الدكتور برقاوي لموقع مقاربات: هناك تناقض شديد بين بنية المجتمع وبنية السلطة

الدكتور برقاوي لموقع مقاربات: هناك تناقض شديد بين بنية المجتمع وبنية السلطة

تتسم المنطقة العربية بالتنوع الثقافي على الرغم اشتراكها بتاريخ طويل ولغة واحدة، وفي ضوء التحديات التي تواجهها دول المنطقة بالوقت الحاضر، يُثار السؤال حول كيفية توظيف الفكر الفلسفي في قراءة وفهم واقع مجتمعنا السوري، وتحديداً آفاق تطوره بكل تعقيداته وتحولاته المستمرة.

قامت أ. ميسون محمد بوضع مجموعة من الأسئلة بين يدي الدكتور أحمد برقاوي والتي تساعدنا في فهم الواقع السوري والتحديات التي تواجهه. فكان هذا الحوار:

الواقع السوري

يقول الدكتور أحمد برقاوي في إجابته على سؤالنا الأول:

تزودنا الفلسفة بمفاهيم ضرورية لفضّ العالم المعيش، لاسيما الكشف عما وراء ظاهر السيرورة التاريخية، فمفاهيم فلسفة التاريخ ليست سوى أداة معرفية للكشف عن حقيقة التغير، والاختلاف، والصراع، والتناقض، وما شابه ذلك من أحوال. تأسيسًا على هذه المقدمة، فإن فهم التاريخ السوري المعاصر، والراهن منه بشكل خاص، لا يمكن إطلاقًا أن يتحقق دون مفهوم البنية والتضاد والصراع، بوصفها هذه الأحوال واقعًا داخليًا، هذا من جهة، ودون فهم الأثر الخارجي للقوى الفاعلة عالميًا.

ويضيف الدكتور برقاوي: النقطة المركزية التي يجب الانتباه إليها، هي أن هناك تناقضًا شديدًا بين بنية المجتمع وبنية السلطة في سوريا. فالسلطة تتماهى مع مفهوم الدولة في سوريا، بل إن السلطة تمتلك الدولة، وامتلاكها للدولة يخلق لديها وعيًا بامتلاكها للمجتمع، وهذا يعني نوعًا من احتكار القوة المطلقة للحفاظ على هذا التناقض بين بنية السلطة وبنية المجتمع، بل لقد توسلت السلطة العنف وسيلة لاخضاع المجتمع إلى بنية السلطة في الوقت الذي – يكون الأمر على النحو الطبيعي- إن المجتمع هو الذي ينتج السلطة.

ويوضح برقاوي رؤيته للأمر فيقول: تأسيسًا على ذلك، فإن التناقض بين بنية السلطة وبنية المجتمع قد فجّر المستنقع الذي أنتجته السلطة على امتداد السنين، وبانفجار المستنقع ظهرت كل الأوساخ التاريخية التي أنتجتها السلطة السياسية. ففي الوقت الذي عبّرت فيه التظاهرات عن روح العقل الجمعي السلمي، فإن عنف السلطة قد ولّد العنف المقابل له، والذي امتد لخلق قوى من حيث المبدأ أصولية وشبيهة للنظام، فتحول الصراع من صراع تناقض واختلاف بين بنية السلطة وبين بنية المجتمع إلى صراع بين المتشابهين في أحد أشكاله. وهنا صار لزامًا لقوى خارجية أن تغدو جزءاً من الصراع الداخل وفقًا لمصالحها المتعددة، فكان التدخل الإيراني والروسي و الأمريكي، كلٌ وفقاً لأجندته الخاصة، فانتقلت سوريا إلى حالة متنوعة البنى، و أخذت صيغة المسألة، فبالإمكان أن نتحدث الآن عن المسألة السورية بوصفها شبيهة للمسألة الشرقية، حيث تعقّد الحلّ الداخلي في إطار سلطة حاكمة ولكن لا حول لها ولا قوة، و صار أيّ حل رهنًا بفاعلية دول القرار الخارجي.

نشوء الدويلات في بلاد الشام خلق تشوهًا في الهويات

يرى الدكتور برقاوي في إجابته على سؤالنا الثاني:

إن قيام الدويلات في بلاد الشام، والتي قضت على وحدتها وعلى روابطها العائلية والثقافية والتاريخية وعلى الآمال المشتركة، التي نشأت في عصر النهضة العربية، قد عقّد كثيرًا من الكفاح المشترك لسكانها انطلاقا من وحدتها، ومرور زمن طويل على نشوء الدويلات في بلاد الشام، فإن هذا خلق تشوهًا في الهويات، إذ اختلطت هوية الدويلة مع هوية القبيلة مع هوية الطائفة مع هوية المنطقة، وبالتالي حال ذلك دون انتصار هوية الدولة الناشئة، فلم يعد هناك هوية لبنانية أو هوية سورية أو هوية أردنية. إن الهوية المنتصرة الوحيدة في هذه المنطقة هي الهوية الفلسطينية وآية ذلك الصراع الوطني الفلسطيني مع العنصرية الصهيونية قد ولد الهوية، إن الكفاح الفلسطيني قد أنتج الهوية الفلسطينية، فيما الصورة الحاكمة في الدويلات قد حطّمت الهوية الشامية، من جهة، وخلق الهويات المتناقضة داخل الدويلات ذاتها، سواء كانت تناقضات طائفية أو دينية أو مناطيقية أو قومية حتى، وهذا يعني أن وحدة الكفاح الشامي أمر ربما أصبح بعيد المنال.

الدولة العربية شرط لتحقيق الأمة العربية

في إجابته على سؤالنا الثالث يقول الدكتور برقاوي:

العرب واقعة موضوعية من حيث التاريخ واللغة والوعي بالانتماء، فأن يقول المصري أنا عربي كما يقولها السوري والجزائري، تدلّ على أن الهوية العربية حاضرة إلى جانب الهويات الأخرى، ولكن لا يمكن عزل فكرة الأمة عن الدولة الواحدة، بل إن الدولة شرط أساسي من شروط الوعي بالأمة، فأمة خارج الدولة فاقدة لأهم عنصر من عناصر خلق الانتماء للدولة، و للأمة معًا، فهوية السوري مثلاً عربية، و هوية الأردني عربية، وحتى كلمة العربية نجدها في أسماء الدول، لكن هذه هوية ليست متعيّنة بالدولة الأمة، وبالتالي، إن حلم انتقال العرب من الإثنية إلى الدولة الواحدة أصبح بعيد المنال، إلا في شرط واحد، وهو أن نتنج المجتمعات العربية سُلط تفكر بأشكال من التمازج، ولا تفكر ببقاء السلطة، وهذا يعني ضروروة نشوء الدولة، التي تنتج السلطة، و ليس السلطة التي تمتلك الدولة.

الصراع مع (إسرائيل) ينطلق من الممكن القابل للتحقق

يقول الدكتور برقاوي في إجابته على سؤالنا الأخير:

دون أن نعرّف (إسرائيل) لا نستطيع أن نفهم أي شكل من أشكال الصراع بيننا وبين هذا الكيان. (إسرائيل) بالتعريف كيان عنصري استعماريٌ، احتلاليٌ، إجلائيٌ، أصوليٌ، والصفة الأبرز، بأنه غريب الوجه واليد واللسان، فيما الفلسطيني هو النقيض الواقعي المطلق بوصفه الإبن الشرعي تاريخيًا و لغويًّا و ثقافيًّا واثنيا لفلسطين.

يضيف برقاوي: ف (إسرائيل) اسمٌ مخترعٌ معاصرٌ، بينما فلسطين هو الاسم التاريخي. الآن أشكال الصراع مع (إسرائيل) متعددة: ثقافيًا، سياسًا، وقتاليًا وأشكال الصراع هذه خلقت بدورها أنماط أيديولجية للصراع منها: الحركات الإسلامية على شاكلة حماس والجهاد، ففي الوقت التي تشكل فيه فتح الحركة الوطنية الفلسطينية المتطابقة تماما مع الهوية الفلسطينية دون حمولات دينية أو أيديولوجية، فإن حركة حماس والجهاد لا تفصل بين الهوية الوطنية والهوية الدينية، ولهذا فإنها حتى الآن ليست جزءًا من منظمة التحرير الفلسطينية، التي تشكل الجسم السياسي للهوية الفلسطينية.

ويرى برقاوي: إن كل صراعنا مع (إسرائيل) يجب أن ينطلق من الممكن القابل للتحقق، والذي يخلق الممكن المتحقق إمكانيات أخرى وهكذا، وكل صراع ينتج وقائع، وخاصة وقائع غير متوقعة. من حيث الانتماء الوطني الفلسطيني، لا يمكن لفلسطيني ألا يكون ضد (إسرائيل) في كل أحوالها، ولكنّه في الوقت نفسه يجب أن يفكر بأنجع السبل و الطرق للنضال ضد (إسرائيل)، فطوفان الأقصى بنتائجه المادية الكارثية على غزة، قد خلق ممكنًا جديدًا ألا وهو ممكن الحل السياسي للدولة الفلسطينية.

باختصار، يعد الاستفادة من الفكر الفلسفي والوعي الفكري العربي أداة قوية لفهم وتحليل وتغيير واقعنا السوري. ومن خلال التعاون والتضامن وتعزيز الوحدة بين الشعوب، يمكننا مواجهة التحديات المشتركة والسعي نحو تحقيق التقدم والازدهار.

حاورته: ميسون محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top