أخطاء ومشكلات التفكير

أخطاء ومشكلات التفكير

خلق اللهُ الإنسان في أحسن تقويم، وجعله مكرماً ووهبه عقلاً يستطيع من خلاله التعرف على محيطه والتحديات التي تواجهه وكيف يتعامل معها، وفي رحلة الإنسان في هذه الحياة يُعمل عقله فيما يواجه من مشكلات ليجد حلولاً مناسبة لها، وهذه العملية (عملية إعمال العقل لحل المشكلات) نسميها تفكيراً، وهذا التفكير ليكون تفكيراً قويماً يحل المشكلات بكفاءة يواجه عدداً من المشكلات سنحاول في هذا المقال أن نتعرف عليها.

تعريف التفكير:

هو استعمال العقل بكل تجهيزاته للانتقال من المعلوم إلى المجهول، بعبارة أخرى: التفكير هو استثمار ما هو معلوم لدينا للوصل إلى ما هو مجهول بالنسبة لنا.

أهم أسباب الخطأ في عملية التفكير:

– نقص الخبرة والمعلومات في الموضوع محل التفكير.
– ارتباطنا في المشكلة أو الموضوع محل التفكير مما يعطي عدم حيادية في التفكير.
– وجود مشكلة في المعلومات التي نملكها حول ماهية المشكلة التي نفكر بها، كأن تكون المعلومات ناقصة أو قديمة لم تواكب ما طرأ على المشكلة من أمور جديدة.
– خضوع التفكير في بعض الأحيان لضغوط داخلية مثل: (الاهواء والرغبات والعاطفة)، أو ضغوط خارجية مثل: (الأعراف والعادات والقوانين).
– العقل البشري قاصر بذاته فمثلاً هو لا يستطيع تحديد الغاية من الخلق (لوحده بدون الاهتداء بالوحي)، ولا يستطيع سن تشريعات تراعي مصالح جميع الناس في كل زمان ومكان.

أبرز المشكلات التي تعترض التفكير القويم:

سنستعرض في هذا المقال خمسة عشر مشكلة من أبرز المشاكل التي تواجه التفكير القويم:

1- مشكلة العجز عن التفصيل:

يمكن تشبيه العقل البشري بجهاز يعمل بشكل عالي الكفاءة بالمفهوم الاقتصادي (موفر للطاقة) فهو يحاول الوصل للنتيجة بأقل جهد ممكن، وهو بهذا يؤدي بنا في كثير من الأحيان إلى التخلص من التفاصيل الكثيرة والتي قد تكون مهمة جدا ويحتفظ بالأمور العامة والخطوط العريضة، مما قد يؤدي لاحقاً خلل نظراً للصورة المختلة التي عن هذه الصورة منزوعة التفاصيل.

2- مشكلة توهم الحياد الكامل:

رؤيتنا للأشياء ومنظورنا للقضايا والمشكلات من حولنا لا يتم بشكل مباشر، وإنما يكون من خلال أغشية من عقائدنا وثقافتنا وخبراتنا، ولذلك فإن هذه الأشياء والمشكلات تتلون أمام عقولنا بألوان ثقافاتنا، وهذا ما يجعل ادعاء الحياد الكامل من قبل البعض ضرباً من الأوهام.

3- مشكلة توهم الارتباط اليقيني بين المدخلات والمخرجات وإهمال السياق:

ونعني بهذا أننا نعالج بعض الأمور على أنها تقع في نظام مغلق مثل معادلات الرياضيات اليقينية ففي الرياضيات 1+ 1= 2، فنحن حين نقع في هذا الخطأ نتوهم أن كل الأمور تخض لنفس هذا المنطق ونهمل تأثير السياق والعوامل الأخرى.

4- مشكلة الجنوح نحو الحل الوسط:

عملية اتخاذ القرار وحل المشكلات تواجه حالة من العجز في كثير من الأحيان، كما أن متخذ القرار قد يخاف من اتخاذ قرار خاطئ عند النظر في البدائل والحلول الموجودة، ولذلك تجد أن كثيراً من الناس يميلون للجنوح نحو الوسط، بمعنى أخذ الخيار الوسط بين عدة خيارات. فليس صحياً أن الحلول المتوسطة هي دائماً حلول جيدة وعادلة. وعند عرض الحلول والبدائل لا بُد من الانتباه إلى أن الحل الوسط بين حلين هو الحل الصحيح فقد يكون الحل الأفضل خارج هذه الحلول جميعها، كما أن الصواب قد يكون في أحد الطرفين وفي كلتا الحالتين يكون ميولنا نحو الحل الوسط خاطئ.

5- مشكلة ضعف حساسية العقل نحو النسبية:

نميل بتفكيرنا لجعل الأمور مطلقة لسهولة التعامل معها أكثر. بينما العلاقة بين الأشياء والأفكار علاقة نسبية متدرجة وعدم رؤية هذا التدرج يبعدنا عمن يخالفنا بدل أن يقربنا.

6- مشكلة توهم الصواب الوحيد:

كثيراً ما نتوهم أن هناك حل واحد لمشكلة ما نواجهها مما يؤدي لعدم رؤية البدائل الأخرى. ولهذه المشكلة أسباب عدة أهمها:
– الجهل بالبدائل الأخرى.
– شهرة الارتباط بين حل ما لمشكلة ما، مما يدفعنا لعدم التفكير بحلول أخرى.
– التوقف عن التفكير بمزيد من الحلول عند أول حل نجده للمشكلة التي نواجهها.

7- مشكلة التشبث بالقديم:

من طبيعة الفكر أنه متجدد، إلا أن تجديد الفكر عمل شاق وعسير فالعقل البشري لا يتخلى بمرونة عن الأفكار القديمة. ولذلك يجب أن نتبه لذلك، فالتعامل مع القديم على أنه مجموعة من المعطيات الجاهزة والصافية يضر بالفكر ويبعده عن الواقع.
وبطبيعة الحال هذه ليست دعوة لنسف كل قديم. إذ يمكن لنا أن نستفيد من القديم إذا جعلناه مادة نُعمِلُ فيها عقلنا نقداً وتعديلاً وتنميةً وتوظيفاً.

8- مشكلة الوثوقية الزائدة:

الثقة بما عندنا من تصورات وأفكار مطلوبة ومهمة لكن يجب ألا تصل لدرجة تحجبنا عن غيرها من التصورات والأفكار والحلول ولدرجة أن تمنعنا من إعادة النظر بما عندنا ومناقشته.
ولعل من أهم أسباب مشكلة الوثوقية الزائدة هو داء حب الانتصار للنفس والظهور بمظهر صاحب الصواب دائماً. ومن أهم الآثار السلبية لمشكلة الوثوقية الزائدة تحويل الظنيات إلى قطعيات والأفكار إلى عقائد لا تقبل الجدل والشك والنقاش.

9- مشكلة التهويل (المبالغة):

التهويل هو الإفراط في ذم أو مدح الأشياء والأشخاص عند الحكم عليهم. وهو نتيجة للخلط بين ثنائيات: (الذات والموضوع – الأنا والآخر – المبدأ والمصلحة). ويعتبر التهويل منتج من منتجات طغيان العاطفة على العقل.
من طرق علاج مرض التهويل استخدام التعبير الكتابي بدلاً من التعبير الشفهي. إذ أن الكتابة تُنمي القدرة على التجريد وتُخفض صوت الانفعالات العواطف وتأثيرها. ونلاحظ ان التهويل يتراجع لدى الشعوب التي تنتشر فيها ثقافة الكتابة.

10- مشكلة التعميم الخاطئ:

يُقصد في التعميم إطلاق أحكام خاصة بعينة محددة على مجتمع بأكمله. واستخدام التعميم مطلوب لأن عقولنا محدودة بينما الحوادث غير محدودة. والكثير من الوقائع التي تحدث لها امتدادات زمانية ومكانية بعيدة عن حواسنا ونحتاج لإصدار أحكام عليها. والتعميم يُستخدم للتعبير عن النتائج العلمية بعد القيام بالتجارب العلمية. ولكن استخدام التعميم على نحو خاطئ من أهم المشكلات الفكرية التي نعاني منها، إذن أن التعميم الخاطئ يؤدي إلى:
– تسويغ الأخطاء بحجة أن جميع الناس يقوم بهذا الخطأ.
– تبرير التصرف المسيء تجاه جماعة أو مجتمع ما بحجة أن جميعهم سيئون.
إذن عند الاضطرار لاستخدام التعميم لا بُدَّ لنا من:
– من اختيار عينة تمثل كامل المجتمع بالمعايير العلمية.
– استخدام ألفاظ أقل تعميماً مثل: غالب – كثير من ……

11- مشكلة التصلب في الأفكار:

القصور الذاتي للعقل البشري يدفعه نحو التصلب ومن أسباب هذا التصلب هو عدم التمييز بين التصلب الممدوح (الحفاظ على الثوابت) والتصلب المذموم والذي يعني عدم المرونة (التعصب للإجراءات أو في الفروع). ومن أهم صفات صاحب الفكر المتصلب:
– شديد الجمود على أفكاره وغير قادر على التخلي عن آرائه حتى لو بدا له خطؤها.
– لغته حدية تميل إلى المغالاة والقطيعة وأفكاره متقادمة وطرحه لا يبدو عقلاني.
– لا يرغب بسماع أفكار الآخرين ويرغب دائما بالتكلم لطرح أفكاره المحددة والمقولبة.

12- مشكلة الانتقائية في التفكير:

صاحب التفكير الانتقائي يهدف إلى تكوين تصور معين حول قضية أو شخصية ما. فيحشد كل ما يخدم هذا التصور في قالب واحد ويأتي به مستبعداً كل ما يخالف تصوره المسبق.

13- مشكلة التفكير التبريري:

العقل البشري يعمل بكفاءة عالية في التبرير والتسويغ. ويكاد أن نقول إنها من أكثر الأمور التي يتقنها العقل البشري بسهولة ويسر. فالإنسان يميل للتهرب من المسؤولية عن التقصير في أداء الواجب أو لأدائه على نحو خاطئ.

14- مشكلة التبسيط:

يميل الكثير من الناس للتفكير البسيط بسبب الاعتماد على الذاكرة دون التدوين وكما أشرنا سابقاً فإن الذاكرة تميل بطبيعتها إلى التبسيط والاختزال.
كما أن التفكير المُبسط يقدم للناس معطيات يقينية ومنهجاً عملياً لمعالجة مشكلاتهم اليومية ويقوم برد هذه المشاكل إلى سبب بسيط دون الحاجة للنظر غيره أو ما وراءه.

15- مشكلة التفكير العجول:

ضغط الواقع يدفعنا في كثير من الأحيان نرغب في الحلول السريعة وعندها نتعامل مع المشكلات على تحو متعجل دون أن تأخذ حقها من التفكير. إذ أن الأناة والتروي مطلب في التفكير ليكون تفكيرا قويماً.

وبهذا نكون قد تعرفنا على أبرز المشكلات التي نقع فيها خلال قيامنا بعملية التفكير في سعينا لحل المشكلات التي تواجهنا وفي تعاطينا مع المعلومات والأحداث من حولنا. وكلي أمل أن يكون القارئ بعد قراءته لهذه المقالة أن يكون قد خطى خطوة نحو التفكير القويم وهذا هو عنوان كتاب للدكتور عبد الكريم بكار استفدت منه في كتابة هذه المقالة وأنصح من أراد التوسع في هذا الموضوع قراءته.
محمد علي كبريته
إسطنبول – 22.11.2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top