العمل الحزبي السوري بعد الثورة

مقابلة صحفية مع الدكتور أحمد القربي

الواقع السوري اليوم يعاني حالة من الفراغ على مستوى السلطة والمؤسسات وخاصة في مناطق المعارضة السورية، أو حتى في الخارج الذي يعاني من هشاشة واضحة على مستوى المؤسسات السياسية للمعارضة السورية.

 الأمر الذي بات يحول دون توفر الحد الأدنى من مقومات العمل السياسي المنظم القائم على التنافس الحزبي.

وفي هذه الحال تُطرح العديد من الأسئلة حول العمل الحزبي والأحزاب السورية بعد الثورة، ونحن بدورنا قمنا بتوجيهها للدكتور أحمد القربي مسؤول وحدة الهوية المشتركة والتوافق الوطني في مركز الحوار السوري.

  1. ما هو تقييمكم لفاعلية الأحزاب والتشكيلات السياسية السورية بصورة عامة، سواء الموجودة قبل الثورة أو التي تشكلت بعد الثورة؟

الدكتور أحمد:

قضية التقييم قضية دقيقة ومعقدة لأي عمل، وهي في الدول المستقرة تحتاج إلى دراسات ومقاييس محددة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ترتبط بمعيار التقييم؛ فما هي المعايير التي على أساسها سنقيّم التجربة التنظيمية للأحزاب؟ 

قبل الإجابة على السؤال، أعتقد من الأهمية بمكان تحديد بعض المؤشرات على فاعلية الأحزاب. لو وضعنا ثلاثة مؤشرات هي: الأداء السياسي، البنية التنظيمية والمؤسساتية، التأثير.

بالنسبة للأداء السياسي، يكاد يقتصر تعاطي الكيانات السياسية القائمة على قضية البيانات والتصريحات والعلاقات، والتشبيك في بعض الحالات. وحتى في هذه الأعمال هناك نقاط استفهام كثيرة على أدائها. على سبيل المثال: في مؤشر التوافق الوطني الذي يصدره مركز الحوار السوري سنوياً، والذي يرصد مواقف قوى الثورة والمعارضة تجاه الأحداث السياسية المرتبطة بالملف السوري، تكون نسبة صمت القوى لا تقل في مختلف الإصدارات عن 85%، والأمر ذاته قد ينسحب على بقية الأعمال. طبعاً الصمت هنا ليس حكماً تقييمياً، ولكن مؤشر على حالة التفاعل.

أما بالنسبة للبنية التنظيمية، تعاني جميع الكيانات السياسية بما في ذلك الائتلافية منها من المشكلة الأساسية التي عانت منها الأحزاب السورية منذ تأسيس الكيان السوري، وهي: الانقسامات، وترهل البنية التنظيمية، فما أن يتم الإعلان عن تأسيس كيان أو حزب، حتى نلحظ بعد فترة قصيرة انقسام المؤسسين، وانهيار التشكيل أو إيقافه. صحيح أن الأمر قد يكون مرتبطاً بالسياق الموضوعي الحالي للقضية السورية بشكل عام، ولكن هناك أسباب ذاتية مرتبطة ببنية هذه التشكيلات.

أما لو انتقلنا إلى التأثير، وهو من أهم المؤشرات، نلحظ أن مختلف الدراسات والمؤشرات تبين ضعف تأثير هذه الكيانات، وليس أدل على ذلك، من أن غالبية الشباب الذين هم الشريحة الأكثر حيوية ونشاطاً، منكفئين عن الانتساب إلى أي تيار أو حزب سياسي، بل هنالك صورة ذهنية سلبية لدى هذه الفئة تجاه هذه الكيانات بغض النظر عن الأسباب التي تؤدي إلى ذلك.

  • ما هي العوامل التي أثرت إيجاباً أو سلباً على تجربة التشكيلات والكيانات السياسية في سوريا؟

الدكتور أحمد:

اعتقد أن تقييم التجربة بعد انطلاق الثورة مرتبط بالسياق والظروف الموضوعية التي كانت سائدة في سوريا قبل الثورة. جميعنا نعرف حالة القحط السياسي التي كانت تعيشها سوريا في ظل حزب البعث وحكم عائلة الأسد على مدى خمسة عقود، هذا الأمر ألقى بظلاله على الحياة السياسية في سوريا بشكل عام، وعلى الأحزاب بشكل خاص، حيث إن غالبية الأحزاب “الفعلية” أغلقت ولم يسمح لها بالعمل، واقتصر الأمر كما هو معروف للجميع على مساحة ترقيعية وتجميلية للأحزاب المرتبطة بالسلطة فيما أطلق عليه تجربة “الجبهة الوطنية التقدمية” وفي مقدمتها حزب البعث.

هذا السياق الموضوعي بمجمله، كان له تأثيره على “التجربة الحزبية” حيث ساهم في ضعف البنية التنظيمية للأحزاب بشكل عام، والمترافق مع ضعف خبرتها، وشبه فقدان الشخصيات السياسية الكاريزمية، وعدم الوجود التقريبي للعمق الشعبي، ثم زاد الأمر تعقيداً بعد الثورة خصوصاً بعد تحولها إلى العمل المسلح؛ في كتابه المعنون من الحرب إلى سياسة الأحزاب. يرى رالف غولدمان أنه في فترات “النزاع أو الصراع” يكون التأثير الأكبر للقادة العسكريين ثم للهيئات التمثيلية ثم للسياسيين؛ فمن الطبيعي في بيئة مثل البيئة السورية أن يكون تأثير السياسيين ضعيف جداً، غير أنه مع تحقق نوع من الاستقرار السياسي وانتهاء النزاع، يصبح التأثير الأكبر للسياسيين ثم للهيئات التمثيلية فالقادة العسكريين.

إلى جانب ذلك كله، ساهمت حالة الجمود الحالية التي تمر بها القضية السورية برمتها، واستمرار نظام الأسد في حكم غالبية الأراضي السورية. والظروف الاقتصادية السيئة لغالبية أفراد الشعب السوري؛ مع وجود ما يقارب 95% من أفراد الشعب تحت خط الفقر في مناطق النزوح واللجوء، في تركيز الناس على تأمين احتياجاتها الأساسية والابتعاد عن الشأن العام والعمل السياسي.

لم يكن السياق الموضوعي غير مساعد على العمل السياسي بما فيه عمل التشكيلات والتنظيمات الحزبية، بل حتى الظروف الذاتية المتعلقة بهذه التشكيلات والتنظيمات ساهمت في ذلك، حيث إن غالبيتها كان لديه ضعف على مستوى الرؤية السياسية، وترهل في بنيته التنظيمية، إلى جانب المناكفات والخلافات الداخلية.

كل ذلك جعل من “التجربة التنظيمية الحزبية” ضعيفة، وغير مؤثرة في السياق السوري الحالي.

  • ما إمكانية تأسيس أحزاب سياسية في الظروف الحالية التي تمر بها سوريا؟ وما هي الأدوات والآليات والخطاب الذي يتوجب على الجماعات السياسية مراعاتها في الوقت الحالي؟ ماذا يمكن أن يكون دور هذه الأحزاب (إن وجدت) في ظل هذه الظروف؟ وما هو عملها قبل سقوط النظام، والانتقال بالدولة من مرحلة الفوضى إلى مرحلة الاستقرار والمشاركة في تشكيل مرحلة انتقالية؟

الدكتور أحمد:

باعتقادي أن تأسيس الأحزاب بالمعنى المعروف “تنظيمات سياسية تجتمع حول رؤية معينة بهدف الوصول إلى السلطة” غير متوفر حالياً قبل تحقق الحل السياسي والتخلص من نظام الاستبداد؛ لأنه في الوقت الحالي لا يمكن الحديث عن “تحقيق هدف الوصول إلى السلطة” الذي يميز الأحزاب عن غيرها من التنظيمات، في ظل استمرار حالة الثورة أو “النزاع” كما يراها المجتمع الدولي. بمعنى آخر، ليس لدينا تداول للسلطة ولا انتخابات حتى يكون لدينا أحزاب ننتخبها.

لكن ذلك لا يعني عدم وجود الظروف الملائمة لتشكيل تنظيمات أو تشكيلات سياسية، بل قد يكون من الواجب حالياً السعي لتعبئة جميع الطاقات خصوصاً في المناطق المحررة وفي بلاد اللجوء ضمن تنظيمات تكون كتيار سياسي أو تجمع أو كيان يمكن أن تمارس مختلف الأدوار التي تمارسها الأحزاب عادة كالتوعية والحشد والمناصرة والتنظيم، في حين يبقى هدف الوصول إلى السلطة مؤجلاً كما ذكرت، حتى تحقيق الانتقال السياسي والتخلص من نظام الظلم والاستبداد

كذلك على مستوى الأهداف، يجب أن يكون تركيز هذه التنظيمات على تقديم رؤى لإنقاذ سوريا، أكثر من التركيز على الأبعاد الأيديولوجية أو الفكرية. بمعنى آخر، يفترض أن يكون لها أهداف وطنية تركز على إنقاذ الوطن وإخراجه من حالة الضياع التي دخل فيها بسبب حرب نظام الأسد المستمرة على الشعب السوري.

وهذا يعيدنا بالذاكرة إلى الحالة التي نشأت فيها الكتلة الوطنية عقب الانتداب الفرنسي على سوريا، حيث كان تركيزها على إنهاء الانتداب وتحقيق الاستقلال وتطوير مؤسسات الدولة، بعيداً عن التصنيفات الأيديولوجية أو الفكرية أو العرقية.

  • زرع النظام السوري طيلة سنوات ثقافة الخوف من العمل السياسي والحزبي المنظم عند السوريين، فهل يزداد المشهد الحزبي تعقيداً نتيجة هذه الممارسة؟

القربي: لم تقتصر الآثار السلبية لسياسة البعث وآل الأسد على العمل الحزبي فقط، بل امتدت لتشمل مجمل الحياة السياسية، الخوف من ممارسة العمل السياسي والاهتمام بالشأن العام، إضعاف العلاقة بين النخب والمثقفين والناس، كلها آثار سلبية ما نزال نعاني منها، وأعتقد أنه طالما بقي هذا النظام في السلطة، فلن تحدث تغييرات جوهرية في هذا المجال.

لعل أخطر ما ترتب على ممارسات نظام الأسد في خنق العمل السياسي، هو انكفاء السوريين بصورة عامة والشباب منهم بصورة خاصة عن الانخراط في الشأن العام نتيجة انتشار أحكام مسبقة تتمثل في “شيطنة العمل السياسي” وتحريمه تارة، والتقليل من جدواه والفائدة منه تارة أخرى.

صحيح أن هنالك حالياً هامش ما للعمل السياسي بالمعنى الواسع متاح في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد بما في ذلك مناطق تنظيم قسد وهيئة تحرير الشام، وفي بلاد اللجوء، ولكن هذا الأمر لن يتطور بشكل كبير نتيجة الظروف الاقتصادية القاهرة والاستثنائية التي يمر بها الإنسان السوري والتي لا تساعد على تفاعل النسبة الكبرى من السوريين مع الشأن العام، بما في ذلك التنظيمات السياسية.

  • ما هي التوصيات التي يمكن أن نقدمها للتنظيمات والتشكيلات والتيارات الراغبة بممارسة شكل من أشكال العمل السياسي حالياً سواء في إطار حزبي أو خارجه؟

الدكتور القربي:

كما أشرت سابقاً، يفترض بالتشكيلات والتنظيمات الراغبة بالانخراط في العمل السياسي التركيز على التنظيم والحشد أكثر من التسميات من أجل نشر هذه الثقافة داخل صفوف السوريين، والعمل على مد جسور التعاون والتشبيك مع مختلف التنظيمات والتشكيلات والتيارات السورية المتوافقة على رؤية إنهاء نظام الاستبداد والانتقال إلى دولة الحرية والكرامة من خلال صيغ مختلفة تبدأ من تبادل وجهات النظر وصولاً إلى شكل من أشكال العمل الجبهوي، هذا من ناحية التشكيل.

أما من ناحية الخطاب، فيفترض بالتنظيمات الابتعاد عن التصنيفات الأيديولوجية والتركيز في برامجها وخطابها على الأبعاد الوطنية الجامعة التي تنقذ سوريا من نظام الأسد، وتحقيق الانتقال السياسي نحو دولة الحرية والكرامة.

كذلك يفترض بها التركيز على الأدوات التي تناسب خطاب الفئات الشبابية، خصوصاً وأن الشباب السوري تعرض لظروف استثنائية داخل سوريا وخارجها الأمر الذي يتطلب استخدام خطاب وأدوات ومنصات خاصة في مخاطبته، مع التنويه أن جميع الدراسات واستطلاعات الرأي التي أجريت بخصوص الشباب السوري تشير إلى استنكاف الغالبية العظمى عن ممارسة العمل السياسي، وحتى الاهتمام بالشأن العام، الأمر الذي يتطلب جهوداً كبيرة على مستوى التوعية والإقناع في الحواضن الاجتماعية كالأسرة والمدرسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى