كأس العالم في قطر... هل كان فرصة للتعريف بالثقافة والهوية؟

كأس العالم في قطر… هل كان فرصة للتعريف بالثقافة والهوية؟

يشكل التلاقي بين طرفين – أفراداً أو جماعاتٍ -الخطوة الأولى في التبادل الثقافي والفكري بينهما، سواءً كان هذا التلاقي بسبب التقارب الجغرافي، أو الهجرات البشرية التي سببتها الحروب، أو الكوارث الكونية، أو حتى الأهداف التجارية والمالية. والكتّاب في الحضارات الإنسانية يذكرون أنّ التقارب الجغرافي بين الحضارات – الذي يقوي من فرص التواصل بين البشر – له أثره الكبير في التبادل الحضاري والتعارف الثقافي، كاللغة والدين وطريقة التدين وأنماط السلوك البشري وطرق الصناعات والتجارات وغيرها…

ولا شك أن فرصة التعارف الثقافي باتت اليوم أيسر من أي وقت مضى؛ “حيث وضعت العولمة العالمَ فيما يشبه الخلاطة الكبيرة، ولا شك أن التواصل بين أطراف الأرض ومن عليها لم يكن في يوم من الأيام كما هو اليوم”. 

وإذا كنا نتكلم عن أثر التلاقي البشري في التعارف والتواصل الإنساني والحضاري؛ فإننا لا زلنا نعيش اليوم أصداء ظاهرة عالمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وهي بطولة كأس العالم لكرة القدم، وهي الرياضة الأكثر شعبية من بين الرياضات، والمونديال الأكثر متابعة في العالم؛ لذلك لم تعد هذه البطولة مجرد رياضة كرة قدم فقط، بل هي فرصة كبيرة للدولة المضيفة على الأقل – ربما لا تتوفر في غيرها من المناسبات – لتوظيفها في التعريف بها ونشر ثقافتها والتعريف بحضارتها، ولإظهار نفسها أمام العالم بأفضل صورة ممكنة، بل هي في الحقيقة “مهرجان ضخم تتنافس فيه السياسات والهويّات والأفكار المختلفة فلا يتعلق بكرة القدم فقط”. وفي مونديال 2022 كانت دولة قطر هي البلد المضيف لهذه الفعالية الكبيرة، وأدركوا أن في ذلك فرصة كبرى لتعريف العالم بقطر، وتغيير الصورة النمطية للعالم تجاه الدول العربية والإسلامية عموماً. لذلك قال أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: “إنها فرصة نُظهر فيها من نحن، ليس فقط على مستوى قوة اقتصادنا ومؤسساتنا، ولكن على مستوى هويتنا الحضارية.” وذكر وزير التنمية الاجتماعية والأسرة القطري: “إن هذا الحدث الكروي العالمي فرصة لطالما انتظرناها عرباً ومسلمين لنعكس للعالم أجمع الوجه الحقيقي لنا، بعيداً عن التشويه والصور النمطية”. وقد رأينا صوراً مشرقة وأمثلة رائعة من قطر حكومة وشعباً في اعتزازهم بهويتهم العربية والإسلامية، وجهودهم الجبارة في تعريف العالم بثقافتهم وحضارتهم بكل فخر واعتزاز؛ فمنعت كل المظاهر التي تدعم الشذوذ الجنسي؛ لأنها تخالف ثقافة البلد السائدة (الثقافة الإسلامية). وكذلك حظرت شرب أو بيع المشروبات الكحولية والخمور داخل ملاعب البطولة لنفس السبب السابق. وهذه خطوة جريئة من قطر مع وجود كل الضغوط الدولية المتزايدة التي تنتقد إقامة البطولة في قطر بحجج وأسباب مختلفة، كعدم أهليتها لإقامة هكذا فعالية عالمية كبرى، أو بحجة مشكلة الطقس، أو مشكلة حقوق العمال المهدورة فيها، أو مشكلة الحريات، وغير ذلك من الأسباب التي ربما يجمعها رابط الاستكبار والنظرة الدونية لدولة عربية وإسلامية صغيرة مثل قطر!

وبالرجوع إلى ذكر جهود قطر في استثمار فرصة مجيء هذا الوفد المليوني إليها، وغيره المليارات عبر الشاشات أذكر بعض الجهود الدعوية لقطر دولة وشعباً، والكلام عن الجانب الدعوي، ليس ابتعاداً عن حديث الهوية الثقافية، فالدين أحد أهم مكونات الثقافة، فهي: “ذلك الجو المصنوع من العقائد والمفاهيم والأفكار والمعتقدات والنظم والتقاليد والاتجاهات…”. 

من يتابع أحداث هذه البطولة وما يحيط بها من مختلف الفعاليات والنشاطات الاجتماعية يجد أن قطر اهتمت بشكل واضح بالجانب الدعوي المتعلق بتعريف الضيوف من غير المسلمين بالإسلام، سواءً من الجانب الحكومي الرسمي المتمثل بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أو بالجانب الشعبي المتمثل بالمؤسسات الدعوية الخاصة، وتجلت تلك الجهود من خلال:

1- معرض تفاعلي إسلامي بتنظيم من وزارة الشؤون الإسلامية، في مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب، يتم من خلاله تعريف الزائرين بالمسجد ومعماره الإسلامي، والتعريف ببعض المساجد التاريخية في قطر، فضلا عن التعريف ببعض جوانب الدين الإسلامي ومبادئه وقيمه.

2- استدعاء دعاة كبار من خارج البلاد لإقامة عدد من المحاضرات والنشاطات الدعوية خلال فترة البطولة، وعلى رأسهم الداعية الهندي الشهير (ذاكر نايك)، مع الملاحظة أني لم أجد تصريحاً رسمياً من الحكومة أن مجيئه كان بدعوة حكومية رسمية، ولكن ذكر ذلك عدد من الإعلاميين، منهم مدير مكتب الجزيرة في الأردن حسن الشوبكي، صرح أن الدوحة دعت ذاكر نايك لإقامة فعاليات دعوية خلال فترة المونديال.

3- من مبادرات مركز عبد الله بن زيد آل محمود، مبادرة رقَمية من خلال إمكانية استخدام رمز الاستجابة السريع (QRCode) للوصول من خلاله إلى مواد دينية مترجمة بعدد من اللغات العالمية، موزعاً في غرف النزلاء في كثير من فنادق الدوحة.

4- إعلان بعض المؤسسات المرموقة إطلاقَ الحملات الدعوية كجامعة قطر التي أطلقت حملة توزيع بطاقات دعوية على الضيوف تضم أحاديث نبوية مكتوبة باللغة الإنكليزية وغيرها تعبر عن القيم والأخلاق الإسلامية.

5- أعلن مركز ضيوف قطر التابع لمؤسسة عيد آل ثاني الخيرية عن جاهزية ألفَي متطوع مستعدين للتعريف بالإسلام ونشره بين ضيوف البلاد وجماهير المونديال.

6- مئات الجداريات في شوارع الدوحة، وآلاف المطبوعات التي توزع في الشوارع والتي تعرف بمبادئ الإسلام وقيمه، مترجمةً إلى عديد من اللغات الأخرى، وكذلك فيها الأحاديث النبوية الجامعة من كلم النبي صلى الله عليه وسلم. وهي من مبادرات مركز عبد الله بن زيد آل محمود التابع لوزارة الأوقاف القطرية. 

إن مثل هكذا حدث عالمي كبير من شأنه أن يشكل الانطباعات الإيجابية ويصحح التصورات الخاطئة لدى الضيف المليونيّ ومليارات المتابعين عبر شاشات عن العرب وحضارتهم الإسلامية، خصوصاً وأن التصورات المغلوطة عن العرب والمسلمين في تزايد لدى كثير من شعوب العالم، بسبب عوامل كثيرة، كترويج بعض الأفكار الخاطئة عن الإسلام، عبرَ كثير من وسائل الإعلام المسيّسة، وعبر بعض الحكومات الكبرى مثل فرنسا بين الحين والآخر، أو بسبب ظهور تنظيمات منحرفة كداعش، أو حدوث هجمات إرهابية كبرى تلصق بشكل أو آخر بظهر الإسلام – أشهرها أحداث سبتمبر/2001 -كل ذلك وغيره شكّل لدى الشعوب صوراً ذهنيةً خاطئةً: “الإسلام والإرهاب” و “الإسلاموفوبيا” “الإسلام والعنف” و “والإسلام والجهل” و “والإسلام وقمع الحريات وهدر حقوق الإنسان” و “الإسلام والتخلّف” و “الإسلام والكراهية” وغير ذلك من التصورات الخاطئة عن الإسلام والمسلمين. بالطبع إن هذا الملتقى الإنساني والتجمع العالمي الذي أقيم في قطر لا يكفي وحده في تصحيح تلك الصور الذهنية المغلوطة حول الإسلام والعرب والمسلمين، ولكنّه ساهم إلى حدّ لا بأس به في ذلك، لا سيما وقد بدا واضحاً أن قطر – دولة وشعباً – قد استثمرت هذه الفرصة استثماراً جيداً كما مرّ.  
أ. محمد بسام عليان

بعض المراجع:

  • الحضارة، د. حسين مؤنس.
  • ثقافة النهضة، د. عبد الكريم بكار.

وبعض مقالات الرأي:

  • مونديال قطر ومحاولة طمس هوية المضيف، ياسين أقطاي، مقال منشور على شبكة الجزيرة نت.
  • كأس العالم في قطر ثقافة وسياسة ثم كرة قدم، رائد الصلاح، مقال منشور على شبكة الجزيرة نت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى