوعة من الديمقراطيات. لذلك، وجب أيضاً أن تتعدد نظريات الديمقراطية. معظم نظريات الديمقراطية كتبها أولئك الذين دافعوا عن مبدأ الديمقراطية كوسيلة جيدة للحكم وإدارة الدولة. وهناك قسمٌ آخر كتب عن نظريات الديمقراطية وكان معارضاُ بالأساس لمبدئها. في هذه المقالة سنتحدث عن آراء رائدَين مشهورَين حول الديمقراطية، الأول هو شارل دي مونتسكيو والآخر جان جاك روسو.

وجهة نظر روسو في نظرية الديمقراطية ومصطلح ديموس “demos

كان تصور جان جاك روسو عن الدولة هو مفهوم ثوري. بالنسبة له لا تقوم الدولة على العناية الإلهية والنظام الملكي الذي كان يُعد تمثيلا للإله على الأرض، ولا على السيادة الاستبدادية التي تجعل الشعب قطيعاً ومُلكاً لخدمتها، ولكن على الارتباط والحكم الحر للمواطنين والذي يقوم على اتفاق بين أطياف ‘‘الشعب’’ فقط. وفقًا لروسو، فإن هذه السيادة فقط هي الشرعية. قام روسو باتخاذ منحىً متطرف تجاه حديثه عن فكرة السيادة، والتي برأيه كان أساسها السيادة الشعبية التي تحمل في نواحيها محتوىً ديمقراطيًا وسلطويًا في الأساس.

يدافع روسو عن فكرة الديمقراطية المباشرة ويعززها بمبدأ السيادة الشعبية الراديكالية. وفقًا له، فإن السيادة غير قابلة للتجزئة وغير قابلة لمنحها لطرفٍ آخر. وهناك ما هو أكثر من ذلك، فلقد قال أن: ‘‘السيادة الشعبية تسبق وتؤسس بشكل أساسي النظام القانوني بأكمله’’. ووفقًا لهذا الفهم، فإن السيادة الشعبية لا تعني سيادة القانون أو الدستور، بل تعني السيادة المستمرة للمواطن الكامل. السيادة الحقيقية تشمل السيادة فوق الدستور أيضاً. برأيه أن ‘‘الشعب’’ والذي يمثل الإرادة العامة يملك القرار بمنح السلطة والصلاحيات لمسوؤلين في الدولة يتولون الحكم نيابةً عنه. ويمكن للـ‘‘الشعب’’ أن يحدّ أو يغيّر أو يسحب السلطة التنفيذية الممنوحة للحكام.

تحدث المفكر روسو، أحد المدافعين الثلاثة عن نظرية العقد الاجتماعي إلى جانب هوبز ولوك، أن نظرية العقد تدور حول قيام ’’ المواطنين’’ بنقل حقوقهم وحرياتهم إلى السلطة (الدولة) بهدف تأمين أنفسهم وحدوث المنفعة العامة. إن استطاع الناس الاجتماع مع بعضهم من خلال توحيد قواهم، فإنهم سيستطيعون حماية أنفسهم والآخرين. الغرض من العقد هو إيجاد سلطة تحمي وتدافع عن الحياة والملكية الخاصة وسلطة المجتمع. على حد تعبير روسو “وجود شكل من أشكال المشاركة التي ستدافع وتحمي بشكل كامل حياة وممتلكات كل من المشاركين مع القوة المشتركة التي ستخلقها. وفي هذه الشراكة، لا يزال كل فرد بينما يتحد مع جميع الشركاء الآخرين يخضع فقط لإرادته ويظل حراً كما كان قبل الانضمام إلى الشراكة”.

يؤكد روسو أن أولئك الذين يسلمون إرادتهم إلى (الدولة) لا يساومون على حريتهم، بل على العكس، يصبحون أكثر حرية. لأن أولئك الذين ينقلون إرادتهم إلى العام سيشكلون المجتمع بأسره. كما تم إعطاء عدد من الأسماء للأشخاص المشاركين في العقد؛ يُطلق على جميع أعضائها اسم الشعب، ويطلق على من يخضعون للسلطة السيادية مواطنون، ويطلق على من يلتزمون بالقانون اسم رعايا. يهدف روسو إلى توفير المساواة بين الأشخاص من خلال نظرية العقد وجعل العدالة متفوقة على كل المبادئ. باختصار: يمكن الحديث عن العقد الاجتماعي على أنه طريقة يستخدمها الأفراد لتأمين أنفسهم عن طريق نقل حقوقهم وحرياتهم إلى الإرادة العامة (الدولة)، والتي هي أيضًا الأشخاص أنفسهم، في ظل ظروف معينة.

وجهة نظر مونتسكيو في نظرية الديمقراطية ومصطلح ديموس “demos

على الرغم من أن مونتسكيو لم يكن مؤيدًا للديمقراطية ولم يكن مُنظِّرًا حقيقيًا لها، إلا أن عمله يبدو مثمرًا للغاية في وضع بعض تعاليم الديمقراطية الكلاسيكية والحديثة. ساعدت نقاشاته عن أشكال الدولة والحكم وانتقاده لتجربة الدولة المطلقة التي طُبقت في فرنسا في الحديث عن فكرة “الديمقراطية المعتدلة” وطرق وإمكانيات تطبيقها والتحديات التي من الممكن أن تواجهها.

“الديمقراطية المعتدلة” هي نظام من المؤسسات التي تتمتع بمزايا وصلاحيات ملحوظة مقارنة بالملكية المطلقة. وفقًا لمونتسكيو، فإن الديمقراطية المعتدلة هي أكثر فضيلة من غيرها: فهي تخضع أيضًا لقيود السلطة في نظام مختلف ودستور مختلط. ووفقًا لمونتسكيو، فإن السمة المميزة للديمقراطية هي أن الشعب يمارس السلطة التشريعية وله الحق في تقرير الدستور والقوانين الفردية. برأيه أنه يجب أن يكون التصويت العام مفتوحًا أيضًا. وهو يرى أن هذا “قانون أساسي للديمقراطية”.

كما يتم التمييز بين الأرستقراطية والملكية والديمقراطية كنٌظم سياسية، يتم تحليل البنية الاجتماعية أيضاً بناءً على وجهات نظر كلٕ من هذه النُظم. فمصطلح “الشعب” من وجهة نظر مونتسكيو يعني “البرجوازية الثرية فقط”، وليس الشعب كله مثل معاصريه. ووفقًا له، فإن الناس العاديين ليسوا قوة سياسية ذات أهمية، وتتكون ديموس “demos” من الرجال فقط؛ فإلى ذلك الوقت لم يتم النظر في حق المرأة في التصويت واعتبارها مواطن ذا حقوق ينتمي إلى “الشعب”.

عندما يتحدث مونتسكيو عن الديمقراطية، فإنه يستخدم مفهومًا انتقائيًا للغاية للحديث عن “الشعب” والذي يحدد فيه بشكل خاص أنه يشمل فقط ’’ الطبقة البرجوازية’’. هذا يعني أن للبنية الاجتماعية في كتابات مونتسكيو سمات حديثة مهمة؛ فأشكال المجتمع البرجوازي آخذة في الظهور ببطء. على عكس التعاليم القديمة في زمن آثينا، يؤكد مونتسكيو على ضرورة وجود دستور تمثيلي. ويرى الديمقراطية البرلمانية التي أقيمت على النمط التقليدي اليوناني كنظام مرفوض للغاية. ومع ذلك، فإن مونتسكيو لا يخرج تمامًا عن الفكرة التقليدية القائلة بأن الديمقراطية مناسبة فقط للمجتمعات الصغيرة.

ختاماً

باختصار، لكل مفكرٍ وجهات نظره الخاصة حول مفاهيم الديمقراطية وتعريفه لـ ’’ الشعب’’. لا يمكننا تقييم أحدهما على أنه خاطئ والآخر صحيح، لأنهم جميعًا يطرحون وجهات نظرهم الخاصة ويعتمدون على معلومات وقراءات للواقع آنذاك. تختلف هذه الآراء عن بعضها البعض لأن كل مفكر ينظر إلى الموضوع من ركنه الخاص ويقيمه وفقًا لذلك. تفسيرات روسو ومونتسكيو في تعريف ’’ الشعب’’ والديمقراطية ليست علمية؛ فهي ليست أكثر من مجموعة من الانتقادات والآراء الأخلاقية والسياسية.

في اليونان القديمة، اعتبر بعض المفكرين الديمقراطية نظاماً سيئاً بينما قال آخرون إنه يمكن أن تكون نظاماً جيداً. بالنسبة لهم، تعني كلمة “ديموس” الشعب أو المواطنة الكاملة.

من ناحية أخرى، لا يدافع مونتسكيو عن الديمقراطية ولا يعارضها. ومع ذلك، حسب قوله، لا ينبغي التخلي عن روح المساواة من أجل الحفاظ على الديمقراطية، لأن مبدأ الديمقراطية الأساسي هو المساواة. بالنسبة لمونتسكيو، فإن الشعب لا يعني سوى البرجوازية الثرية.

جان جاك روسو مفكر يدافع عن فكرة الديمقراطية المباشرة. لأنه، وفقًا له، لا يمكن تأسيس مجتمع ونظام دولة يكون فيه الناس متساوون وأحرار كما هو الحال في الحالة الطبيعة إلا من خلال الديمقراطية المباشرة. ووفقًا له، فإن الشعب مفهوم يشمل الأشخاص المنخرطين في العقد الاجتماعي. في الواقع، ليس كل المشاركين على نفس المستوى، هناك أيضًا مواطنون ورعايا.

عندما يتم النظر إلى هذه الآراء، تظهر إلى ميدان النقاش أسئلة مهمة والتي يتم طرحها إلى اليوم؛ ’’ الشعب’’ يعني الناس، هذه نقطة لا جدال فيها، لكن أي أٌناسٍ يتم الإشارة إليهم عند ذكر مفهوم ’’ الشعب’’؟ هل يشمل جميع الناس الموجودين في منطقة ما أم شريحة واحدة فقط؟ وماهي معايير الاختيار المستخدمة عند فرز الناس إلى فئة ’’ الشعب’’ و’’اللاشعب’’؟!

المراجع:

AKYILMAZ, Bahtiyar (1995) ”Tarihi Gelişim İçinde ve Özellikle Montesquieu‟de Kuvvetler Ayrılığı” Selçuk Üniversitesi Hukuk Fakültesi Dergisi

BAYGÜL, Sefa (2020) ” Rousseau’nun Devleti” https://www.researchgate.net/

DEMİR, Aysel (2012) ”Hak, Adalet Ve Özgürlük Bağlamında Rousseau”, Uluslararası Hakemli Sosyal Bilimler E-Dergisi http://www.akademikbakis.org

GÜRKAN, Ülker (1988) ‘“Montesquieu ve Kanunların Ruhu: Hukuk Sosyolojisi Açısından Bir Değerlendirme”, Ankara Hukuk Fakültesi Dergisi

SCHMIDT, Manfred G. (2001) ”Demokrasi Kuramına Giriş” (Çev: M. Emin Köktaş), Vadi Yayınları

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى