الخيارات المتاحة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر أو خارج الأمم المتحدة

الخيارات المتاحة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر أو خارج الأمم المتحدة

 ترسم الخلافات والتناقضات التي تجري داخل أروقة الأمم المتحدة في كل مرة يتم فيها التجديد لآلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا صورة قاتمة ومحيرة، خاصة في ضوء محاولة بعض الدول وعلى رأسها روسيا والنظام السوري تحويل المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى سلاح حرب ضد المدنيين والمتضررين من العمليات العدائية بهدف إطالة معاناتهم. وعلى الرغم من تأكيد مجلس الأمن الدولي في عدة مناسبات على أن حرمان الضحايا من المساعدات الإنسانية يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، إلا أن التجاذبات السياسية واختلاف المصالح الدولية غالباً ما تنعكس على سلوك بعض أعضاء المجلس من خلال عدم احترامهم للطبيعة الإنسانية لإمدادات الإغاثة ومحاولة تسييسها وتغيير وجهتها والغرض منها.

      أن حقوق الضحايا في المساعدة الإنسانية يجب أن تكون واسعة قدر الإمكان لتحقيق أقصى قدر من الحماية، لذا ينبغي بذل كل جهد ممكن لضمان أن المساعدات المقدمة لا تحابي بشكل مباشر أو غير مباشر أحد أطراف النزاع، وأن تكون حيادية ومتناسبة مع احتياجات المتضررين من حيث النطاق والمدة، والتأكيد على أن المساعدة الإنسانية حق للسكان المدنيين مكفول بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وهذا الحق ليس محل خلاف في الأوساط الدولية. لكن الخلاف يدور في كثير من الأحيان في آليات التنفيذ والإنفاذ لضمان الامتثال للالتزامات الناشئة عن هذا الحق، خاصة مع وجود الكثير من الثغرات القانونية في القانون الدولي الإنساني التقليدي في مجال تنظيم المساعدة الإنسانية خلال النزاعات غير الدولية حيث لا يتضمن هذا القانون على سبيل المثال إلزام الحكومة في النزاع المسلح غير الدولي بالتعاون مع المنظمات الإنسانية وحماية القوافل. الأمر الذي دفع المشرع الدولي إلى محاولة تغطية هذه الثغرات لضمان التزام الدول بالقيام بواجباتها من خلال القانون الدولي لحقوق الإنسان وعدد من أحكام وتقارير محكمة العدل الدولية التي ربطت الحق في الحصول على المساعدة الإنسانية بالحق في الحياة الذي يعتبر أصل الحق في المساعدة الإنسانية والذي يوجب أيضاً على الحكومات اتخاذ إجراءات إيجابية لضمان تزويد السكان المتضررين بالسلع والخدمات الضرورية لبقائهم على قيد الحياة، وفي حالة عدم تمكن الحكومة من القيام بذلك أو فشل جهودها، يتعين عليها السماح للأطراف الثالثة لتوفير إمدادات الإغاثة المطلوبة. 

       وبالرغم من أن المادة الثامنة عشرة من البروتوكول الاضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف والخاص بالنزاعات المسلحة غير الدولية، تنص على ضرورة قيام المنظمات الدولية بدورها في أعمال الغوث والمساعدة الإنسانية، إلا أنها ربطت تنفيذ هذه الأعمال بموافقة الدولة التي يدور النزاع على أراضيها. في حين تضمنت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب الكثير من الأحكام المتعلقة بضرورة السماح بدخول ومرور المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين المحتاجين، وعدم عرقلة دخول هذه المساعدات وتوزيعها ومساعدة المنظمات الإنسانية والعاملين فيها للقيام بعملهم وتوفير الحماية لهم (المواد 23، 30، 54، 59، 110، 111، 142 من اتفاقية جنيف الرابعة). كما تحظر البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف على أطراف النزاع المسلح، سواء كان دولياً أو داخلياً، استخدام التجويع كوسيلة من أساليب الحرب لتحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية. إضافة إلى ذلك تشير الممارسات الدولية الحديثة خاصة بعد الحرب الباردة إلى أن التزام جميع أطراف النزاع بالسماح بالمرور الحر للمساعدات الإنسانية والامتناع عن إعاقة دخولها بات جزءاً من القانون الدولي العرفي، أي أنه ملزم لجميع الدول.

     خلال السنوات الماضية استخدمت روسيا حق النقض/الفيتو نحو 17 مرة لإجهاض مشاريع قرارات يتعلق معظمها بإدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا بدون موافقة حكومة النظام، الأمر الذي أثر على عمل الأمم المتحدة في ادخال هذه المساعدات وإيصالها إلى المحتاجين إليها من خلال تقليص عدد المعابر الحدودية من أربعة معابر إلى معبر واحد وتقليص مدة التفويض إلى ستة أشهر فقط. ومع انتهاء مفعول قرار مجلس الأمن 2642/2022 بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2023، يتوجب على أعضاء المجلس التوصل إلى توافق لتمديد آلية إدخال المساعدات الإنسانية والحفاظ على حياة الملايين من السوريين الذين هم بحاجة ماسة إلى هذه المساعدات. إلا أن روسيا لا تزال تضع مصالحها السياسية فوق الاعتبارات الإنسانية وتصر على أن النظام السوري يجب أن يكون المستفيد الأول من هذه المساعدات وأن تتم عمليات إيصال المساعدات عبر الطرق الداخلية السورية بإشراف سلطات النظام وتخصيص قسم من هذه المساعدات لمشاريع التعافي المبكر في المناطق التي يسيطر عليها خاصة في مجال الكهرباء والمياه والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية، وإلا فإن البديل من وجهة النظر الروسية هو الاغلاق التام لجميع المعابر أمام المساعدات الإنسانية. 

    لقد حول الفيتو الروسي مجلس الأمن ونظام الأمم المتحدة إلى رهينة في يد موسكو، الأمر الذي يتطلب ابتكار بدائل جديدة للحفاظ على النظام الدولي من خلال تفعيل أحد المبادئ الهيكلية للقانون الدولي المعاصر، وهو احترام حقوق الإنسان في مواجهة النهج القانوني المفرط الذي ينطلق من سيادة الدول. وإلا فلن يكون من العدل أو مقبول أخلاقياً أن يبقى هذا النظام مشلولاً أمام انقاذ حياة الملايين من البشر الذين هم بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية. والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي البدائل التي يمكن اللجوء إليها لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا في حال إصرار روسيا على مواقفها المتعنتة واستخدام الفيتو لمنع تمديد الآلية المتبعة منذ عام 2014؟

اعتقد أن هناك خياران رئيسان لا ثالث لهما، الأول وهو الاستمرار في ادخال المساعدات عبر الأمم المتحدة، والثاني هو ابتكار طرق جديدة لإيصال هذه المساعدات خارج نطاق التفويض الذي أقرته قرارات مجلس الأمن طيلة السنوات الماضية، وكل خيار من هذين الخيارين الرئيسيين يتضمن عدة خيارات فرعية سنناقشها بشكل موجر.

أولاً: استمرار ادخال المساعدات عبر الأمم المتحدة وهذا يتطلب التوصل إلى اتفاق بين روسيا وبقية الدول الأعضاء في مجلس الأمن وعلى رأسهم الولايات المتحدة لتمديد الآلية الحالية دون أي تعديل وهو ربما الخيار الأفضل حالياً خاصة في ضوء عدم تصور تقديم روسيا أي تنازلات جديدة لتوسيع هذه الآلية. أما الخيار الآخر فينطوي على مخاطرة كبيرة تتضمن السماح للأمم المتحدة بإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا لكن عبر المعابر التي يسيطر عليها النظام وهو ما تريده روسيا على أن تقوم سلطات النظام بالإشراف على إيصال هذه المساعدات إلى المناطق المحررة في شمالي سوريا عبر الطرق الداخلية السورية. وسيترتب على هذا الخيار مصادرة النظام للملف الإنساني وسيطرته عليه بشكل كامل إضافة إلى سرقة المساعدات وتجييرها لخدمة مصالحه والمقربين منه.

ثانياً: ضرورة ابتكار طرق جديدة لإيصال المساعدات خارج نطاق تفويض مجلس الأمن، لكن ستعترض هذا الخيار الكثير من الصعوبات والتعقيدات القانونية، خاصة وأن الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة لا يمكنها العمل عبر الحدود دون تفويض من مجلس الأمن أو موافقة الدولة المعنية، وهذا يعني أنه في حال إغلاق المعابر أمام المنظمات الإنسانية بسبب انتهاء التفويض الأممي فلن يكون بمقدور هذه المنظمات الدولية العمل وعليها الحصول على موافقة النظام السوري لاستخدام هذه المعابر بالرغم من أنها خارج سيطرته حالياً، كما تحتاج إلى موافقة النظام السوري لإيصال المساعدات إلى السكان في المناطق التي تقع خارج سيطرته الفعلية، أو إيصال هذه المساعدات بشكل سري وهو ما لا تفضله الوكالات التابعة للأمم المتحدة. 

لمواجهة هذه المعضلة والحفاظ على تمتع المساعدات الإنسانية بالصفة القانونية يمكن للأمم المتحدة والدول الراغبة في تقديم مساعدات، إنشاء مراكز لتوزيع المساعدات في دولة ثالثة – تركيا على سبيل المثال- ووضع المساعدات تحت تصرف المنظمات الإنسانية المحلية العامة أو الخاصة حيث تتولى هذه المنظمات نقل المساعدات عبر الحدود وإيصالها إلى المحتاجين بموافقة حكومة النظام السوري أو دون موافقتها، وهذا الإجراء قانوني ولا يرتب أي مسؤولية على الأمم المتحدة، ولا يوجد نص قانوني يمنع المنظمات الإنسانية الخاصة من تقديم الدعم للمحتاجين في الأزمات الإنسانية، لكن اللجوء إلى هذا الخيار يحتاج إلى إرادة سياسية من الدول الفاعلة خاصة الولايات المتحدة.

أخيراً، يمكن من الناحية النظرية اللجوء إلى خيار “الدولة الحامية“، وهي آلية محددة تم إنشاؤها بموجب القانون الدولي الإنساني، كوسيلة فعالة لضمان الحق في المساعدة الإنسانية. تتمثل مهمة “الدولة الحامية” في التعاون مع الأطراف في تنفيذ القانون الدولي الإنساني ومراقبة الامتثال. وهذا يوفر فرصة لتحديد وجود ومدى الاحتياجات الإنسانية وضمان وصول إمدادات الإغاثة إلى وجهتها المقصودة. يمكن أن تلعب الدولة الحامية دور الوساطة بين الأطراف المتنازعة وبين المنظمات الإنسانية والسكان المدنيين. ويمكنها أيضاً استخدام مساعيها الحميدة والتعاون في ضمان المرور الآمن وتوزيع المساعدات الإنسانية وإصدار نداءات للتضامن الدولي مع جهودها لإيصال المساعدات إلى المحتاجين إليها. 

وبالتوازي مع ذلك يجب أن تقوم مؤسسات المعارضة السورية والمنظمات الدولية الأخرى مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان ومفوضية اللاجئين والمقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء وغيرها من الوكالات الإنسانية بالضغط على روسيا والدول الأخرى للامتثال لالتزاماتها في ضمان احترام الحق في المساعدة الإنسانية والسماح بالمرور الحر للقوافل الإغاثية دون تعقيدات الحصول على تراخيص مسبقة والاكتفاء بالتقارير التي ترفعها آلية المراقبة التابعة للأمين العام للأمم المتحدة. 

د. وسام الدين العكلة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى