العنصريّة داء الشّعوب

العنصريّة داء الشّعوب 

العنصريّة هي فِكر يرفض وجود الآخرين، ويهدف إلى التفوّق والاستعلاء والتنمّر عليهم، والهيمنة على كلّ نواحي الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.

العنصريّة لا يُعرف لها دين ولا وطن ولا مكان، كما لا يُعرف لها معيار محدد، ولكنّ الذي يعرف أنّها تحوم وتدور حول العقول الملوّثة، كمثل المستنقع الذي يستقطب كلّ الحشرات الضارّة المؤذية.

هذا الدّاء القاتل يتغلغل ويستقرّ في صميم القلب والفكر، ويشوّه عقول المصابين به وحياتهم، إنّه يُنشِئ حالةً كاملةً من اللاّوعي أوالغيبوبة فلا تستطيع تجليةَ أمره أو كشفَ حقيقته إلا بشقّ الأنفس.

نعم إنه احتلال وسيطرةٌ على العقول وهو أصعب من احتلال بقعةٍ من الأرض في بلدٍ ما، فلا يتّسعُ العقلُ به إلاّ بِقدر ما يضيق، ولا يُنير إلا بقدر ما يُظلِم.

هذه العنصريّة التي أنهكت وأثقلت كاهل الشّعوب اليوم، ومع ذلك لم تتمكّن المجتمعات بعد من التخلص من هذه الظاهرة النّتنة، وبناء مجتمعٍ مثاليّ يؤمن بالعدالة والمساواة، وأنّ النجاح والتفوّق ليس حكراً على عِرقٍ أو لَونٍ.

وهذه العنصريّة قد تمارَس على الأفراد من بعضهم على بعض، وقد تكون على المجتمع بأسره ويكون هذا من خلال استصدار قوانين تخلق جواً من الحقد والكراهية والخوف، لأنها تخدم طائفةً وتحرم أخرى، تمجّد طائفةً وتحتقر أخرى.

وعلى مثل هذه المبادئ العنصرية قامت النازيّة وغيرها، حيث قام الخطباء يدعون إلى القوميّة الخالصة والدّم الصّريح ويُلهبون حماس الشّعب إلى كلّ ما تقوم به وتدعو إليه، ولو أنّ النازيّة اقتصرت على تمجيد قومها وغالت في ذلك لكان الأمر عادياً، ولكن كان على حساب الشعوب الأخرى بدافع العنصريّة والدّم فقط.

فالأمم قبل الإِسلام وبعده إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي كانت تضع فروقاً عظيمة بين طبقات الأمّة، جاء في موسوعة لاروس في سنة (1798م): كان يوجد عدم مساواة في توزيع المناصب العموميّة وعدم رقابة عليها فبذل وزراء لويس السادس عشر جهدهم لِإجراء الِإصلاحات التي تتطلبها الأمة، فلم ينجحوا ضدّ المقاومة العنيفة لرجال الدّين والنبلاء فرأت الأمّة أنّه لا يجدي في هذا الأمر غير ثورة تضع مكان جماعة قائمة على اعتبار الامتيازات جماعة أخرى تحمل الصفات المطلوبة للقيادة حتى يسود قانون المساواة بين الجميع.

وبعض الأديان تُقرّ نظام الطبقيّة كالديانة البراهميّة التي تقسّم الأمّة إلى طوائف أربع ، والبرهمي يجب احترامه بسبب نسبه وحده، وأحكامه هي وحدها الحجّة وله يد حين الحاجة أن يمتلك مال الواحد من السفلة؛ لأنّ العبد وما ملكت يده لسيّده، وكان محرّماً على هذه الطبقة المنكودة أن يتصل أحدهم بشيء من الدّين أوالعلم وإلَّا حلّ به عذاب غليظ مثل صبّ الرصاص المصهور في أذنيه وشقّ لسانه وتقطيع جسمه، والرّومان كانوا يقسِّمون الناس إلى أحرار وغير أحرار، فالأحرار يتمتّعون بكل الحقوق، وغير الأحرار يُحرمون من التمتع بأيّ حقّ من الحقوق.

ولم تكن الجزيرة العربيّة أسعد حالًا، بل كان الرِّقّ أحد العوامل السّائدة والمستباحة في الحياة ، نتيجة للغارات والحروب المتوالية وكان الرّقّ بابًا من أبواب التجارة الرّابحة.

إنّ المساواة بين النّاس تعدّ نتيجةً حتمية لسيادة العدل بينهم، وهي ليست وليدة اجتهاد فرديّ، أو نتاج تفكير فلسفيّ أو نظريّات وقوانين عرضة للتغيير والنّقد والاجتهاد، وإنّما هي مبدأ أصيل قرّره الذي يعلم السرّ وأخفى، وهي قيمة وحيدة يَرجح بها وزن النّاس وهي قيمة سماويّة بحتة يستمدّ منها الناس في الأرض قيمهم وموازينهم، ويضربون صفحًا عن كل القيم الأخرى التي تقوم على النّسب والقوّة والجاه والمال وغير ذلك من القيم التي يتعاملون بها ويتفاوتون فيما بينهم في الأرض بسببه، هذا هو الأساس الذي ولد قبل أربعة عشر قرناً على يد الإِسلام في بلاد العرب التي كانت تعدّ أشدّ الأمم تباهياً بالأنساب وكانت العنصرية عندهم جرت مجرى الدّم في العروق.

والذي يريد أن يؤسّس للعنصرية يحتاج إلى أدوات ووسائل وأسباب فيعتمد على الجنس والقومية واللّغة ومقالات وكتابات العلماء والمعتقدات، ثم يقوم بالطّعن في نسب ولغة وثقافة من يريد أن يستبعدهم كما يضع فروقاً وهميّة عنصريّة بين النّاس ويحشد لهذه الأفكار والأعمال إعلامياً وفكريّاً حتى يشعر الطرف الآخر بالمضايقة والإهمال مما يسبب له الألم النفسيّ والإهانة التي تمسّ كرامته ووجوده.

ومن أبشع صور التمييز تلك التي تكون باسم الدّين فهي أقبح من غيرها لأنّها تتحوّل إلى عقيدة تتوارثها الأجيال، ويضاف إليها طابع القداسة فلا يمكن نقدها ولا تعديلها، أما الذين يعتمدون على لون بشرتهم ولغتهم ويستخدمون هذا الأمر في الفساد والقوّة والتنمّر على الآخرين فهم أشبه بإبليس الذي رفض أمر الله تعالى متذرّعاً بأنّه يحمل خصائصاً تُميّزه عن المخلوقات الأخرى، وأنّ النّار التي خُلق منها لا يمكن أن تنصاع أو تستجيب لمخلوقٍ آخر خُلق من طين.

فلا بدّ من علاج يستأصل هذا المرض من جذوره لأنّ الحياة لايمكن أن تستمرّ معه, فكم من دماءٍ أُهريقت وسُفكت تحت هذا الدّافع، وهذا العلاج ليس مستحيلاً ولامفقوداً ولكنّه يحتاج إلى حركة وجهد جماعيّ من الشّعوب والحكومات، ويبدأ العلاج من قيام الحكومة بتضييق دائرة الخلاف بين القبائل والفصائل والجماعات، وعلى الحكومات أن تتغلّب على العنصريّة والطائفية من خلال تطبيق مبدأ العدالة والمساواة بين أبناء المجتمع، وأن تسخّر الإعلام في التأثير على المجتمع لأنه نافذة مهمّة في هذا المجال، وأن تفرض العقوبات على كلّ من يثير الفتن والنزاعات بين أبناء المجتمع الواحد، كما يتوجّب على الأئمّة والخطباء تقوية الوازع الدينيّ في نفوس الأفراد وزرع أفضل القيم فيهم، ونبذ التّفاخر واحتقار الآخرين، كما يقع على عاتق المدارس والجامعات دور كبير في توعية الجيل وزرع الأفكار الصحيحة في عقولهم ولو تطلّب الأمر إلى عقد دورات توعويّة حول أهمية العدالة والمساواة ونبذ الفتنة والعنصريّة والتمييز بجميع أشكاله.

لقد أكّدت الشريعة الإسلاميّة أنّ البشر متساوون جميعاً في أصل خلقهم وأنّ هذا الاختلاف هو سبب للتعارف والاندماج، لا أن يفخر ويتعالى بعضهم على بعض بالعِرق أو بالنّسب، وبهذا انتشل الإسلام النّاس من وحل العنصريّة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( ياأيّها النّاس إنّ ربّكم واحدٌ لافضل لعربيٍّ على عجميٍّ ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلاّ بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب).

فقد ركّز الإسلام على نبذ ومحاربة العنصريّة وسائر أنواع التمييز باللون والعِرق والجنس، كما اعتبرها من أبشع صور الجاهلية وتجلّى هذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ عندما عيّر بلالاً بلون أمّه فقال له يا ابن السّوداء فقال له صلى الله عليه وسلم:(إنك امرؤ فيك جاهليّة) بهذه الكلمات علّمنا الإسلام أنّه لا يرضى بالعنصريّة ولا بالأمجاد الّتي تبنى على أكتاف الفقراء من أجل الملوك والجبابرة، بل قام الإسلام ببناء صرحٍ ومجّد فيه السّلم والأمن والعدل والحريّة والكرامة، لذلك فإنّ كلّ دعوةٍ تدعو للعنصريّة أو لإحياء العنصريّة من جديد في أي مجتمع، ما هي إلّا دعوة مشبوهة تدعو للتمييز والعنصرية والتفرقة، ورحم الله سيدنا عمر بن الخطاب عندما قال قولته المشهورة: (متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، كلمات مضيئات تقطع وتنهي الحرب التي تقوم على أساس الاختلاف والأصول الجنسية والعِرقية، ومع أنّ الله تعالى خلق الناس مختلفين ولكن ليكمّل بعضهم بعضاً، وليتّخذ بعضهم بعضاً سُخرياً حتّى تتكامل الخبرات وتستمر الحياة، فالطّبيبُ يحتاج البنّاءَ والمهندسُ يحتاج الطّبيبَ وهكذا من دون احتقار ولا فوقيّة بل بكامل الحبّ والاحترام والتقدير.

وأريد أن أقول إنّ باب التفوّق مفتوح للجميع ولكن عن طريق العلم والتقدم والحضارة قال تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وكذلك فإن ‌العنصريّة ما زال بابها مفتوحاً ولها مكان مرموق وصوت مسموع وكأنّ ‌العنصريّة مقدّمة على الدّين، فلا يظنّ بأنّها زالت وذهبت وهذا من الوهم المريح القاتل والحقيقة المُرّة أفضل من الوهم المريح بألف مَرّة.
شجاع إسماعيل– سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى