الّلاعنف والتغيير السّلمي في الثورات.

بقلم: بلال محمد الشيخ كاتب سياسي وناشط ثوري

شهد العالم ودول المنطقة في القرن العشرين صراعاً للتغيير بين الاستبداد الذي ساد أنظمة الحكم وبين الديمقراطية والحرية، وفي ظلّ هذا الصراع الثوري ولدت العديد من المدارس الفكرية للتغيير والإصلاح أبرزها مدرسة اللاعنف والتغيير السلمي.

تُعرّف فلسفة «اللاعنف» بأنها مجموعة من المبادئ التي تقوم على أسس دينية واقتصادية وسياسية في آنٕ واحد، ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف.

ويعد غاندي المعروف “بمهاتما” الذي ولد عام 1869م في إمارة بوربندر أول من أسس لفكرة اللاعنف في التغيير، حيث قاد غاندي حملات وطنية لتخفيف حدّة الفقر، وزيادة حقوق المرأة، وبناء وئام ديني ووطني، ووضع حد للنبذ، وزيادة الاعتماد على الذات اقتصادياً، وقبل كل شيء كان يهدف إلى تحقيق استقلال الهند من السيطرة الأجنبية.

و«اللاعنف»، بحسب غاندي، لا تعني السلبية والضعف كما يتخيل البعض، بل هي كل القوة إذا آمن بها من يستخدمها، من غير وحدانية.

انتشرت فكرة التغيير السلمي لتدخل العالم العربي في عصرنا لتصبح مدرسةً للتغيير، حيث يُعَدّ المفكر الراحل جودت سعيد من أبرز دعاة اللاعنف والتغيير السلمي في المنطقة.

وهو مفكر وداعية إسلامي ولد في قرية بئر عجم بالجولان المحتل عام 1931م درس في الأزهر الشريف، ويعتبر فكره امتداداً لمدرسة الوعي الحضاري التي جدّدها المفكر مالك بن نبي رحمه الله تعالى.

بدأت فكرة اللاعنف تظهر عند الأستاذ جودت سعيد في ستينيات القرن الماضي اختار لها عنوان “سنن التغيير في المجتمع” في محاولة منه للإسهام في معالجة مشكلة تخلف المسلمين وانعدام فعالياتهم وغيابهم عن التأثير في أحداث العالم، وعجزهم عن مواجهة الغزو الاستعماري الذي نجح في استغلالهم وإضعافهم ونهب ثرواتهم وخيراتهم.

لاقت هذه الدعوات قبولاً ورفضاً في المجتمع العربي حيث اعتبرها البعض خيالية وغير واقعية في حين أن البعض الآخر اعتبرها السبيل العقلاني للتغيير المقنع ولبناء الأفكار.

وعلى مدار حياته الطويلة، ترك جودت سعيد أثراً أدبياً وفكرياً؛ إذ قام بكتابة العديد من المؤلّفات أبرزها “حتى يغيروا ما بأنفسهم” و “فقدان التوازن الاجتماعي” وكتاب “مذهب ابن آدم الأول” الذي نُشر أواخر ستينات القرن الماضي والذي ذاع صيته حيث كان جودت سعيد يرد على توجه بعض التيارات الإسلامية نحو العنف السياسي.

وفي كتاباته ومؤلّفاته، حدّد جودت سعيد ملامح مفهوم “اللاعنف الإسلامي” وقد برز ذلك في مواقفه عقب اندلاع الثورة السورية التي شارك في مظاهراتها وأكد على ضرورة سلميتها فلاحقه النظام المجرم على خلفية حراكه، حيث فرّ هو وعائلته إلى تركيا هارباً من بطش النظام.

كانت أبرز أفكار سعيد أننا إن نجحنا بالسلاح فسنظل محكومين بالسلاح، وكل ما أُخذ بالسيف يهلك، مشيراً إلى أن التغيير الحقيقي يكمن بالديمقراطية وبالسلمية التي ترسخ القناعات بلا إكراه أو عنصرية.

وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى أن الثورة السورية اندلعت تنادي بالسلمية وبالشعارات الشعبية الإصلاحية إلا أنها قوبلت بالعنف وبالسلاح من قبل قوات النظام المجرم منذ أولى أيامها، وهذا ما اضطر الشعب السوري والشباب الثائر لحمل السلاح بعد عدة أشهر للدفاع عن النفس والعِرض والأرض.

لابد لنا من القول أن الواقع العربي المخيف والقبضة السلطوية التي كانت ولازالت تمارسها الحكومات العربية في قمع المخالف والمعارض والمطالب بالتغيير هي التي ولدت هذه الدعوة عند سعيد وكذلك العنف الذي مارسته بعض الجماعات الإسلامية والذي كان له أثر سلبي حيث عدم التنظيم والانغلاق الفكري والاختراق من قبل دول وأجهزة مخابرات عالمية بهدف حرفها عن مسارها الحقيقي كل ذلك ولّد ردة فعل عند الكثيرين ومنهم سعيد الذي نادى باللاعنف.

مدرسة اللاعنف عند جودت سعيد تلقت الكثير من الانتقادات من مفكرين وباحثين إسلاميين في العالم العربي، لا سيما ما يتعلق بمقاومة الاحتلال الأجنبي، والإسرائيلي على وجه التحديد، لأن مبدأ اللاعنف في الحالة الفلسطينية مثلاً قد يعتبر “خضوعاً واستسلاما”.
و يمكننا القول أن سعيد قد أخطأ في هذا الطرح لاشك إذ أن الدفاع عن النفس ومقاومة المحتل هو حق مشروع بل وفطرة فطر الله الخلق عليها، فالناس لا تقبل الظلم ولا تحب الظالم والمتسلط، والله شرع للمسلمين الدفاع عن أنفسهم بوجه من يقاتلهم ويفتنهم عن دينهم، وبهذا فإن دعوة اللاعنف في مواجهة المحتل وخاصة العدو الإسرائيلي هي دعوة خيالية مبالغ فيها، ومآلاتها خطيرة جداً على العالم الإسلامي لأن قضية فلسطين تحتفظ بخصوصيتها.

وخلاصة القول أن التغيير السلمي صار مستحيلا في واقعنا العربي بعد احتلال عدة عواصم عربية من قبل إيران وروسيا وأمريكا كبغداد وبيروت ودمشق والتي لا يمكن تحريرها إلا بالدماء وبالمواجهة والتضحية.

وبهذا نقول إن أبرز ما استفيد من فكرة اللاعنف عند جودت هو قلب هرم التغيير، من الرهان على قمته “الحكم” إلى الرهان على أسفله وقاعدته “المجتمع”ومن تضخيم البعد السياسي في التغيير، إلى إعطاء أهمية كبرى للجوانب التربوية والفكرية والثقافية والاجتماعية، واعتبار التغيير في الحكم، ثمرة للتغيير الذي سيحصل في البنية العميقة في المجتمع “النفوس”

فقد ترسخ في الحركات الإسلامية أهمية التفكير السنني، كما أصبح النقد الذاتي، والتقييم والمراجعة، فعلاً ملازماً لخطها الفكري وسلوكها الحركي، فقد كان جودت سعيد أول من لفت الانتباه إلى أن الأفكار الصحيحة والتجارب الصحيحة، لا تكتسب فعاليتها، إلا بفعل النقد الذاتي الذي يأتي عقب الممارسة، وأن دور النقد الذاتي، هو تقويم الأفكار وتصحيح التجارب، وفهم السنن التي تم إصابتها أو تم الخطأ في فهمها أو تطبيقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى