الاستبداد السياسيّ وحركات المواجهة

بقلم: بلال محمد الشيخ

كاتب سياسي وناشط ثوري

في ظلّ ما تعانيه المجتمعات العربية من ظلم واستبداد وتراجع على كافة المستويات بالتزامن مع اندلاع ثورات الربيع العربي التحررية المواجِهة للجبروت السلطوي في عدة بلدان، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الاستبداد وذكر أشكاله فهو مشكلة قديمة حديثة، عانت منها المجتمعات البشرية على مدار التاريخ الإنساني.

يُعرّف الاستبداد لغةً: بأنه غرور المرء برأيه والأنَفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة.

وأما تعريفه بالوصف: فهو صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين.

شكّل الاستبداد عائقًا حقيقيًّا أمام نهضة الإنسان في شتى المجالات، وقد كان الاستبداد السياسي في كثير من المجتمعات وعلى الأخص منها العربية؛ أساس التخلف بشتى أشكاله سواء كان تخلفًا علميًّا، أو اقتصاديًّا، أو سياسيًّا، أو أخلاقيًّا، فهو الذي يعوق تقدم الإنسان ويحول دون تفجر الطاقات وظهور الإبداعات والابتكارات.

كما أدّى الاستبداد إلى ظهور الأمراض الاجتماعية وانتشار الفقر والتخلف في البلاد التي عانت -وما زالت- من حكم الطغاة، في حين نرى أن الشعوب والأمم التي تتمتع بالحرية والديمقراطية أحرزت تقدمًا علميًّا واقتصاديًّا ملموسًا، حينما أصبحت السلطة منوطة بإرادة المجتمع الذي من حقه اختيار من يحكمه.

ولقد شغل مفهوم الاستبداد والتسلّط حيزاً هاماً لدى الفلاسفة والمفكرين على مر الزمن فهو يثير مقولة فقدان الحرية وانعدام المساواة، إنه لا يوجد في مكان دون آخر، بل استفحل في بقاع المعمورة قاطبة، وعليه فقد ظهر الصراع بين الحاكم والمحكوم منذ أن وُجدت السلطة ومعها الحكم؛ وما يزال موضوع الاستبداد يشغل حيزاً من التفكير مراده الخروج من هذا المأزق الذي تعانيه الإنسانية.

حيث يعد المفكر الراحل عبد الرحمن الكواكبي ت1902م مؤسس مدرسة الإصلاح السياسي وواضع أول فلسفة تفضح وتواجه الاستبداد في كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” حيث وصفه كبار المفكرين بالمرجع إذ أنه من أهم وأول الكتب التي ناقشت هذه المشكلة، حيث خصَّص الكواكبي -رحمه الله- حيّزاً كبيراً في أطروحته لإظهار مساوئ وخطورة الاستبداد السياسي على الإنسان والمجتمع والأمة، الذي اعتبره أصل الداء، وقد اصطبغت فلسفة الكواكبي بفضح الاستبداد والثورة عليه، وتلك الثورة التي عمل من أجلها تختلف تماماً عن التمرد العفوي غير الواعي الذي يحدثه كبت شديد ولا تسبقه استعدادات كافية فتكون نتيجته دمار وتخريب!

فهو يقول: إن الاستبداد لا ينبغي أن يقاوم بالعنف كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً” أم القرى ص٦

كما يرى الكواكبي أن العرب لم ينجحوا في إقامة التوازن المطلوب بين الدنيا والآخرة فأكثر همّ الشرقيين منصرف إلى ما بعد الموت ففسدت الدنيا وبفسادها فسدت الآخرة لأن الأولى عنوان الثانية فمن أخل بالتوازن بينهما خسر الصفقتين معاً.

ويقول أيضاً: أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل.

أشكال الاستبداد:

نستطيع تخلص أهم أشكال الاستبداد بما يلي:

_ الحكم الفرعوني، حكومة الفرد المطلق.

_ الحكم العسكري، وإن كان بزيّ مدني.

_ الحكم بالتوريث، خاصة غير المقبول شعبيا.

_ السلطة الدينية لعلماء السلطان، وفرض سطوتهم الدينية على عقول وأفكار ومعتقدات الناس.

_ النظام الدولي بأدواته الأممية، وأذرعه الاقتصادية، والإعلامية، والسياسية.

وأخيراً: بعد مرور عقد كامل على اندلاع ثورات الربيع العربي التي نادت بتحرير الشعوب من قيود الاستبداد  أصبح التحول نحو الديمقراطية و تحقيق الإصلاح السياسي هو المطلب المطروح على الساحة السياسية العربية عموماً، و السورية خصوصاً في الآونة الأخيرة، وتتباين عوامل ومحددات الثورة التغييرية، كونها بمثابة الطاقة التي تساهم في دفع هذه العملية، ولا بد لنا من توضيح حقيقة الإصلاح السياسي وأدواته فهو يحتاج إلى إرادة وإلى عمل يرافق هذه الإرادة وأن تكون هناك توجهات تجري في جو وفضاء المجتمع المدني والاستقلال بالنسبة إلى الجهات المنوط بها إجراء تحديث وإصلاح وبشكل علمي جدي وليس بشكل “عاطفي رغبوي” يطور هنا ويستثني هناك وهكذا تكون العملية مبتورة وبالتالي لا يكون هناك أي نتائج مرجوة من هذا الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى