كرة القدم من استضافة الحدث إلى استثماره والمشاركة فيه

كرة القدم من استضافة الحدث إلى استثماره والمشاركة فيه

كلنا نعلم أنّ كرة القدم هي الرّياضة الأكثر شعبيةً وانتشاراً وإدراراً للأرباح على مستوى العالم، فهي رياضة ثقافيّة نهضويّة تعكس تقدم الدول واهتمامها بالبنية التّحتيّة لها، ولهذا من يمسك بزمامها ويديرها سيكون قد حاز منصة إعلامية واقتصادية عابرة للحدود.

هل كان هناك (أسلمة) لمونديال قطر لكرة القدم؟

بداية (مصطلح الأسْلَمَة) ما دلالاته اللغويّة؟ ومن أوّل من استخدمه؟ وما هو الوجه المعتبر فيه؟

الأسْلَمَة: اسم فعل ثلاثي مزيد (أفْعل \ أسْلم) وهي صيغة تفيد التّعدية من حيث اشتقاقات اللغة، أَجْلَسَ أي جعله يجلس، أَذْهب أي جعله يذهب، وأسْلَمَ معناها جعله وألزمه أن يُسلم، فالغرب يفتري  الكذب بهذا المصطلح أنّ المسلم يسعى لتحويل العقل البشري إلى الإسلام عبر القوة لا الإقناع والحوار والمنطق، لذلك كثر استعمالها في كتابات المستشرقين ودراساتهم الغربية كقولهم (أسلمة أوربا أو أسلمة الجامعات)، وهم يريدون بهذا أن المسلم يفرض الدّين فرضاً على الغير، ولا شك أنها دعوى باطلة فالإسلام ليس لُصاقة توضع على صدور المخالفين فيصبحوا بوضعها مسلمين، بل هي حجج وأدلة، إن بُرهن عليها غُرست فيك وإلا فمن المحال أن تأتي قوة وتلزمك بها (لا إكراه في الدين) فالله هاهنا يُخبر بعدم وقوع الإكراه في الدين أصلاً، أمّا عن سبب إيرادها في عنوان المقال فلأشير إلى المعنى الإيجابي لها، وهو تحويل العقل البشري ولفت نظره إلى رؤية صلاح الأشياء في الدنيا والآخرة، ولفت الانتباه هذا يكون عبر الحوار والبرهان، وهذه هي رسالة المسلم، وغايته إظهار الحق لا إجبار الخلق عليه، فهي للدعاء من حيث اللغة لو أردنا الموافقة على لفظها، كقولهم أسْلم أي دعا له أن يهديه الله للإسلام.

هل أسلمة كرة القدم (بالمعنى الإيجابي) للكلمة تعني فرض الشروط الإسلامية على المخالفين!

من خلال ما سبق ظهر لنا أنّ الإسلام قناعات يقبلها العقل فتخضع لها الجوارح، وعليه فلا قيمة ولا أهمية لممارسة شعيرة تمارس بالبطش والإكراه، ويستثنى من ذلك ما فيه ضرر وإخلال بالنظام العام والفطرة السليمة، فمن واجبات السّلطة منعه كما أنها تمنع المخدرات وما فيه إيذاء على حياة الناس، وهذا هو ما جرى في كأس العالم عام 2022 حيث منعت الدولة المسلمة الراعية قطر الترويجَ لشعار الشذوذ والخمر ليس من باب فرض الإسلام وأسلمة هذه المسابقة، بل من باب صيانة ورعاية الفطرة والأمن العام، في حين أن الدولة القطرية لم تفرض اللباس الشرعي ولا الأطعمة المباحة على الوافدين إليها خلال هذه المسابقة لقصور ضررها على أصحابها، ونفهم مما فعلته قطر أنّها دعت المشجعين للتفكير وإعمال العقل أنّ هذه الأشياء مضرة مؤذية لهم وتصطدم مع الفطرة السليمة، إن أحبّوا طبقوها فور عودتهم إلى بلادهم أو عادوا لممارستها، فأين الأسلمة بالمعنى السلبي هنا!؟ وهل حاولت روسيا فرض السّوفيتية في بطولة كأس العالم عام 2018 حين منعت شرب الخمور وإقامة التّجمعات في المدن المستضيفة للمباريات!؟ ولماذا لم توجَّه لها هذه التّهم!؟ لن يكون هنالك إلا جواب واحد، وهو فقد المنطق والصدق لدى هؤلاء المدّعين!؟ 

النتائج والآثار:

– البيئة الآمنة الخالية من المضايقات، ذكرت التايمز البريطانية أنّ حظر الكحول في ملاعب قطر ساعد المشجعات على الاستمتاع بكرة القدم، في بيئة خالية من المتاعب والمشاجرات التي تتسم بها ملاعب كرة القدم في غالب الأوقات، كما نقلت شهادات لمشجعات بريطانيات حضرن المونديال، مطالبتهن في المقابل، باتخاذ التنظيم القطري لمونديال 2022 نموذجاً للبطولات القادمة.

– منع الشغب والاعتداءات، حيث أكد مسؤول كرة القدم في الشرطة البريطانية مارك روبرتس، لشبكة “بي بي سي” أن أحداً من مشجعي إنجلترا وويلز لم يتم إلقاء القبض عليه في قطر، لصعوبة الوصول إلى المشروبات الكحولية.

المشاركة الفاعلة في الفعاليات الترفيهية:

لم يعد باستطاعة أحدنا أن يتحاشى تأثير وسائل الإعلام على جميع مناحي الحياة الدينية والأخلاقية والاقتصادية والثقافية، وخاصة التأثير السلبي على الشباب اليافعين من أبناء أمتنا خلافا للفترة السابقة التي كان بإمكاننا إغلاق بابنا فنكفي أنفسنا شر أهل الأهواء والشبهات والشهوات، وكل ما لا يتم الواجب إلا به في حفظ الكيان الإسلامي على جميع المستويات واجب لا بد منه.

– واقعية الإسلام الدعوية، فديننا لم يأتِ  ليزيد المحسنين إحساناً، وتكون الدعوة و النصيحة حكراً على رواد المسجد فقط، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغل ويحرص على كل سبب يزيد الناس إيماناً بربهم أو يعرّف غير المسلم بالإسلام فنراه يستغل اجتماعات القوم في المواسم والأسواق مثل عكاظ ومجنة وغيرها؛ حيث كانت هذه التجمعات أشبه بوكالة أنباء عالمية تبث الأخبار للناس ثم ينطلق الناس نحو مدنهم في الشمال والجنوب والشّرق والغرب فيتحدثون عن هذا الرجل وما يقوله ويعرضونه على عقولهم، وبماذا يختلف تعريف المشاهدين المشجّعين للمستديرة الخضراء عن تعريف أهل المواسم والأسواق في الماضي؟! بل ومشاهدو اليوم بالمليارات سواء كانوا في أرضية الملعب أوفي الشاشات يشاهدون ويتحدثون عن الثقافة الإسلامية ثم يبحثون عنها ويقرؤون، فيهدي الله من يشاء إلى صراطه، ولهذا السبب لم يكن لمسجد النّبي صلى الله عليه وسلم بابٌ؛ لنفهم أنّ هذا الدين لا يقف عند حدود المسجد، بل يتجاوزه إلى السّوق وإلى مناحي الحياة الأخرى.
– واقعية الإسلام العملية، المسلم مطالب أن يكون رائداً لغيره ونموذجاً مشجعاً ليقتدي به الناس فهو الأول في كل شيء إن كان في العبادة والطّاعات فهو الأول وإن كان في الأمور الدّنيوية التي ينويها لله فهو الأول أيضاً، (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له بذلك أمرت وأنا أول المسلمين)
– منازعة الفاسدين الذين فسدت فطرتهم وغابت عقولهم حيث قد عهدنا في مسابقات سابقة الدعم والمساندة لمروجي الشذوذ والانحراف في رياضات وتجمعات كهذه، فكان من الواجب مجابهة المنكر بالمعروف والباطل بالحق، والمثلية بالمثالية لينظر الناس ويختاروا ما فيه المنطق والخير لهم (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).
–  تحوَّل اللاعبون المشهورون إلى رسل هذا الزمان المطاعين المتبعين من قبل الجمهور في اللّباس والحركات والأفكار، حيث نستذكر معاً وفق ما نشرته قناة الجزيرة هتاف مشجعي ليفربول للمحترف العالمي (محمد صلاح) قائلة (لو سجل المزيد، لكنت المسلم الجديد.. لو جلس بالمسجد، لكان بالمسجد جلوسي) لينعكس تأثير هذا النّجم خارج الملاعب على الجالية المسلمة في بريطانيا مما حد العنصريّة وحجّمها بعد معاناة واضطهاد لهم، وهذا أيضاً الفرنسي (بول بوغبا وإدريس غانا) حيث قام الأول بإبعاد زجاجة الخمر في مؤتمر صحفي، وقام الثاني بإرسال رسالة رافضة للتطبيع مع الشذوذ عبر تغيّبه عن مباراة داعمة لهم، مما عرّضهما لهجوم من صحفيين غربيين  تخوفاً من تأثيرهما على الشباب الغربي حيث أن غالبية الشباب يتخذونهما قدوة لهم، ولن ننسى بالتأكيد (كريستيانو) الذي تسبب بخسارة 4 مليارات دولار لشركة (كوكا كولا)عندما قام بإبعادها لبضع سنتمترات بحركة واحدة، وهذا ميسي الذي بمجرد ارتدائه للبشت العربي حتى سارع الملايين من الغربيين لتقليده وشراء هذا اللباس.
– الجنون المالي والثروات الهائلة التي يحصل عليها اللاعبون والتي تقدر بملايين الدّولارات، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على أحوال الدول والشعوب المسلمة لو كانت من نصيبهم، ونذكر هنا قيام المحترف العالمي (ساديو ماني) نقلاً عن الجزيرة مساهمته بتأسيس وتدعيم قطاع التعليم والصحة في بلدته، إضافة إلى مساهمته في إعالة المئات من المحتاجين.

إنّ كل ما سبق يُوجب علينا تدارك الغياب عن مركزيّة التّأثير في المجال الرّياضي بتنشئة جيل كروي مسلم يمتلك الموهبة العالمية والقيمة الإنسانيّة والأخلاقية، ليكون قدّوة للنّاشئين، وليقف بوجه من يستخدم الرّياضة ليفسد الناس ويروّج للشّذوذ وطمس الفطرة السّليمة، ولا تقل أهمية الرّياضة والاهتمام بها عن بقية المجالات الفنيّة الأخرى (الأفلام والمسلسلات والبرامج الكرتونيّة للأطفال) فهي أيضاً ثغور هامة يستعملها أهل الفساد لغاياتهم يتوجب العمل على صيانتها وملء هذا الفراغ بالثقافة الإسلامية.
محمد حسين حورية – سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى