مَن الذي يحدّد دور المرأة في الحياة؟

مَن الذي يحدّد دور المرأة في الحياة؟

إن مما يُشكل اليوم في النقاشات الاجتماعية والبحثية، ويطول الجدل فيه، هو تحديد دور المرأة في المجتمع، بخاصة أن حساسية موضوع الأدوار الخاصة بالرجل والمرأة زادت في الفترة الأخيرة كما هو ملاحظ، وذلك بسبب صعود الخطاب التابع للتيارات النّسويّة المتعددة، وليس حديثي هنا عن الدور الذي يجب أن تؤديه المرأة ويكون مقررًا أنه واجب عليها، بل حديثي عن التحديد نفسه، فمن الذي يحدد الدور للمرأة، هل هو الرجل؟ أم المجتمع؟ أم مَن؟

أولًا، وقبل كل شيء، لا بد أن نُدرك نحن النساء المسلمات أن الصراعات على الأدوار بين الرجل والمرأة الدائرة في الغرب لا يجب أن تعنينا بالدرجة الأولى، فمرجعيتنا مختلفة، وخصوصية المجتمعات مختلفة كذلك، والمنظومة القضائية التي تخضع لها المجتمعات الغربية هي ليست المنظومة التي نخضع لها نفسها، لذلك لا بدّ لنا أن نستقلّ في حلّ مشاكلنا، ولا نستورد المشاكل وحلولها من الغرب ثم نجد أنها لا تحقق جدواها.

وحتى نعرف مَن الذي يحدّد الدور للآخر، لا بدّ أن نحدد من هو صاحب الحق في ذلك، ثم إذا امتلك الحق في ذلك، فله أن يحدد كما يشاء.

وكما هو مقرر ومعروف لدى المسلمين جميعًا، أن الله سبحانه وتعالى هو خالقنا ومالكنا، وهو سبحانه الذي يشرّع لنا ما يجب علينا، وما هو حرام علينا فعله، لذلك فكل ما يُقال لا يجب أن يُنظر إلى من قاله، بل يجب أن يُنظر في مدى قربه من منهج الشريعة، أو ابتعاده عنها، فإن كان موافقًا لما جاء فيها قُبِل، وإن كان مخالفًا رُدّ، وقبوله وردّه مبنيّ على المنهج لا على القائل، لأنه ليس لدينا في منهجنا العلمي أي رد لقول بسبب قائله إن كان القول حقًا، بل العكس، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الشيطان: (أما أنه قد صدقك وهو كذوب)، فإذا كان قول الحق يُقبل من الشيطان فقبوله من سائر الخلق أولى.

ومع ذلك فإن الشريعة قد تسكت عن تقرير بعض الأمور، أو تقررها بصورة تسمح للعقول أن تختلف في إدراكها، مما يجعل الأمر محتاجًا لفهم الشريعة أكثر، والإحاطة بكلياتها والأمور التي جاءت الشريعة لتحقيقها، فهنا تكون الكلمة لمن يفهم الحكم أكثر، ويكون قادرًا على تقديم هذا الحكم بالأدلة التي تثبت صحتها والتصاقها بالتوجه الشرعي.

ولا ننسى أن للعرف أثرًا في هذا الموضوع، إذ إن الأدوار التي تقوم بها المرأة محلّها المجتمع، وبناءً على ذلك فإنه لا بدّ من تصور هذا المجتمع وفهمه لتقديم الحكم الأمثل الذي يكون متوازنًا بين الشريعة الحكيمة والعرف الذي تراعيه، ولا ترفضه إن لم يكن مخالفًا لها.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [سورة يوسف: 40] فالله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم، وحكمه وأمره واجب اتباعه، وقد أمر الله بعبادته، والعبادة تستلزم الامتثال، أو محاولة الامتثال، فالإنسان قد يضعف ولا يلتزم، ولكنه لا بد أن يُحاول دائمًا أن يمتثل، وهذا الامتثال هو الذي يجعلنا أكثر انقيادًا لقبول الحق، فالحق قد يُخالف هوى النفس، إذ أن النفس قد تفسد بسبب ابتعادها عن طريق الحق، فيصبح هواها مخالفًا لما جاءت به الشريعة، فإذا كانت مسؤولية الامتثال للتكاليف الشرعية حاضرة دائمًا فيها، ستعمل على قبول الحق، وقهر هوى النفس، وتحقيق مراد الله سبحانه وتعالى.

وإن رَفضَ الحق لأنه قُدم بصورة فيها نوع من الخلل ما هو إلا من هوى النفس، ولا يُتعذر لهذا الرفض بأنه ناشئ عن الأسلوب الذي صُور به الحق، أو الممارسات الخاطئة التي احتجت به، أو الظلم الذي وقع على المرأة ونُسب إليه زورًا وبهتانًا، فإن هذا وسوسةٌ من الشيطان، بل الواجب هو العمل على رفض الانتهاكات والممارسات الظالمة، والعودة إلى الحق وتصحيح صورته، والدفاع عنها، والتأكيد على أن الحق يُستمد من مرجعيتنا التشريعية، ولا يُستمد من أفعال أحد، مهما كان مسمّاه ووظيفته.

ويلزمنا الابتعاد عن الحديث عن المركزيات، مركزية الأدوار، هل هي للرجل، أم للمرأة، أم لكليهما؟ إذ أن في هذا الحديث كما ذكرت سابقًا استيراد لمشاكل لا يُفترض أن تُوجد لدينا، فليس لنا في شريعتنا تفضيل لأحد على أحد إلا بالتقوى كما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا ‌لا ‌فضل ‌لعربي … إلا بالتقوى) وقد وردت لفظة التفضيل في القرآن الكريم عند الحديث عن الرجل والمرأة، في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) [سورة النساء: 34] إلا أنه لا بدّ من تحرير معنى التفضيل المراد من الآية، لمعرفة مراد الله بهذا التفضيل، فلا يُقال أن الرجل فُضّل على المرأة لأن اللفظة ذكرت في الآية بشكل صريح، بل يلزمنا معرفة معناها، وتدبر المعهود القرآني في استعمال لفظة التفضيل لتحديد المعنى المتوافق مع السياق، لأن عادة الشريعة أن لا تُفضل أحداً على أحد بوصف خارج عن اختياره.

وعلينا أن ندرك أن الحديث عن هذه الأمور لا ينفكّ عن استحضار المرجعية التشريعية، ومتى ما حصل الانفكاك ابتعدنا عن الحق وعن مراد الله، لأننا إن لم نجعل أمر الله هو الحاكم علينا، حكّمنا أنفسنا ورغباتنا على الواقع، وبطبيعة الحال فإن كل طرف ستكون له نظرته المختلفة، الميّالة لجانبه، وهذا أمر طبيعي بحسب الطبيعة البشرية، ولذلك نرى أن الحركات النسوية لم تعد تُطالب بالمساواة مع الرجل فقط، بل أصبحت تطمح وتعمل على جعل الأنثى هي مركز الكون لا الإنسان، فإذن لا بد من وجود مرجعية تشريعية عليا، متعالية على كلا الجنسين، تحكم وتقرر في دور كل واحد منهما.

لا بدّ أن ندرك نحن المسلمات، جميع المسلمات، أننا يجب أن لا ندخل في هذه الحساسيات التي نحن في غنى عنها، وذلك لأن مرجعيتنا التشريعية هي الأساس الذي نرتكز عليه لنفهم أدوارنا ونعمل على تطبيقها، إذن فنحن بحاجة لأن نحكّم كل كلام نسمعه لهذه المرجعية، فإن كان ناشئًا عنها ملتزمًا بحدودها قبلناه، وإن كان مخالفًا لها رددناه.

فإذا أردنا أن نعرف دور المرأة رجعنا إلى الشريعة، وإلى من يُبينها لنا بصورتها الصحيحة، وعملنا على امتثال التكليف الذي أمرنا الله به، ورددنا عنه كل خطأ يمسّه، ونبذنا الحساسية التي صُدّرت لنا، وهي ليست من شرعنا في شيء، فالأدوار عندنا تكاملية، والمقصد هو تحقيق الاستخلاف وإقامة القسط على أكمل وجه كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك في قوله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [سورة الحديد: 25]، وهذه الحساسيات التي لا معنى لها هي عوائق في طريق القيام بالقسط، وسواء كانت نشأتها عفوية أو أنها أدلجت مقصودة، فلا بد لنا أن نفهم ونعي أنها تخدم الشيطان، ولا تخدم الحق، ولنتبعد عنها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، قاصدين بذلك وجه الله أولًا، وطلبًا لمصلحة مجتمعنا الذي لا يقوم أمره إن كان فيه مثل هذه الأمراض.
فاطمة محمد منباز – سوريا 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى