الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور

في عصرنا الحالي نشهد تغييرات كثيرة على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وأيضًا على المستوى التكنلوجي. هذه التغييرات لها تأثير مباشر على الحضارات إما صعودًا أو هبوطًا. وإن تحقيق الاستنهاض الحضاري يمثل تحديًا هائلاً يتطلب منا التفكير في الابتكار والجرأة في تحقيق التغيير والتطوير. فهي مسألة تتعلق ببناء مستقبل أفضل واستئناف القيادة الحضارية.  

“الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” هو كتاب صدر عن فكر مستنير وثري. مُلئ بثمار تجربة عشرات السنين من العمل الفكري والحركي في صفوف الحركات الإسلامية للمفكر القدير الدكتور عبد الرزاق مقري

استضافة المفكر السياسي د. عبد الرزاق مقري

وانطلاقًا من أهمية التحاور في هذا الموضوع المهم والمثير للجدل، في زمن كثرت فيه المحاولات للنهوض، متصادمة مع عقبات أكثر. قام مركز مقاربات للتنمية السياسية باستضافة المفكر السياسي والرجل الحركي د. عبد الرزاق مقري، في مقره باسطنبول، ضمن برنامج ديوانه الشهري. ديوان على عزت بيجوفيتش. الديوان الثقافي ذي الأبعاد التحاورية السياسية والمجتمعية، للتحاور في هذا الموضوع وصقل أهم أفكاره.

بدأ الضيف اللقاء بالحديث عن مراحل الاستنهاض الحضاري. وبيّن أن المرحلة الأولى لذلك هي تحديد موقع أمتنا من بين مراحل الاستنهاض الحضاري. حيث ذكر الدكتور مراحل ومسار صنع الحضارات ومراحل سقوطها، ومراحل استئنافها.

فبدأ بالحديث عن مراحل صنع الحضارات، وذكر أن كل الحضارات الكبيرة التي تستمر لقرون، تقوم بفكرة. ولابد لهذه الفكرة أن تكون فكرة دينية، كما كان قيام جميع الحضارات منها الإسلامية والغربية وغيرها. والأفكار تُحمى بعصبة، حتى تترسخ في المجتمع. وتصل بعدها للدولة، بل هي التي تطلب الانتقال للدولة بعد أن تصبح غير قابلة للاقتلاع. وهذه قاعدة مجتمعية، أي أنها بعد أن تنتقل من كونها ظاهرة تنظيمية إلى ظاهرة اجتماعية.  وهذا ما يؤكده أغلب المنظرين في هذا الحقل منهم ابن خلدون وتونبي ومالك بن نبي وغيرهم. 

وأكد المقري، بأن الدولة هي الوحيدة التي تستطيع أن تحمل الفكرة لصنع بها الحضارة المنتجة للمنتجات المادية والفكرية التي تستطيع بها المنافسة في الأسواق العالمية إذا تميزت عن غيرها من المنتجات الحضارية. وفي هذه المرحلة نكون قد عبرنا من النهضة إلى الحضارة.

مراحل السقوط الحضاري

أما مراحل السقوط، كما قدم الضيف، فهي تكون عكسية، فأول ما يسقط هو الحضارة. وقد استشهد الضيف برأي مالك بن بني بأن الحضارة الإسلامية قد بدأت بالسقوط في القرن الخامس عشر، أي قبل سقوط الدولة الإسلامية بحوالي خمسة قرون، أي في بدايات القرن العشرين. وبسقوط الدولة، أصبح السلطان بعيدًا عن القرآن، فسقطت بذلك الفكرة المؤسسة للحضارة الإسلامية، وبعد سقوط الدولة تحول السقوط للمجتمع.

واستشهد الضيف برأي العديد من المفكرين بأن أي مجتمع تخرج منه فكرة تأسيسه الأولى يتم ابتلاعه من قبل حضارة أخرى، وتنعدم فيه فرصة الاستئناف الحضاري. وهذا ما حدث للعديد من الأمم، منها حواضر الأمريكيتين قبل دخول المستعمر الغربي. والحضارة اليابانية بعد سقوطها في الحرب العالمية الثانية حتى صارت تُحسب ضمن التيار الغربي اليوم، وأيضا الحضارة الهندية والحضارة الإسلامية.

أشار المقري إلى أنه قبيل سقوط الدولة العثمانية وبعد سقوطها مباشرة، انطلقت حركات دعوية استطاعت في قرابة قرن تحويل أفكارها إلى مؤسسات ونشرها حول العالم، فيما يسمى بـ “الصحوة الإسلامية”، وكان هدفها هو إرجاع الناس للفكرة المؤسسة الأولى، وقد نجحت بذلك بدرجة كبيرة.

ديوان علي عزت بيجوفيتش
مركز مقاربات للتنمية السياسية

شاهد اللقاءات السابقة من ديوان علي عزت بيجوفيتش عبر قناتنا في يوتيوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top