هل تستطيع المناطق الآمنة استيعاب وافدين جدد؟

الكاتب: سامي الغاوي

20.05.2022

في ظل أزمة التصريحات التي تعصف بين الساسة الأتراك ومع مخاوف متزايدة من قبل السوريين بأن تطالهم عمليات الترحيل القسرية أو “الطوعية القسرية”، ومع الحديث أيضاً عن إعادة توطين مليون لاجئ سوري في تركيا وفق تفاهمات إقليمية ودولية لم تكشف تفاصيلها للآن يبقى السؤال حاضراً في الأذهان، هل المناطق الآمنة مستعدة لاستقبال وافدين إليها؟

ومع اقتراب موعد الانتخابات في تركيا، تسعى أحزاب المعارضة في هذه المدة لسحب البساط من تحت أقدام الحكومة بالضغط على ملف اللاجئين لكسب تأييد شعبي، مما دفع الحكومة لإعداد خطة “لم يتضح جدولها الزمني بعد” لإعادة مليون لاجئ بالتنسيق مع 4 دول جوار. لكن هذه الإعادة التي يتم الحديث عنها ستشكل خطورة على حياة مليون إنسان، إذ ما زالت مناطق الشمال السوري ومن ضمنها المناطق الآمنة تعتبر غير آمنة لعودة اللاجئين وفق تصريحات بينتها منظمات حقوقية.

إذ تعيش المناطق الآمنة حالة صعبة مع ضعف الإمكانيات وشح الموارد، ومن أهم المشاكل التي تعيشها المنطقة:

  1. الوضع الاقتصادي:

تبلغ نسب النزوح والتسرب المدرسي والبطالة والفقر والإصابات السابقة ومعيلات الأسر

في أعلى حدودها، حيث يعيش عدد كبير من السوريين تحت خط الفقر، بما يقارب %90 [1]، ويكافح معظمهم للحصول على المستلزمات اليومية، وتتوزع هذه الفئة على مختلف المناطق السورية. أما الحد الأعلى للأجور في غالب الأحيان لا يتجاوز المئة والخمسين دولاراً. ويعتبر الاقتصاد في مناطق شمال سوريا موجود في بيئة سياسية وميدانية غير مستقرة، الأمر الذي يجعله عرضة لتقلبات وهزات متوقعة في أي وقت، والحديث عن بيئة سياسية غير مستقرّة يعني غياب الاستثمارات المحلية والخارجية المؤثرة، وندرة المشروعات الإنتاجية الكبيرة، والأهم عدم القدرة على بناء وتأسيس علاقات اقتصادية فعالة وسليمة مع البيئة المحيطة، جوهر عمل هذا الاقتصاد يقوم في النهاية على تسخير جميع طاقات مناطقها وإمكانياتها الاقتصادية لخدمة المجهود العسكري للمجموعات المسلحة المسيطرة، وفي مثل هذه الحالة، من الطبيعي أن يكون ذلك على حساب المشروعات الاستثمارية الإنتاجية والخدماتية لتحسين معيشة السكان، إضافة لكون المعابر الشريان الاقتصادي الوحيد للمنطقة لكن عائدات هذه المعابر تذهب جميعها للفصائل العسكرية التي تقوم بحماية هذه المعابر.

  • الاكتظاظ السكاني: 10.98 بالمئة من مساحة سوريا الإجمالية بيد فصائل المعارضة التي توجد في إدلب وشمال حلب ومنطقة تل أبيض ورأس العين في الرقة والحسكة ومنطقتي “الزكف” و”التنف” جنوب شرق البلاد، أي ما يقارب 20 ألف كم مربع، بينما تبلغ مساحة المنطقة الآمنة لوحدها حوالي 7,500 كيلو متر مربع. والتي تضم مناطق (درع الفرات/غصن الزيتون/نبع السلام) والتي تحوي في داخلها على 7 مدن رئيسية: الباب/إعزاز/تل أبيض/رأس العين/عفرين/جرابلس/الراعي.

 ويقدّر عدد سكان مناطق درع الفرات ب 1500000 مليون ونصف نسمة، وعدد سكان مناطق غصن الزيتون بـ350 ألف نسمة، وعدد سكان مناطق نبع السلام ب300 ألف نسمة ليصبح العدد حوالي المليوني نسمة تعيش في المناطق الثلاث،[2] وعلى هذا تكون نسبة الكثافة السكانية في المناطق الثلاث بلغت 280 فرداً ضمن الواحد كيلو متر مربع، ونسبة الكثافة السكانية في شمال غرب سوريا بلغت 998 فرداً ضمن الواحد كيلو متر مربع، [3]هذه الكثافة السكانية تبعها انتشار عشوائي للأبنية والإنشاءات مما ساهم بشكل أكبر بالقضاء على المساحات الخضراء والمساحات الصالحة للزراعة إضافة للتشوه البصري الذي لحق بالمنطقة.

  • عدم وجود موارد طبيعية تلبي احتياجات المنطقة:

 المناطق الآمنة منعدمة الموارد الطبيعية بحكم سيطرة النظام السوري وقسد على النفط والغاز والأراضي الزراعية القابلة للري، ولا يوجد لدى المناطق الآمنة سوى منفذ خارجي لتركيا إضافة لمحدودية المواد التي يمكن تصديرها، فالاعتماد الرئيسي على الواردات القادمة من تركيا كمواد أو أموال تأتي عن طريق منظمات المجتمع المدني، حيث تعتبر المنظمات هي من تسد نقص الموارد في غالب الأحيان من خلال إمداداتها. إضافة لهذا فقد شهدت السنوات الثلاثة الأخيرة موجة جفاف لم يستطع المزارعون حصد محاصيلهم فيها لعدم اكتمال نموها بسبب قلة الأمطار وتضرر العديد من الأشجار المثمرة.

  • الوضع الأمني:

ففي منطقة درع الفرات نموذجاً بلغ معدل عمليات الاغتيال لوحدها خلال 6 أشهر من الرصد: 27 عملية، نُفّذت 9 منها عبر الطلق الناري، وأسفرت عن 9 ضحايا، إذ حققت 7 عمليات من 9 غايتها في تصفية الجهة المستهدفة، فيما فشلت عمليتان في تحقيق هدفهما. وقد تبنّت ما تسمى “غرفة عمليات غضب الزيتون” 3 عمليات اغتيال من العمليات الـ 9، بينما بقيت 6 منها مجهولة المُنفّذ. وقد كانت فصائل “الجيش الوطني” هدفاً لتلك الاغتيالات بواقع 4 عمليات، مقابل 5 عمليات استهدفت كوادر إدارية مدنية من المجالس المحليّة والإعلاميين. بالمقابل، نُفّذت 18 من 27 عملية عبر العبوات الناسفة، مخلفةً بمجموعها 42 قتيلاً و189جريحاً، منهم 202 مدني، مقابل 29 من عناصر “الجيش الوطني”، فقد تم تفجير أغلب تلك العبوات في استهداف شخصيات أو مجموعات عسكرية وسط تجمعات المدنيين، إضافة إلى استهداف تجمعات مدنية خالصة، وتبنّت “غرفة عمليات غضب الزيتون” 4 عمليات، بينما بقيت 14 منها مجهولة المُنفّذ[4]. وقد ساهم في تردي الوضع الأمني انتشار الفصائل في المدن مع حدوث حالات اقتتال متكررة وانتشار السلاح بشكل عشوائي وسرعة الاحتكام إليه فاقم، كل هذه العوامل ساهمت في تسرب الخلايا إلى المناطق الآمنة وإحداث حالة من عدم الاستقرار التي أدت لزعزعة مفهوم المنطقة الآمنة.

  • ضعف جهاز القضاء العسكري والمدني:

تعاني المناطق المحررة من ضعف المنظومة القضائية وهو ما بدا واضحاً في قضية أبو عمشة، والتي كشفت عورة القضاء وأظهرت ضعف الجهاز القضائي، وما زاد مأساة القضية تملص المتهم من الحكم وعودته للظهور في الساحات مع تسلمه منصباً قيادياً جديداً فيما يعرف باسم “هيئة ثائرون”، وهذه قضية من عشرات القضايا التي رُفعت للجنة “رد المظالم “التي شكلت في عام 2020تعويضا للجهاز القضائي وملأً للفراغ الذي أحدثه” التي لم تستطيع من طرفها تحقيق أي تقدم يذكر في ظل تفشي الفساد في الجهاز القضائي بشقيه العسكري والمدني.

  • القصف المتكرر:

تتعرض كبرى مدن المنطقة الآمنة كعفرين وإعزاز ومارع والباب لقصف متكرر من قبل النظام السوري ومليشيا قسد إضافة لعدة رمايات جوية من قبل الطيران الروسي مما يسبب قلقاً مستمراً لدى السكان بوقوع ضحايا جدد بفعل هذا القصف، حيث تعرضت مدينة إعزاز في أواخر مارس لقصف صاروخي راح ضحيته ثلاثة أشخاص بينهم سيدة، وأصيب أكثر من 12 آخرين، جراء القصف على المدينة، وتعرضت المدينة أيضاً لقصف آخر استهدف المشفى الوطني يوم 23 أبريل، وشهدت مدينة الباب في7 مايو قصفا بأربع قذائف صاروخية استهدفت قسمها الغربي، عامل القصف المتكرر وترنح الوضع الأمني يعطي مؤشرات سلبية ومحبطة لا تساهم في تحفيز رؤوس الأموال مما يجعلهم متخوفين من الاستثمار في المناطق الآمنة. ولكون خسارة الحزب الحاكم وحلفائه الانتخابات في تركيا من مصلحة الأسد و إيران ، فإنه من المتوقع أن يزيد النظام و الميليشيات الإيرانية وميليشيات pkk  و pyd من هجماتهم على المناطق المحررة خلال الفترة القادمة لخلق توتر أمني وإعادة خلط الأوراق التركية في الشمال السوري.

ومن الجدير بالذكر أن المناطق الآمنة لا تحمل الصفة التي يطلقونها عليها بسبب عدم وجود اتفاق للآن على حظر الطيران، والآن يجدر بنا تحويل السؤال لكيف يمكن جعل “المناطق الآمنة”.. آمنة؟

  1. يستدعي أي اتفاق لإنشاء منطقة آمنة التأكد من وجود أعداد كافية وفعالة من قوات حفظ السلام إضافة لوجود حظر طيران مع قواعد متينة لحماية المدنيين في تلك المنطقة.
  2. التأكد من أن الأطراف المتحاربة تعي أن إنشاء منطقة آمنة يحرم عليها استهدافها بأي شكل كان ولا يجعل المدنيين خارج هذه المنطقة عرضة للهجمات.
  3. يمكن أيضا النظر في تحسين حجم المنطقة الآمنة وتركيبتها، والتأكد من أن هذه المنطقة لا تنتهك الحق في حرية التنقل.
  4. إقامة ترتيبات واضحة لضمان وصول الوكالات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية بشكل كامل وبدون عوائق لتقديم المساعدة للمقيمين في المنطقة الآمنة.
  5. وجود مؤسسة قضائية فعالة ذات سلطات وصلاحيات تخولها بإنزال أشد العقوبات بالمخالفين للقانون.
  6. الاهتمام بالبنية التحتية والعمل على إنشاء المدارس والمشافي والطرقات وإيصال المياه والكهرباء بأسرع وقت للمقيمين.
  7. تقديم ضمانات للأفراد القاطنين في المنطقة الآمنة لحفظ حق المواطنة لهم وحفظ أملاكهم الموجودة في المناطق الأخرى من الاستيلاء عليها.
  8. التأكيد على أن المناطق الآمنة التي يتم إنشاؤها هي مناطق سكن مؤقتة، ريثما يتم العمل على حل سياسي شامل يضمن للشعب حقه.
  9. ضمان الأطراف الراعية للاتفاق وتأكيدهم على وحدة الأراضي السورية والتعهد بمحاربة أي مشروع يهدف لمحاولة تغير ديموغرافي على الأراضي السورية.

[1]غريفيث لمجلس الأمن: 90 بالمئة من السوريين حتت خط الفقر”. 28-10-2021، الرابط

[2] وكالة الأناضول

[3] منسقو استجابة سوريا

[4] مركز عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى