التعليم الأساسي في الشّمال السّوري تحدّيات ومعوّقات

التعليم الأساسي في الشّمال السّوري تحدّيات ومعوّقات

 العلم هو الرّكن الأساسي في نهوض أيّ مجتمع من المجتمعات وبدونه يكون المجتمع ضعيفاً ويبقى متخلّفاً ويسوده الفقر والجهل والأمّية، وهو الجسر الوحيد من أجل العبور إلى المستقبل المشرق، وإنّ العلم يحصل بالتعلّم وذلك بتلقّي المعرفة والقيم والمهارات الجديدة، وكثيراً ما نسمع مقولة “التعليم حقّ للجميع”، لكن ومع اقتراب نهاية السنة الحادية عشرة من قيام الثّورة السّورية، فإنّ الواقع المؤسف يخبرنا أنّ مئات الآلاف من أطفال سوريا قد كبروا بدون الحصول على هذا الحقّ، حيث يعاني قطاع التعليم في شمال سوريا من مشاكل وتحدّيات كثيرة أفرزتها سنون الحرب العشرة الماضية، ومن خلال معايشة الواقع التعليمي في هذه البقعة الجغرافية نسلّط الضوء على بعض من هذه المعوّقات:

أولاً: التّسرّب المدرسيّ:

    إنّ النّزوح الداخلي الذي أجبر أكثر من مليوني مواطن سوري إلى الإقامة في مخيمات اللجوء في المناطق الشمالية من سوريا جعل عشرات الآلاف من الأطفال يتسرّبون من مدراسهم ليُحرموا من حقّهم الأساسي في الحصول على برامج التعليم الملائمة، ومن المتعارف عليه أن التسرّب المدرسي يعني انقطاع الطّالب عن المدرسة لسبب من الأسباب قبل انتهاء المرحلة التعليمية الأساسية، وفي الحالة السورية نجد تعدّد الأسباب الدّافعة لتسرّب الطلاب من مدارسهم، وإليك أبرز هذه الأسباب وأهمّها:

  1. السّبب الاقتصادي: إن ابتعاد المهجّرين في الشمال السوري عن مصادر دخلهم الرئيسية مع فقدان كثير من الأسر للمعيل نتيجة لأسباب عدّة كالموت والاعتقال والإصابات الحربية أو الهجرة القسرية أدّى إلى انخفاض دخل الأسرة إلى ما دون حدّ الكفاية، وهذا ما دفع كثيراً من الأطفال إلى ترك المدرسة والاتجاه إلى العمل من أجل الحصول على الحاجات الأساسية من الطعام والدواء والكساء، ويمكن القول إن هذا السبب هو الدافع الرئيس في تسرب غالبية الأطفال عن المدارس، وفي حال ارتفاع دخل الأسر ستكون فرص التعافي من هذه الظاهرة مرتفعة وهذا مرهون بواقع الأوضاع السياسية والاقتصادية في سوريا بشكل عام.
  1. أسباب أسريّة واجتماعية: الأسرة هي المحيط الأول الذي ينشأ الطفل في كنفه، وسعادة الطفل وشقاوته مرتبط باستقرار العلاقات بين أفراد هذا الكيان ثم باستقرار المحيط الاجتماعي بشكل عام، والتعليم المدرسي مرتبط بشكل أساسي بتوفر هذه البيئة المتماسكة، ومن المعلوم جيداً أن تفكّك الأسرة وتباعدها بانفصال الزوجين مثلاً أو سفر الزوج لفترات طويلة كان سبباً في ابتعاد الأبناء عن مدارسهم وتخلّيهم عنها في سن مبكّرة، وإن ما حصل في المجتمع السّوري خلال العقد الأخير من تفكّك الكثير من الأسر للأسباب المذكورة آنفاً جعلت من أطفال هذه الأسر فريسةً للجهل والأميَّة كنتيجة طبيعية لغياب دور الحاضن الأول وهو العائلة.
  1. أسباب تربويّة: من خلال استقراء واقع التعليم في المراحل الأساسية في الشمال السوري يمكننا ملاحظة وجود التسرّب من المدرسة لأسباب تربويّة منها ما هو متعلّق بتضخّم أعداد الطلاب في الفصل الدراسي، حيث تبلغ بعض الفصول حوالي 60 طالباً في حين أن العدد النموذجي يجب ألا يتجاوز 25 طالباً كحد أقصى، بالإضافة لعدم وجود البنية التحتيّة المؤهّلة أصلاً لقيام العملية التعليمية، أيضاً فإن النظام التعليميّ السّائد وقلة الخبرة في مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب لدى بعض المعلمين وفهم مشاكلهم وعدم توفّر الوسائل التعليمية المساعدة ووجود انفصال بين بعض المناهج وبيئة الطلاب وضعف دور المرشِد الطلابي في المدرسة وانعدامه في المدارس العامّة وغير المدعومة، هذه وغيرها من الأسباب التربوية زادت من فرص ابتعاد الطّلاب عن مقاعد الدّراسة، وإذا ما توِّج العام الدراسي برسوب الطالب فإنه سيفتح له آفاقاً أوسع من أجل الالتحاق بأقرب مهنة متوفّرة يعتمد أربابها في جمع ثرواتهم على عمالة الأطفال والضّعفاء دون رقيب أو حسيب. 
  1. النّزوح وعدم الاستقرار: وهو سبب هامّ جداً في حصول التسرّب المدرسي، فقد عانت أغلب العائلات المهجّرة من تكرار عملية النّزوح من منطقة إلى أخرى وبظروف صعبة لعدّة سنوات مما جعلها تفقد الاستقرار، وبالتالي فقدان البيئة المدرسية الآمنة.

    إنّ هذه الأسباب أدّت واقعياً إلى الإصابة بظاهرة التسرّب عن المدرسة في الشمال السوري بشكل كبير وبالرغم من عدم إيماني بدقة الإحصائيات التي تذكر وجود أكثر من 700 ألف طفل في عداد المتسرّبين عن مدارسهم، إلا أنّني أتّفق مع أصحاب تلك الإحصائيات أنّ العدد كبير جداً مقارنة بالكثافة السكانية الموجودة في المنطقة.

  إنّ من الواجب أن يتنبه مجتمعنا السوري إلى خطورة حرمان الطفل من حقّه في الحصول على التعليم الأساسي، وأنّ ذلك سيرفع نسبة الأمّيّة في المجتمع ومن ثَمّ حصول عوائق أمام التنمية الاجتماعية والاقتصادية وخفض مستوى المعيشة وحصول انحرافات مجتمعيّة كثيرة مثل السّرقة وتعاطي المخدّرات والاستغلال الجسدي، فلابد من نشر الوعي والثقافة حول هذه الظاهرة، وربما يجدي نفعاً إنشاء مؤسسة تعليمية متخصّصة في تتبّع هذه الفئة من الطلاب ومن ثَم الوقوف على الأسباب التي دفعتهم إلى ترك مقاعد الدراسة ومحاولة إيجاد الحلول الفردية مثل الكفالات الماليّة من بعض الجهات الخيريّة المانحة وتقديم العلاج النفسي اللازم والتشجيع وتغيير الأساليب التربوية السّائدة وتغيير الجو المدرسي التقليدي.

ثانياً: تدنّي أجور العاملين

يتقاضى المعلم الأصيل في المدارس العامّة أجراً شهرياً يقدر بحوالي 120 دولاراً بشكل وسطيّ إن كانت المدرسة التي يعمل بها مدعومة من قبل إحدى المنظّمات المحليّة، وإلا فإنّ المعلم يضطر للعمل تطوّعاً دون أجر، يدفعه إلى ذلك ضميره للعمل تارة وأمله في الحصول على الكفالة في القريب تارة أخرى، وقد بلغ عدد المعلمين المتطوّعين في السنة الماضية (2021) حوالي 5500 معلم بحسب تصريحات أدلى بها مدير دائرة التعليم الأساسي في مديرية التربية والتعليم في إدلب، وهذا ما يدفع الأساتذة المختصّين وذوي الخبرة إلى ترك مجال التعليم والانجرار للعمل ضمن صفوف المنظّمات الأعلى أجراً مع أول فرصة تتاح لهم أو الخروج للعمل في الأعمال الحرّة، ممّا يحرم قطاع التعليم من أصحاب الخبرة ويفتح المجال واسعاً أمام الكفاءات المتدنية لتتصدّر العملية التعليميّة في ظلّ النّقص الحاصل في أعداد الكوادر المطلوبة، إنّ من حقّ المعلم أن يحصِّل حدّ الكفاية على الأقل، ومن واجب الجهات المعنية أن تؤمّن له هذا الحق، فإن عجز المسؤولون عن توفير كفاية المعلم بحجة قلّة المانحين، فعليهم البحث عن البدائل المناسبة والاستفادة من التجارب الدولية في دعم قطاع التعليم وعلى سبيل المثال يمكن إنشاء صناديق وقفية استثمارية تخصَّص لدعم قطاع التعليم في الشمال السوري والاستفادة من التجربة التركية والتجربة الأمريكية في هذا المجال.

ثالثاً: الكثافة السّكانية وقلّة عدد المدارس الملائمة

       بحكم الكثافة السّكانية الضّخمة فإنّ المدارس الموجودة في الشّمال السّوري تضطر إلى تقسيم الدوام اليومي في المدرسة الواحدة إلى فترتين صباحية ومسائية، وهذا بدوره يجعل الوعاء الزمني لساعات التعليم في الفترة الواحدة أقلّ من الوقت الطبيعي اللازم بساعة ونصف يومياً، بالإضافة إلى وجود نقص كبير في فصول التعليم الخاصة بالفئة الثانية (الصف الرابع والخامس)، مع وجود المسافات البعيدة التي تفصل بعض الطلاب عن المدرسة، وإذا ما صاحب كل ذلك سوءاً في البنية التحتيّة للمدارس فإنّ الوضع يزداد سوءاً، حيث تعتمد كثير من التجمّعات السّكنية مدارسَها في بيوت سكنيّة أو خيم كبيرة أو مبانٍ عامّة لا توفر بيئة تعليمية صالحة لتعليم الأطفال، ولابدّ من أجل تفادي هذه المشكلة من إجراء دراسة ميدانيّة منضبطة لأعداد الطلاب، ومن ثم تحديد كمّ الاحتياج اللازم من المدارس لتغطيته بالشكل الأمثل وتأمين المواصلات للطلاب في الأماكن البعيدة ومطالبة الجهات المانحة والمسؤولين لجعل إنشاء المدارس وتهيئتها على رأس أولوياتهم.

    أخيراً: إنّ ما تمّ استعراضه في السّطور السّابقة يمثّل جزءاً من المشكلات الواقعية التي يعاني منها قطاع التعليم في الشمال السوري، وفي حال أردنا المقارنة بين واقعنا هذا مع ما وصلت إليه الدول المتقدمة من تطور علمي وتربوي فإننا سنصل إلى نتائج صادمة حتماً، فبينما نحن بصدد التنظير لأسباب تسرّب ما يقارب 50% من طلابنا عن التعليم الأساسي تشير الإحصائيات الواردة من بعض الدول المتقدّمة في مجال التعليم كفنلندا مثلاً إلى أنّ نسبة الطلاب المتسرّبين لديها لا يتجاوز 0.5 % فقط، وأنّ أجور المعلم في بعض تلك الدول قد يتجاوز أجر كبار المسؤولين فيها، وإنّ من المؤسف في أمّة كان أول ما نزل من دستورها الخالد كلمة “اقرأ” أن يصل الحال ببعض أبنائها إلى ما وصلت إليه من تخلّف وإعراض عن العلم بعد أن سادت الدنيا بالعلم في يوم من الأيام، نعم إن الحرب والنزوح قد أثقلا كواهل الجميع، لكن علينا جميعاً أن نعلم جيداً أنّه ما من أمة مرضت ثم نهضت بغير الجدّ والعمل وبنور العلم والمتعلمين.
أحمد نبهان دله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى