المشاكل البنيوية في النظام القضائي السوري

المشاكل البنيوية في النظام القضائي السوري

مقدمة

يعاني النظام القضائي السوري من عجز مزمن في أداء وظيفته الرئيسية والتي هي الفصل في الخصومات المرفوعة إليه بالسرعة الكافية، لذلك جرت عدة محاولات لإصلاحه، وقد مرت هذه المحاولات بعدة مراحل خلال العشرين عاماً الماضية، منها تحسين أوضاع القضاة المعاشية من جيوب المتقاضين بفرض طابع اللصيقة القضائية وزيادة قيمته عدة مرات، ومنها إصدار مرسوم تشريعي بتسريح 81 قاضياً “فاسد”، ومنها زيادة أعداد القضاة من خلال مسابقات تعيين المحامين كقضاة، ومنها التعاميم المتتابعة التي تحث القضاة على سرعة فصل الدعاوى، ومنها تعديلات قانون أصول المحاكمات المتتالية.
كل تلك المحاولات بائت بالفشل، أو لم تحظى إلا بنجاح مؤقت، أو جزئي في أحسن الأحوال، ويعود ذلك إلى الاعتقاد السائد أن سبب الأزمة القضائية هو العامل البشري، وأن حل المشاكل المتعقلة بهذا العامل سيؤدي تلقائياً إلى حسن سير مرفق القضاء، والحقيقة أن ذلك القول لا يخلو من وجاهة إلا أن الاقتصار عليه فيه تجاهل للجزء الأكبر من الحقيقة، وهي أن النظام القضائي السوري يعاني من مشاكل بنيوية كبيرة تتعلق بالنصوص التي تحكم أدائه، ولذلك لا بد من مناقشة هذه النصوص باعتبارها مشكلة، حتى يتم إنهاء أزمة النظام القضائي السوري، وفي الواقع فإن تعديلات قانون أصول المحاكمات التي جرى أخرها عام 2016 تمثل اعترافاً بوجود مشكلة في بنية النظام القضائي السوري، وقدمت محاولة بسيطة لإصلاح هذه البنية، لكن اقتصرت على تعديل مواد قليلة في إجراءات التبليغ، ومهل الحضور، وإلغاء رد الدعوى لعدم الاختصاص، سواء أكان قيمياً، أو نوعياً، أو وظيفياً، واستبداله بإحالة الدعوى للمحكمة المختصة.
يعود عدم طرح وجود مشاكل بنيوية في النظام القضائي السوري إلى عدة أسباب، منها ما يتعلق بعوامل نفسية لدى المشتغلين بالقضاء من محامين وقضاة، حيث يسود الاعتقاد بأن النصوص القانونية التي تنظيم عمل القضاء هي نصوص مثالية، ولكن الكادر الإداري فاسد، ويجب محاربة الفساد لنصل لتطبيق مثالي للقانون وبذلك تنتهي أزمة النظام القضائي، وعلى هذا الأساس تم تسريح الـ 81 قاضي عام 2005، كما أذكر أنه جرت عام 2004 محاولة لتفعيل نظام تبادل اللوائح في الدعاوى المدنية، لكن فشلت فشلاً ذريعاً، وأربكت سير المحاكم قبل إلغائها، وأذكر أن الأحاديث التي دارت وقتها كانت حول الثناء على القانون، وإسناد الفشل للكادر الإداري في المحاكم.
وأيضاً من الاسباب التي تمنع من مناقشة بنية القضاء ارتباط هذه البنية بحالة العولمة التي بدأت مع مطلع الألفية الجديدة تدخل إلى داخل المؤسسات الإدارية لدول العالم ومنها القضاء، لتنظمها على شكل واحد تقريباً، فنجد أن وجود محاكم مختصة بالقضايا العمالية، أو التجارية، أو المصرفية، هو سمة موجودة في كل دول العالم رغم أنها في كثير من الأحيان غير ضرورية، بل حتى إن تشكيل هذه المحاكم أصبح متشابهاً، مثلاً، تتألف المحاكم العمالية في معظم دول العالم من قاضي، وممثل عن العمال، وممثل عن أصحاب العمل، وتم إدخال هذا التشكيل للقانون السوري عام 2010 بدون سبب، حيث كانت محاكم الصلح تفصل في الدعاوى العمالية بشكل جيد وسريع، لذلك يمكن إرجاع تغير تشكيل هذه المحكمة في سورية، بمقررات المؤتمرات الدولية التي تسعى لتوحيد شكل المؤسسات في دول العالم، وبالتالي تصبح مناقشة بنية النظام القضائي مرتبطة جزئياً بمقتضيات حالة العولمة.
وأخيراً هناك أسباب تتعلق بعدم قدرة الكادر الإداري والقضائي على استيعاب التعديلات البنيوية الكبيرة بشكل سريع، وبدون إحداث أضرار كبيرة بالعمل القضائي.
ولا بد لنا في هذا السياق من أن نحدد ما هي النصوص التي تشكيل بنية النظام القضائي السوري، وما هو تاريخها، يتشكل النظام القضائي السوري من عدة قوانين أهمها:
1- الدستور السوري.
2- قانون السلطة القضائية.
3- قانون أصول المحاكمات.
4- قانون البينات.
ويرجع أصل هذه القوانين جميعها إلى المنظومة القضائية الغربية، التي بدأت بالتسلل إلى مصر مطلع القرن التاسع عشر، وتدرجت وصولاً لإنشاء المحاكم المختلطة عام 1875، التي وضع قوانين غريبة لها بحكم أن قضاتها أجانب، ومن ثم تمت ترجمة هذه القوانين وإقرارها في المحاكم الأهلية عام 1882، ما أدى لأن يصبح النظام القضائي المصري نظاماً غربياً بالكامل.
بعد استقلال سورية عام 1945 أخذ رجال القانون السوريون على عاتقهم مهمة نقل القوانين المصرية بحذافيرها، فتم نقل قانون البينات عام 1947، والقانون المدني عام 1949، وقانون أصول المحاكمات عام 1953، وقانون السلطة القضائية عام 1961 وغيرهم.
هذه الجذور الأوربية للنظام القضائي السوري منحت المنظومة القانونية التي تحكم الجهاز القضائي حصانة من النقد، فلم يجرؤ أحد على انتقاد نظام قضائي مطبق في فرنسا مثلاً، رغم وضوح فشل هذا النظام في جوانب كثيرة بشكل سافر وجلي لا يحتاج لبيان.
كان هذا المقال مقدمة لسلسلة مقالات لاحقة عن المشاكل البنيوية في النظام القضائي السوري، أنوي فيها مناقشة هذه المشاكل إن شاء الله.

أ. حازم زهور عدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى