المحددات الأولية للسياسة السورية

الكاتب: أ. ناجي محمد رضوان
باحث سياسي

مع مرور العام الثاني عشر على الثورة السورية يغيب بقصد أو بدون قصد مبدأ المراجعة والنقد والتصحيح عن الفعل السياسي السوري، وإن كان الحديث عن  النقد و التصحيح فنحن نحتاج إلى أداة أساسية أو محددات واضحة للعمل السياسي ؛ فبعد عقد كامل على الثورة التي شملت أحداثاً ومتغيرات داخلية گانقسام المعارضة داخلياً وصراعاتها مروراً بالتغيير الديمغرافي الذي أصبح واقعاً يتم تكريسه، وخارجياً مرّ العقد بتراجع الموجة الأولى من ثورة الربيع العربي و انقسام عربي حولها و مقاطعة خليجية قطرية و عربية تركية من جهة أخرى  مع ازدياد خطر ونفوذ طهران في المنطقة وتحول في الصراع العربي الإسرائيلي، ومع كل هذه التغييرات الداخلية و الدولية أصبح المشهد الوطني السوري عبثياً وضبابياً بشكل يكاد يستحيل فهمه. ومع وجود تحركات دولية خجولة اتجاه سوريا لمنع تجدد العمليات العسكرية تبدو المراجعة الفكرية أمراً لا مفرّ منه ولكن في ظل غياب الهوية السورية وانقسام مؤسسات المعارضة أفقياً على خريطة شرقي وغربي الفرات و حكومة إنقاذ وحكومة مؤقتة و إدارة ذاتية، وعامودياً على منصات وأحزاب و تجمعات و هيئات أصبح الجميع ينسب إليها العمل الوطني ومصالح الشعب وقيم الثورة دون أي دليل أو أداة للقياس أو التحقق من ذلك.

كان لا بد من وجود محددات واضحة يمكن استخدامها لقياس قيمة أو وطنية عمل سياسي ما، ودرجة مصالح الشعب السوري فيه، كذلك قيم الثورة منه وهذه المحددات تشكل الأساس لأمن قومي سوري بدرجة أساسية.

ومع مراعاة الانقسام الحاصل والتدخل الدولي في سوريا  تنطلق هذه المحددات من عاملين مهمين:

أولاً:  قيم الثورة السورية من الحرية والكرامة مروراً بتعافٍ اقتصادي حقيقي إلى مستقبل سوريا أكثر إشراقاً.

ثانياً: وهو الحاجة ومصالح السوريين ويتم ذلك عبر استخدام القيم الثورية والإنسانية لتفضيل وتحديد البدائل ما أمكن ذلك.

وعادة ما لا يقوم بصياغة تلك المحددات شخص و مجموعات أشخاص حيث يتم صياغة محددات سياسية عبر عملية طويلة ومعقدة من النقاش تبدأ في المجال الأكاديمي لتأخذها الصحافة المختصة لصانع القرار السياسي، ولتدخل نقاشات البرلمان والحكومة وتدخل وزارة الخارجية والدفاع لتقويمها وتصحيحها أمنياً، ثم تظهر تلك المحددات على شكل رؤية الدولة ومشاريعها.

إلا أننا في الحالة السورية الثورية لا نمتلك تلك الأدوات ولا درجة   التعقيد المناسبة ونعاني من ضياع الهوية والانقسام الحاد وتبني بعض الفاعلين السياسيين ثقافة الولاء غير السوري بدرجة ما؛ وأمام هذه التحديات تبدو المحددات السياسية لا قيمة لها أو فعالية، ولكن رغم كل ذلك لا يمكن الهروب إلى الأمام و إسقاط المسؤولية، ولا قيم هنا لمستقبل قريب أو سياسات عامة دون محددات واضحة، وتبقى للمحددات دورها وفعاليتها في مراقبة سلطات الأمر الواقع كونهم جهات الالتزامات في العمل السياسي  واحتكرت المجال العام .

كما ليس لهذه المحددات السياسية أفق زمني قريب، بعضها قد يبدأ بالمستقبل وجزء منها هو حاجة ملحة الآن، ولكنها محددات طويلة الأمد ويمكن في هذه المرحلة تقديم خمسة محددات أولية ومرنة للسياسة السورية نحتاج إلى طرحها وتطويرها ضمن المجال الأكاديمي :

  • المحدد الأول : تعزيز حقوق الإنسان كأساس للمواطنة و سوريا المستقبل:

إن الحاجة الملحة والواقع السوري يحتاج في المقام الأول إلى تعزيز حقوق الإنسان و ذلك ليس فقط عبر تبنيها قانونياً أو عبر التعهدات والاتفاقيات ولكن تعزيزها كمنهج حياة لسوريا المستقبل وإلحقاها ضمن التربية وضمن تأصيلها، فالفرد والجماعة كقيمة ثورية بالدرجة الأولى وكحاجة مجتمعية في الدرجة الثانية ثم كونها حقوق وقيمة قانونية يمكن تضمينها داخل التشريعات والقوانين.

 وإن كانت حقوق الإنسان قيمة إنسانية فلا أساس لها دون خروج المعتقلين ورفض أي عملية سياسية أو عسكرية تنتج تغييراً ديمغرافياً جديداً  أو قديماً، كون التغيير الديمغرافي أساس لإهدار الكرامة وخطر داعم لفرضيات التقسيم، أي يشكل تهديداً حقيقياً للوجود الوطني السوري حاضراً ومستقبلاً.

ولضمان هذا الالتزام بحقوق الإنسان  لا بد أن تتبنى المؤسسات الثورية السورية مبادئ الديمقراطية الأساسية من فتح الباب أمام المشاركة السياسية و ضمن حرية المساءلة والشفافية عبر تحديد آليات عمل جديدة، بحيث تكون أساساً لعودة السلطة السياسية إلى الشعب السوري واستعادة لإرادته التي تعتبر حجر الأساس  لحريتها و كرامتها عبر ضمن الاختيار المحاسبة و المسؤولية.

  • المحدد الثاني سياسة اقتصادية تقوم على التعافي كأساس لتنمية مستدامة:

تبدو حقوق الإنسان و الكرامة ضرباً من الخيال في واقع اقتصادي تحكمه البطالة وانعدام الأمن الغذائي و فقدان القدرات على تلبيات متطلبات الحياة، وهنا تكمن الحاجة الثانية الأكثر إلحاحاً وهي وجود نظام اقتصادي ومالي واضح يشكل أساس الاقتصاد السوري في المستقبل ويربط بشكل متوازن العلاقة بين النقد و الضريبة و البطالة، وهذا النظام قد يكون من السهل الوصول إليه فقط عبر إقراره قانونياً أو تحديده ضمن الأساس الدستوري لكن الحقيقة تكمن الثقة باستقراره و ثباته العامل الأهم فيه.

وكون النظام الاقتصادي يحدد العلاقة الأساسية بين مكونات الاقتصاد لا بد أن يأخذ  مبدأ التعافي الاقتصادي في قطاعات الإنتاج المحلي على حساب الأنشطة الاستجابة و المعالجات الاقتصادية السطحية والسريعة، بحيث يشكل التعافي المتوازن بين قطاعات الإنتاج في كافة المجالات أهمية كبرى من الناحية العامة، و التعافي  في القطاع الزراعي هو الأهمية القصوى لتخفيف حالة التهديد في الأمن الغذائي وضمن تعافي وتنمية للريف الذي يؤمن المواد الأولية لموارد الصناعة والخدمات.

 أما المبدأ الثاني للتعافي الاقتصادي هو الاعتماد على الإنتاج المحلي بشكل أكبر من الاستيراد لتغطية السوق أي السعي إلى تقليل و الحد من الاستيراد ضمن إطار التعافي، وذلك لم يشكله الاستيراد من عبئ  مضاعف على الإنتاج السوري ويحتاج ذلك إلى تحديد أولية واضحة اقتصادياً و درجة اعتماد في النظام الاقتصادي القادم.

  • المحدد الثالث منظومة واضحة من الحلفاء المتوقعين والأعداء المحتملين:

مع مرور عقد من عمر الثورة السورية ما زالت المؤسسات الرسمية التي تمثلها تعيش في حالة ضياع على مستوى العلاقات الخارجية وتخبط واضح لأسباب عديدة أهمها غياب او ضياع تحديد مصالح صريحة للسوريين وعدم العمل بأول مبدأ بالعلاقات الدولية ( مصلحتنا أولاً).و يغيب عن المعارضة السورية التحليل  الاستراتيجي والعلمي لمصالح الدول المتدخلة والمهتمة بسوريا على حسب اعتماد  خطاب ايدلوجي بحيث لا يمكن تحديد مصالح الأعداء الحالي و الأصدقاء المفترضين وتحديد مستوى و درجة تقاطعها مع مصالحنا.

إن تقديم قراءة لمصالح السورين أمام مصالح الدول الأخرى قد يجعل لعملية التفاوض والعمل مع المحيط الدولي معنى وقيمة أما الوضع الراهن فسنستمر بتقديم التنازلات والولاءات والانقسام حتى تظهر مصفوفة واضحة لمصالحنا و مصالح حلفائنا في سوريا المستقبل ونقاط الخلاف معهم ونقاط الالتقاء مع مصالح اعدائنا المحتملين.

واذا ما تم الحديث عن مصالحنا و الوضع الدولي لا بد من الحديث عن أزمة اللاجئين التي تشكل ضغطاً دولياً مزمناً على دول الجوار بالدرجة الأولى والمجتمع الدولي بدرجة ثانية، بينما لا يتم التعاطي سياسياً و دولياً مع اللاجئين السوريين إلا على اعتبارهم أزمة وضغطاً يجب العمل مع المجتمع الدولي لحلها؛ و لكن هل يمكن اعتبارهم فرصة أو قوى ضغط لعودة آمنة حقيقية بشرط عودتهم إلى قراهم ومدنهم ومنع التغيير الديمغرافي حيث يمكن أن يشكل اللاجئون وإعادتهم عملية ضغط لإنهاء النظام الحالي أو حتى وقف المرحلي لإعادة إنتاج النظام .

وعند الحديث عن السبب الأساسي للّاجئين والتهجير لا يمكن إغفال خطر مشروع إيران في سوريا كونه الأكثر خطراً على الوجود السوري و التركيبة السكانية لسوريا.  فرغم توقف أو ضعف العمل العسكري ضد قوات إيران ومع وقف العمليات باتفاق سوتشي ٢٠٢٠ إلا أن إيران ما زالت تتمدد بسوريا ضمن مناطق النظام وعبر بعض الوجهاء في مناطق الإدارة الذاتية عبر شراء الزمام ولكن يكمن خطر إيران الحالي والمستقبلي في ثلاث نقاط هي :

المخدرات:  سلاح إيران الأقوى حالياً ضد الأراضي السورية بشكل كامل و ذلك عبر تحويل سوريا إلى أرض لإنتاج وتصدير المخدرات، الأمر الذي يشكل منطقة لغسيل الأموال وتأمين دعم مالي لإيران  وإغراق سوريا بالتبعية لإيران عبر ربطها بشبكات الإنتاج والتصريف الإيرانية. لذلك يجب في الوقت الحالي والمستقبل القريب التعامل مع إنتاج  و توزيع المخدرات على أنها خطر يهدد الأمن القومي السوري وليس فقط جريمة دولية وآفة اجتماعية.

البضاعة الإيرانية: مع تحول سوريا الأسد  إلى محافظة إيرانية وضعف الإنتاج السوري اقتصادياً فقد تحولت سوريا إلى سوق تصريف للبضائع الإيرانية بشكل كبير. ومن المحزن وجود هذه البضاعة ضمن المناطق المحررة حيث تشكل البضائع الإيرانية ركيزة  الأساس لتبييض الأنشطة المالية لميلشيات إيران و مصدر دخل أساسي لها.

 فلا بد من تحديد آليات فعالة داخل و خارج سوريا لمقاطعة وتحديد تلك البضائع واستبدالها بالمنتج المحلي على أقل تقدير. كم يجب دعم حملة دولية وعربية لمقاطعة المنتجات الإيرانية ما أمكن ومنع دخول هذه المنتجات في سوريا المستقبل.

وإن كان  الحديث عن إيران فلا بد الحديث عن دورها بالتغيير الديمغرافي عبر توطين الإيرانيين كسوريين قانوناً وآثار ذلك على المجتمع السوري، لذلك يجب منع وتجريم التغلغل في البيئة الاجتماعية لسوريا المستقبل عبر القانون  وتعديلاتها.

  • المحدد الرابع : ضمان التفكيك الكامل لنظام الأسد ومحاسبة رموزها: بينما يصمم البعض على وجود نتائج أو تقدم في مسار اللجنة الدستورية الذي ولد ميتاً تكمن خطورتها أنه لا يحدد آليات التعامل مع النظام الحالي كونها متورط في جرائم حرب حسب الشهادات والأدلة المادية. وليس أولها جريمة الإبادة وليس آخرها مجازر الكيماوي.  ورغم محاولة محاسبة المجرمين الهاربين و العقوبات الدولية  تغيب الآليات المحاسبة السورية وقوائم المتهمين والمتورطين بالجرائم عن المشهد، إلا أن  ذلك لا يمنع من وجود الآليات للمحاسبة تمنع الإفلات بلا عقاب وضمن وجود أساس قانوني قوي لتفكيك شبكات المصالح المرتبطة داخلياً وخارجياً بالنظام.

والمحدد الثاني لذلك هو التجريم القانوني و العرفي لجرائم النظام على المستوى المحلي عبر الأدب والشهادات كأساس لعدالة انتقالية مع وضع جميع مجرمي  الحرب لجميع الأطراف كمسؤول أساسي عنها واعتبارها كالنازية في التاريخ الألماني صفحة سوداء  لا يجوز  تمجيدها أو الاعتزاز بها.

  • المحدد الخامس : إدارة مسؤولة عن الموارد الوطنية لضمان استمرارها: ضمن الوضع الراهن لا يمكن  تحديد أي دور أو سلطة على الموارد الوطنية الطبيعية والبشرية لسوريا كونها لا تقع تحت السيادة السورية بدرجة كبيرة. ولكن يجب العمل على استعادة السيادة  السورية على الموارد كجزء  من التعافي الاقتصادي السوري  وأساس لوجود سيادة فاعلة في سوريا المستقبل؛ وهذا الأمر يحتاج إلى جهد كبير وعمل طويل.

ولكن الأساس للمحدد هو ضمن وجود إدارة محلية ووطنية مسؤولة عن هذه الموارد وصيانتها وذلك وفق الحق الدستوري لضمان استمرارها واستدامتها عبر  عملية التنمية المتوازنة.

وإن كانت الموارد الطبيعية والبشرية أساساً للاستثمار و التطوير فإن الموارد الثقافية والآثارية ليس أقل شأناً، فالتنوع الثقافي و الديني  في سوريا يجب التفكير به كمورد مستقبلي يمكن استثماره بدل التفكير بها كأزمة هوية و حوار يشكل أساساً متنوعاً و داعماً لقطاع السياحة و الترفيه في سوريا المستقبل.

ختاماً إن وجود  خطة سياسية لسوريا المستقبل أمر يستحق العناء و البحث كذلك وجود محددات لسياسية سورية هو المؤشر الأولي والفعال لضمان تحديد درجة وقياس عمل وطني، ويبدو أن النقاش في محددات سوريا يحتاج إلى تعمق أكثر ومعلومات أقوى عن قيمنا واحتياجاتنا في الوقت الحاضر والمستقبل القريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى