موجة الهجرة الجديدة لأوروبا الوقوف على الأسباب 

ناجي محمد رضوان – باحث سياسي 

الحقّ في التنقل والسّكن واختيار مكان الإقامة حقٌّ إنساني قديم وثابت لا يحتاج إلى تعاريف القانون الدولي الحديث، لذلك تبدو فكرة الهجرة وتغيّر مكان السكن  في سوريا قديمة حالها كحال الكثير من دول العالم.

ولكن أتت الحرب التي أعلنها النظام الأسديّ على الشعب السّوري الثائر لتطرح الهجرة كحلّ و خلاص فردي قريب للسوريين.

ومنذ اللحظات الأولى للمعارك في سوريا انطلقت موجات الهجرة نحو الحلم الأوربي وأرض المستقبل، حيث هاجر الشباب و العائلات في موجات كانت أعلى لحظة فيها كخطّ بيانيّ هي خريف عام ٢٠١٤م إلى شتاء ٢٠١٦م، مع سقوط مدينة حلب ودخول أول اتفاق لمسار أستانا وخطة خفض التصعيد.

 توقّفت موجات الهجرة السّورية نحو أوروبا او انخفضت تحت تأثير مجموعة من العوامل؛ كارتفاع وتضاعف التكلف وإطلاق  برامج الأمم المتّحدة لإعادة التوطين في كندا، والهجرة بشكل أكبر وأكثر تنظيماً أو الوعود بحلّ سياسيّ قريب، وممكن ضمن مسار استانا و الاتفاقيات الأوروبية التركية حول توقيف حملات الهجرة مقابل دعمها لاستيعاب اللاجئين ومنع تشكيلهم موجة جديدة.

 كلّ تلك الظروف لم توقف السّوريين عن التفكير والسعي للخلاص الفردي باتجاه أوروبا. 

فشهدنا موجة محدودة قبل الحرب الأوكرانية باتّجاه الحدود البيلاروسية الهولندية التي كانت محدودة الأثر والقيمة، ورغم الحملة العسكرية في أول ٢٠٢٠ وما نتج عنه من تعديل اتفاق سوتشي وتحت ضغط إغلاق الحدود تحت تأثير كورونا انخفضت معدّلات الهجرة السورية بشكل ملحوظ  لتعود و تظهر صيف هذا العام ٢٠٢٢م لمجموعة أسباب.

فرغم تشابه أسباب الهجرة نحو أوروبا وتقاربها بين الدول العربية ولكن يبقى للمجتمع السوري أسبابه وعوامله الذاتية: 

  • الأسباب السّياسية: وهي واحدة من حيث النتيجة، ولكن تنقسم إلى ثلاثة عوامل ضغط:
  • عمليّة سياسيّة معطّلة وغير منتجة حسب ما أكّد السّيد بيدرسون في آخر اجتماع؛أنّ عملية اللجنة الدستورية تسير دون تحقيق نتيجة فإذا كان  الشارع السّوري بكلّيتها ينتظر عملية معروفة النتائج وتتمحور حول الفشل فلماذا البقاء دون هجرة؟
  • سيطرة سلطات الأمر الواقع وانغلاقها على المجتمع عبر فشل الإدارة داخلياً و القمع كوسيلة للتّحكم. فعبر خريطة السّيطرة في سورية تشكّل كلّ جهة حاكمة نموذجاً من الفشل والتبعيّة السياسيّة بأحسن أحوالها إن لم تكن تشكّل شلّة من الفساد وسوء التصرف، وتفرض على الجزء الذي تتحكم به سياسات وانتماءات دون أي مراجعة أو ضبط، فكيف سيشارك الشّباب في العمل الإداري والسّياسي في ظلّ إدارة الفشل تلك؟
  • التّعقيد الدّولي لسوريا وتحويلها لساحة صراع مفتوحة:

لا يمكن إنكار أنّ سوريا كدولة أصبحت معدومة السّيادة، وأنها ساحة لتصفية الحسابات الدّولية بشكلٍ ينعكس على الشّعب السوري بفقدان الثّقة بالقيادة السّياسيّة والعسكريّة، ووعيها بصعوبة الحلّ البسيط الذي يُطرح في كل الجولات للدفع إلى عمليّة سياسيّة.  

  • الأسباب الاقتصاديّة: تشكّل حلقة ضغط خانقة تضعف البدائل وأدوات التكيّف مع حالة النّزوح الداخليّ أو حالة الّلجوء في دول الجوار، وهي عوامل أساسية 
  • البطالة و النّشاط الاقتصاديّ التحويليّ: يعيش المجتمع السّوري حالة بطالة طويلة الأمد تفوق نسبتها ٨٠%   من سوق العمل ويعيش الجزء الأعظم من الشعب على التحويلات من خارج الحدود. ولكن وجود فرص للاستثمار الشخصي غير معدومة بالمطلق؛ حيث يسود في سوريا نمط سوق الاستهلاك والتحويل، حيث تنحصر فرص الاستثمار بخدمات السّوق الأولية كالنقل و الاستيراد، دون وجود قوّة مكافئة كالتصنيع والتصدير، الأمر الذي يجعل دخول شخص ما سوق العمل كموظف أو مستثمر فرصة ضعيفة. 

ومع ارتفاع نسبة المخاطرة نتيجة الظّروف السياسية والأمنية في سوريا فلا دخول قريب للشركات الأجنبية بغرض الاستثمار، وهذا القيد يشكّل ضغطاً كبيراً على طموحات وأحلام الشّباب.

  • خسارة الأصول وتجارب الحرب الفاشلة:

رغم طول مدّة الحرب في سوريا لم يقرر بعض الشباب السوري الهجرة إلا في هذه الظروف من الكساد والبطالة، وذاك نتيجة خسارتهم للأصول المنتِجة والثّابتة في الحرب من جهة، وفي محاولة إعادة البدء من جديد في جهة ثانية.

 الأمر الذي أعطى فكرة الهجرة من ناحية استثمارية بُعداً جذّاباً؛ فبدلاً من الاستمرار في خسارة رأس المال في  تجارب فاشلة فإن الوصول ألى أرض الحلم الأوروبي يبدو أسهل وأكثر ضماناً واستقراراً. 

  • الأسباب الثقافيّة: تشكّل هذه الأسباب بُعداً تبريريّاً يسهل تقبّل فكرة الهجرة والانتقال ودفعاً نفسيّاً لتسهل تقّبل الهجرة على المستوى الفرديّ، وهي على الشكل التالي:
  • النّزوح الدّاخلي وفقدان الارتباط في الوطن: لا يقصد هنا بالوطن المعنى الكبير والسياسي له، ولكن المعنى الرومانسي كالشّارع والحارة والمنزل والأماكن والأشخاص والعلاقات التي يرتبط به الشّخص في مكان الولادة  بشكل  كبير ممّا يدعم  قرار الهجرة، فقد خسِر الشّباب  هذه العلاقات والحنين  نتيجة النّزوح المتكرّر أو لم يعِشها أصلاً نتيجة ارتباط هذا الحنين بالحرب والقصف والتشريد.

 و بعد انتهاء الحرب ووصوله إلى مكان جديد كمهجّر أو لاجئ  لم يرتبط بالمكان الجديد بذاكرة أو تصوّرات سوى كونه لاجئ يخضع للقانون لا يحميه من تميّز أو يعفيه من عنصريّة، فهو لم يرتبط بوطنه الأصلي ولا بالوطن البديل.

انعكاس حالة انهيار الدّولة على المجتمع: ساعد  انهيار الدولة في سوريا إلى غياب سلطة عُليا مُلزِمة تحمي المجتمع داخلياً وخارجياً الأمر الذي شجّع إلى انقسام السّوريين ولجوئهم إلى هويتهم الفرعيّة عِرقيّاً ودينيّاً، الأمر الذي أدّى إلى انقسام المجتمعات ضمن نفس الهوية الى لاجئين ومقيمين و حتى الى انقسام اللاجئين وإعادة  صياغة تعريفهم، الأمر الذي أدى إلى تفكّك الرّوابط الاجتماعيّة وانغلاق الأسرة إلى أقلّ تكوين (أب وأم وأبناء دون وجود أسرة كبيرة) تقرّر أو تساعد، الأمر الذي دعم  تصوّر الفرد إلى أفكاره وحقّه بالتّحرك بحريّة.

كلّ تلك الأسباب ساهمت في دعم موجات الهجرة، وتبدو هذه العوامل معقّدة مختلفة حتى ضمن الشباب المهاجرين حالياً، ولكن  بعد عقد من انطلاق الثورة السوريّة وانطلاق عملية التغيير الديمغرافي في سوريا  منذ ٢٠١٤م عزز فشل العملية السياسية وحالة انعدام الأفق من الهجرة بشكل أكبر، فبعد تبخّر الوعود بالعودة لقبل خطوط سوتشي من جهة و الفشل المتوقع لمسار استانا من جهة أخرى، وتكرّر التّصريح بعملية تركيا مؤجّلة بشكل مستمرّ، تكوّنت قناعة عند الشباب السّوري في صعوبة العودة أو استعادة حياة ما قبل النزوح بفترة قصيرة، و هذه الأسباب الأساسية في الشمال السوري، أما في دول اللجوء القريبة: تركيا والأردن ولبنان  فقد أدى فشل الحكومات في إدارة ملف اللاجئين وتحويلهم إلى ورقة سياسية قابلة للمساومة و التّفاوض داخلياً ودولياً إلى نموّ خطاب مُعادٍ للّاجئين السّوريين، الأمر الذي عزّز عند السّوريين معادلة حياة مستحيلة الحلّ بغير الهجرة، هي على الشكل التالي في ظلّ استحالة العودة إلى سوريا تحت سلطة النظام أو المعارضة الفاشلة و فقدان الأصول الإنتاجية الاقتصادية والثقافية من علاقات واقارب وانتماء للمكان نتيجة التهجير و حالة انعدام الأفق، فأيّ مستقبل يمكن أن ينظر شباب سوريا فما هو البديل عن  الهجرة كحلّ وحيد؟.

 وما يمنع السوريّون أن يهاجروا بشكل جماعيّ هو فقط التكلفة المرتفعة لهذا الاختيار. الأمر الذي قد لا ينذر بتوقّف هجرة الشباب السّوري وأسرهم في فترة قريبة أو نتيجة عوائق أو قوانين تجعل الهجرة خياراً صعباً.

وقد تختلف النّتائج وتحتاج إلى مجال أكبر للبحث والتدقيق، ولكن لا وجود لأفق قريب لوقف حالة الهجرة من سوريا، مع استمرار السّبب الرئيسي لهجرة السّوريين يسكن في قصر المهاجرين ويحكم من خلال أجهزة القمع والقتل التي كان شعارها الاسد أو نحرق البلد، الأمر الذي أجبر السوريّين على اتّباع  درب الحريّة حتى لو مشوا في قلب الماء دون موسى هرباً من فرعون الذي يطاردهم في منافيهم الاختياريّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى