الحداثة وموقف الفكر الإسلامي منها -محمد عمارة أنموذجاً-

الحداثة وموقف الفكر الإسلامي منها “محمد عمارة أنموذجاً”

معنى الحداثة

 الحداثة لغة مأخوذة من الحديث أي نقيض القُدْمة، وقدامة الشيء أي مضى على وجوده زمن طويل، والحديث من مادة حَدَثَ الشيء يحدث حدوثاً وحداثة، وأحدثه هو، فهو مُحْدث وحديث، وكذلك استحدثه، والحداثة من الأمر أوله وابتداؤه، ويقابلها في المعنى القدامة، ونقول عن الشيء هو قديم، أو هو حديث ().

ثانياً: الحداثة اصطلاحاً 

    الحداثة مصطلح متعدّد ومتباين في الرؤى والتحليلات، فلكلٍ من المفكّر والمؤرّخ والفيلسوف وعالم الاجتماع والأديب وعلماء النفس وعلماء الطبيعة موقف خاص ومفهوم للحداثة مغاير للآخر()، ومنهم من يحدّد تعريفها حسب ظهورها في عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر الميلادي والقرون التي تلتها، والبعض الآخر يحدّد حقبة زمنية تتمثّل بسنة 1910م باعتبارها تاريخاً لبداية الهويّة الثقافية الواضحة المعالم والشخصيّة الإنسانية في ظلّ الحداثة ().

   والبعض الآخر يرى عدم تحديدها بحقبة تاريخيّة معينة، لأنّ المفكّر والفيلسوف لا ينظر بالدرجة الأولى للحداثة من الزاوية التاريخيّة، ما يهمّه هو طريقة التفكير وأسلوب الاستدلال الذي يسود أزمنةً بعينها نقول عنها أنّها حداثية أو ما قبل الحداثية، يعني المعيار لا يكون تاريخياً بقدر ما يكون خاصيةً فكريّةً لذلك تمّ اعتبار العقلانيّة هي العملية المؤسّسة للحداثة().

  وللإحاطة بمصطلح الحداثة فسوف نتناول أبرز التعريفات الاصطلاحيّة التي تدلّ على هذا المفهوم، وينبغي أن يُنظر إلى مصطلح الحداثة باعتباره مفهوماً ومصطلحاً نُقل إلينا مُعرَّباً عن اللغة الإنجليزية، لذا فإنّ حقيقة معنى الحداثة تتوضّح من تتّبع الكلمة في اللغات التي أنتجتها وعبّرت بها ابتداءً واستخدمتها في وصف معنى تقصده، لذا سنعرّج على توضيح معناها من خلال تتبّع ترجمة كلمة الحداثة وما يقابلها من معنى في اللغة العربية، فضلاً عن توضيح ما قصده بعض المفكّرين الغربييّن من كلمة الحداثة.

جاءت كلمة (modern)بمعنى عصريّ وحديث، وكلمةmodernity)) بمعنى العصريّة والتمدّن، أمّا ((Modernism فتعني مجاراة العصر الحديث والأفكار العصرية، أمّا كلمة(modernization) فهي  بمعنى مدّنَ، أي جَعَل الشيء يواكب روح العصر ومقتضياته()، تُطلق كلمة(Modernity) وتعني المُعاصَرة والعصريّة وهي إحداث تغيّر وتجديد في المفاهيم السائدة والمتراكمة عبر الأجيال نتيجة تغيير اجتماعيّ أو فكريّ أحدثه اختلاف الزمن.

و ال(Modernism) تعني أيضاً الحداثة وهو مذهب أدبي أو نظرية فكرية تدعو إلى التمرّد على الواقع والانقلاب على القديم الموروث بكل جوانبه ومجالاته ().

والحداثة في الفكر الغربي تُعرف بأنها مصطلح عام وشامل لنواحي الحياة الغربيّة منذ عصر النهضة، ويشمل الترشيد الاقتصادي والديمقراطية السياسية والعقلانية والتنظيم الاجتماعي()، وهو مدلول أطلق على المجتمعات الغربية المتميزة بملامح التقدم والتطور والمنفتح على ثقافات متنوعة().

وهو ما يقارب التعريف بالحداثة كمفهوم مستعمل للدلالة على المميزات المشتركة بين البلدان الأكثر تقدماً في مجال النموّ التقنيّ والسياسي والاقتصادي والاجتماعي().

والحداثة كنتيجة لنشاط العقل البشري في مجالات الحياة المختلفة هي انتشار لمنتجات النشاط العقلي: العلمية والتقنية والإدارية، فهي تتضمّن عملية التمييز المتنامي لعديد من قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحياة العائلية، والدين والفن على وجه الخصوص، لأنّ أداة العقلانية تمارس عملها داخل النشاط نفسه ()، ومن المفكّرين من قدّم وصفاً موجَزاً اختصر فيه السابق بقوله الحداثة: هي العَقْلَنة().

ويحدّدها البعض بمفهوم دينيّ بعيد عن الدلالات الماديّة متجاوزاً ذلك قضيّة الإيمان والاعتقاد؛ الإيمان بالأفكار الحديثة المعاصرة والتنكّر للعقائد القديمة، فيعرف الحداثة بأنها منهج تغييري ومذهب انقلابيّ في المفاهيم والأفكار يختفي تحت شعارَي التطور والتقدم، ويقبع أحياناً تحت ستار الأدب والفن، والإيمان الراسخ بالتطور الفكري والاجتماعي، والتنكّر للعقائد والأفكار والتقاليد القديمة من أجل الإتيان بواقع فكري وأخلاقي واجتماعي أفضل، ونظم وقوانين متقدّمة مناسبة للعصر الحديث ()، كما وصف البعض الحداثة أنها قطع الصلة بالتراث ()، والبعض قال عنها هي صيغة نقيض بوصفها العقل الذي هو نقيض النقل ().

ويعرّف الفكر الغربي الحداثة بأنها تعني: ” تجسّد صورة نسق اجتماعيّ متكامل وملامح نسق صناعيّ منظّم وآمن، وكلاهما يقوم على أساس العقلانيّة في مختلف المستويات والاتجاهات ().

وهناك من يعرّف الحداثة بأنها مرتبطة تماماً بفكر حركة الاستنارة() الذي ينطلق من فكرة أنّ الإنسان هو مركز الكون وسيّده، وأنّه لا يحتاج إلاّ إلى عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح وفي هذا الإطار يصبح العلم هو أساس الفكر، ومصدر المعنى والقيمة، والتقنية هي الآليّة الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته، والعقل هو الآليّة الوحيدة للوصول إلى المعرفة ().

يتّضح أن الحداثة هو مصطلحٌ يرتبط بثقافة عصر التنوير الأُوروبيّ المبنيّة على العقلانيّة وإلغاء الوصاية على العقل والانقطاع عن الموروث حتى لو كان ديناً ووحياً، والانفصال عن القديم والانقطاع عن الماضي، ولها تعاريف أخرى بمعنى التجديد والتحديث والانقطاع عن الماضي في مجالات الصناعة والتقنية والاجتماع والأدب والفن.

   موقف محمد عمارة من مفهوم الحداثة ودعاتها في العالم العربي:

       تعامل التيار الحداثي مع القرآن الكريم والسنة النبوية بنفس المنهجيّة التي تعامل بها العقل الغربي مع المرجعية الدينية إلا أن الحداثيين ليسوا على نسق فكري واحد من حيث الطروحات، وقد انتهج الحداثيون مع القرآن الكريم منهجاً غربِيَّ النشأة والاستخدام ألاَ وهو مبدأ التحرّر من سلطة النص، ويتضمّن هذا المصطلح طروحات عدة، منها دعوى أن النص القرآني نصاً غير مكتمل، وبعضهم يدّعي أنّ النصّ القرآني جزءٌ من التراث الإسلامي البشري بقولهم أن القرآن إلهي المصدر بشري التشكيل، ومنهم من يطعن في لغة القرآن الكريم ().  

أولاً: الحداثة في رؤية محمد عمارة

لقد كان محمد عمارة من الذين نقدوا هذا التيار من خلال كتبه وبحوثه ومقالاته، كما فصّل في نقده لبعض الكتّاب والمفكّرين، في مثل كتاب (ردّ افتراءات الجابري على القرآن الكريم)()، وكتاب (التأويل العبثي للوحي والدين والنبوة)()، وكتاب (خطر النزعة التاريخيّة على ثوابت الإسلام)().

اهتمَّ محمد عمارة بإشكالية الحداثة والتراث والتجديد والاجتهاد نقداً وتحليلاً وتنظيراً في أعماله وسلكت أغلب أعماله توجّهاً مضادّاً للحداثة بالمفهوم الغربي، وقد دخل في سجالات فكرية مع بعض أقطاب الفكر العربي الداعين إلى تبنّي الفكر الغربي.

     سمّى محمد عمارة التيّار الذي ينطلق من المرجعية الفلسفية للحضارة الغربية، تيّار التغريب والحداثة الغربية، وينطلق هذا التيار معتمداً مناهج النظر الوضعية العلمانية وأحياناً المناهج المادية، فتنظر هذه المناهج إلى الدين وحقائقه وعوالمه وعلومه ومعارفه باعتباره فكراً غير علمي، وتعدّ هذه المناهج الدّينَ بأنه يمثّل مرحلةً من مراحل تطوّر العقل الإنساني، وهي مرحلة طفولة هذا العقل، التي تلتها ونسختها مرحلة ما وراء الطبيعة، وتلتها ونسختها المرحلة الوضعيّة، التي جعلت الكون الماديّ والواقع الدنيوي فقط هو مصدر المعرفة الحقّة والعلم الحقيقي، كما جعلت العقل والتجربة -وحدهما دون النقل والوجدان- الطرق المعتمدة والمأمونة لتحصيل المعرفة، فكانت القطيعة المعرفيّة مع الموروث، وبالذات الموروث الديني().

       وبعبارة مختصَرة يعرّف محمد عمارة الحداثة بقوله: “الحداثة بالمعنى الغربيّ هي قطيعة معرفيّة مع الموروث، وبالتالي لا علاقة لنا بها بل هي نقيض للتجديد”().

لعلّ السّياق الذي تبلور فيه مفهوم الحداثة الغربي، هو الذي جعل منها مفهوماً غير مستساغ لدى محمد عمارة، والذي لم يتوانَ في انتقاد الطبيعة الجهريّة اللادينية للحداثة الغربية، التي أحلّت مقولة: العلم دين البشرية بدل من المقدس أو الوحي السماوي، ولا سلطان للعقل سوى العقل، أما الحرية فلا سقف يحكمها، ويعبّر محمد عمارة عن هذا الوضع بقوله: “إن الحداثة الغربية هي التي أعلنت أنها قد أقامت وتقيم قطيعة معرفية كبرى مع الدين، وأنها إذا استخدمت مصطلحات القاموس الديني فإنها تجرّد هذه المصطلحات وتُفرّغها من مضامينها الدينية والإيمانية، وذلك بتأويل الدين لأنْسَنَته، وتحويله إلى نسق فكري إنساني لا علاقة له بالغيب والسماء”().

يرفض محمد عمارة مفهوم الحداثة القائم على القطيعة مع الموروث وتبنّي العقل الإنساني كبديل عن الوحي، ويعتبر أنّ هناك إشكالية وتناقض إذ أنّ الحداثة الغربية لم ترفض كل موروثها كما يدّعي الحداثيون العرب، بل إنها استثنت الموروث الأرسطي والفلسفة اليونانية من هذه القطيعة، كما أنّ موقف الحداثة والحداثيين من التراث فضلاً عن الخلاف في المرجعية الفكرية في هذا الكون هل تكون لله؟ حسب المفهوم الديني أم تعود للعقل الإنساني؟، هل يكون المرجع لنصوص الوحي لوحدها أم للعقل لوحده؟ أم لكليهما؟.

     العقلانية التي يدعو إليها محمد عمارة ليست العقلانية المنفلتة من حدود الشريعة على طريقة فلاسفة الأنوار، وإنّما هي العقلانية التي تتحرك داخل إطار النص الديني، حتى أسماها العقلانية المؤمنة، يقول محمد عمارة في هذا المجال: “إن للتجديد الإسلامي منهاجاً في سبل المعرفة، يجعلها أربع هدايات، وليست فقط كما هو حالها في التنوير الغربي اثنتان العقل والتجريب…لذلك آخى ويؤاخي التجديد الإسلامي بين العقل والنقل، بين الحكمة والشريعة، بل لقد رفض المقابلة بين العقل والنقل لأن المقابل للعقل هو الجنون وليس النقل، من هنا كانت الاستنارة تقرأ النقل بالعقل، وتحكم العقل بالنقل”().

ينقل محمد عمارة على لسان أنصار الحداثة ودُعاتها بأنّ مقصد الحداثة وغايتها لديهم هو إحلال نظام الطبيعة بدلاً من نظام النعمة الإلهية، وإحلال هيمنة العقل بدلاً من مملكة الله وجعل الإنسان وحده المقياس للإنسان() أو كما وصَفَها أحدُ دعاتها أنها ” القول بمرجعيّة العقل وحاكميّته وإحلال سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة مكان إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون”()

يوضّح محمد عمارة كيف أن مفهوم الحداثة وعلم التأويل الغربي (الهيرمينوطيقا)() والمناهج الوضعيّة العلمانيّة الغربيّة منذ عصر التنوير الأوربي في القرن الثامن عشر الميلادي تسعى إلى “أنسَنَة”() الدّين بإحلال الإنسان محلّ الله ، وإحلال القارئ محل الوحيّ، وجعل الوحي – في النص الديني– هو ما توحيه القراءة الذاتيّة للقارئ، وما توحيه كينونة عالم القارئ إلى النص –بدلاً من العكس- كما سعت هذه الهيرمينوطيقا إلى عزل القيم والأخلاق والأحكام الدينية عن مصدرها الإلهي (اللاهوت)، وإقامة قطيعة معرفيّة كبرى مع الموروث، والموروث الديني على وجه الخصوص، وبذلك أحلّت الدّين الطبيعي محل الدين الإلهي، بعد أن جعلت الإنسان طبيعياً وليس ذلك الربانيّ الذي نفخ الله  فيه من روحه()

      كما يؤكّد محمد عمارة أنّ تيار الحداثة نجح في جعل المرجعيّة الوضعيّة الغربيّة تُزاحم المرجعيّة الإسلامية، وأنّ هناك أسباباً عدة لهذا الأمر منها تبنّي نفر من المتغرّبين الذين يصفهم محمد عمارة “الذين ضُربت عقولهم وصِيغتْ رؤاهم وفلسفاتهم وفق المناهج الوضعيّة الغربيّة، ومن هذه المرجعيّة الوافدة، فبشّروا بالمقولات والرؤى الحداثيّة الذين قلّدوا سلفهم الغربي من فلاسفة التنوير الغربيّ متحدّين ثوابت الأمة، وخارجين على نسقها الإيماني، بإقامة القطيعة المعرفيّة مع ثوابت الإسلام” ().

وُيرجِع محمد عمارة تعامل تيّار الحداثة مع مصادر الفكر الإسلامي وفق منطلقات غربيّة، إلى استخدامهم لمباحث التأويل الغربيّ المسمّى الهيرمينوطيقا، كما شبّه عملهم هذا بعمل الفِرق الباطنيّة القديمة في تأويل النصوص.

     ويذكر في موضع آخر أنّ دعاة الحداثة الغربية، ممّن يتبنّون نظرية “موت المؤلف()” و”أنسَنَة” الدين والقرآن الكريم والوحي والنبوّة، قد انطلقوا إلى ألوان من التأويل الماديّ للوحي والنبوّة والدين بلغتْ في الغلوّ والغرابة والشذوذ الحدّ الذي نافستْ فيه التأويلات الباطنيّة () القديمة().

    وعلى الرغم من أنّ المادية تمثل نقيض الباطنية لكن يرى محمد عمارة أن هناك تشابهاً بين النزعة المادية والباطنية في تناول النصوص الدينية، فالمادية تفرّغ النص الديني من حقيقته الروحية، والباطنية تفرّغ النص الديني من حقيقته اللفظية وتغرقه في الغلو بالـتأويلات الروحية الباطنية، وفي الحالتين يتمّ تفريغ النصّ الديني من المعاني الوسطية الجامعة للمنقول والمعقول، للحقيقة والمجاز، ويؤكّد محمد عمارة أن الحضارة الغربية قد عرفت مباحث التأويل منذ حضارة اليونان التي يغلب عليها الطابع المادي، والتي عملت على تفريغ ألفاظ النصوص الدينية من روحها، وذلك للتخلّص من قداسة هذه النصوص()

      وقد وصف محمد عمارة فكر التيار الحداثي وجعَل لمدرسته الفكريّة تعريفاً فيقول: “هي مدرسة التأويل لحقائق الدّين، وتحويلها إلى مجازات غير مضبوطةٍ بقواعد التأويل العربيّ والإسلامي، حتى ليفرغ هذا التأويل الدينَ من حقيقة الدين وثوابته التي تعارفت عليها مختلف الفِرق الإسلامية، باستثناء الباطنيّة في تراثنا القديم.. ومعهم فلاسفة التنوير الوضعي الماديّ العلمانيّ في الفكر الغربيّ”()، ويصف محمد عمارة هذه المدرسة بأنها تجعل لكل ظاهر باطناً، ولكلّ تنزيل تأويلاً، وتنفي وجود أيّة حقائق أو معانٍ ثابتة في النص الديني()، كما وصف محمد عمارة تعامل تيّار الحداثة مع مصادر الفكر الإسلامي بالتأويل العبثيّ()، ووصَفهم في موضع آخر بالدهْريّة واللادينيّة ()، كما ذكر إنّ فعلهم هذا هو انحراف ونوع من أنواع  (الهرطقة)() حسب قوله().

ثانياً: محمد عمارة ودعاة الحداثة الغربية 

يرى محمد عمارة في الحداثة مفهوماً دخيلاً على منظومتنا الفكرية، بل يجد الحداثة مُضلّلة في تعاطيها مع الطبيعة والإنسان والدين والمجتمع، فلابدّ أن يُستعاض عنها بمصطلح آخر يعبّر بشكل أفضل عن منظومتنا القيميّة الحضاريّة، ولا يوجد مصطلح أفضل من التجديد().

انتقد محمد عمارة التيار الحداثي والذي تبنّى المناهج الغربية في فهم النص القرآني، فلقد عمدوا إلى تطبيق منهج التأويل الغربي وأنسَنَة وتاريخيّة النصوص على آيات القرآن الكريم والسنة النبوية، ولم يعتمدوا مناهج علمائنا الأوائل في تفسير القرآن، وأبرز من مثّل هذا التيار: محمد أركون()، وحسن حنفي()، وعبد الكريم سروش()، فضلاً عن محمد عابد الجابري ().

يرى محمد عمارة أن جوهر مشروع محمد أركون هو أنسَنَة الدِّين الإسلامي، أي تحويل الدين إلى فكر إنساني وتفريغ الإسلام من الغيب والعقائد الدينية، ووصف مشروعه الفكري أنه يطبّق على الإسلام ما صنعه التنوير الغربي مع النصرانيّة واليهوديّة عندما تأوَّلوا ما فيهما من دين وحوّلوهما إلى رموز وقوالب لفكر إنساني وفي ذلك قطعية مع الدين، وذكر محمد عمارة أن أركون بدأ مشروعه المسمّى الإسلامي برسالته للدكتوراه فحاول علمنة الثقافة الإسلامية في عصر ازدهارها في القرن الرابع الهجري().

     يقول محمد عمارة: “فالقرآن عند أركون ذو بُنية أسطوريّة متعالية، وهو نصّ خالٍ من الحقيقة…وقابل جميعه للتأويل الذي يحوّله إلى رموز ومجازات، ولقد أجاد علي حرب() في معرض شرح مشروع محمد اركون فقال: (إنه يريد تحقيق السيادة المطلَقة والمنفردة للعقل لتحرير الإنسان من إمبريالية الذات الإلهية)، وهو وصف يدلّ على ما لدى الرجل من سوء في الأدب يوازي ما لديه من التجديف!”()

    أمّا حسن حنفي من وجهة نظر محمد عمارة فهو يدعو إلى تاريخيّة الدين الإسلامي، ويركّز على القطيعة المعرفية مع الإلهيات وعقائدها، فالمهّمة الملحّة عنده هي القطيعة مع الإلهيات وإحلال الإنسانيّات محلّها، أي أنْسَنة كلام الله والدين، وكذلك القطيعة مع عقيدة الوحيّ، بتأليه العقل وإحلاله محلّه().

     ويعتقد محمد عمارة أنّ الخطاب القرآني لا يخضع للتاريخيّة أو التاريخانية، فتكون له وقتيّته المحدّدة التي تُصلح فيه آياته وتتحقّق، إنه خطاب فُصّلت نصوصه كليّات ومقاصد التشريع بينما تفصيلاته أوكلت لأهل الاجتهاد الفقهي تتجدّد تبعاً لمتطلبات العصر ومستجدّاته، إنه بذلك وعاء تشريعيّ قابلة مقاصده وأحكامه للتكييف والتجديد حسب مقتضيات الواقع الحضاري المتجدد والمتغير وبفضل هذه الميزة وخصائص النص الديني والقرآني خاصة، تكون أحكام الشريعة في المعاملات والعبادات والقيم الأخلاقية خارجة عن نطاق وحدود التاريخية وكلها ميزات تطبع مسيرة الفقه الإسلامي وحضارته الإسلامية ().

      وقد فصّل في توضيح معاني التأويل في الفكر الإسلامي، ومعاني التأويل في الفكر الغربي رغم تشابه التسمية إلا أنّ التأويل في الفكر الإسلامي يختلف عن المعنى المقصود في الفكر الغربي ومن تبعهم من التيار الحداثي، وتعجب كيف لهذا التيار أن يحتفي بابن رشد الفقيه الفيلسوف، ولا يتبنّوا رأيه في قضية تأويل النصوص لهذا نجد محمد عمارة ذكر تعريف  ابن رشد للتأويل وشروطه في كتابه (قراءة النصّ الديني بين التأويل الغربي والتأويل الإسلامي)() فضلاً عن ذكره لأقوال علماء الإسلام بمختلف عصورهم، فيقول نقلاً عن ابن رشد: ” معنى التأويل: هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخلّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز، من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عدّدت في تعريف أصناف الكلام المجازي” ().  

      ويخرج محمد عمارة بخلاصة أن للتأويل الصحيح شروطاً: منها أن يكون المعنى الذي حُمل عليه اللفظ المؤوّل معنى محتملاً، وموافقا لمنطق الوضع اللغوي، وموافقاً للمُحكم من آيات القرآن الكريم والمتواتر من السُنّة النبويّة، على أنّ التأويل هو غرض وراء قصد المتكلم، وصرف اللفظ بالتأويل إلى المعنى المرجوح، بدلاً من الظاهر الراجح، مشروط بوجود دليل يجعل هذا المرجوح أغلب على الظنّ من المعنى الظاهر، كما أنّ التأويل يجب أن يبقى محصوراً في نطاق المعاني التي يحتملها اللفظ، فلا يخرج عن دائرة محتملات اللفظ، كما يشترط الأهلية العلمية العالية في من يتصدّى لهذا التأويل().
عمار العلي – العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى