أنا… والتطوع

أنا… والتطوع

قد يبدو التطوع والعمل الخيري للوهلة الأولى أمرًا ثانويًا في حياة الفرد، وأننا بالخَيار في أن نجعل للتطوع فَضلَ أوقاتنا أو أفضلها، بل لنا الحرية في ألا نجعل له وقتًا في حياتنا أو في قوائم جداولنا من الأساس!

وهذه النظرة تفشت أكثرَ مع ارتفاع موجة الحداثة التي أورثت المرءَ خصال الفردانية والتمحور حول الذات.

كما تضخم استشراؤها مع تردي أوضاع بلداننا العربية على مستوى الحريات، والسياسة، والاقتصاد، مما جعل المرء منكفئًا على توفير لقمة العيش له ولصغاره، غير آبهٍ -دون وعي منه في كثير من الأحيان- مما يعانيه أفراد مجتمعه، بل أحيانًا لا ينتبه- من كثرة انشغاله – أن جاره يمر بضائقة ما!

وعلى جانب آخر نجدُ أن جُلَّ المسلمين يحملون الخيرية في قلوبهم وحب البذل لغيرهم، حتى وإن غطت هذه الخيرية غشاوة الأنا والفردانية، ودهمتها ظلمة الظروف والأحداث.

ومن هذا المنطلق فإننا نحاول من خلال هذا المقال إجلاء بعض تلك الغشاوة عن صدور المؤمنين، ورفع همة الساعين، وتوجيه الحيارى والمتسائلين، والله نسأل السداد والتوفيق.

من تأمل حال أمتنا هذا الزمان، فإنه سيتلمس ذروة احتياجها للقلوب المخلصة الصادقة، العاملة ابتغاء وجه الله وحده، في كافة مناحي الحياة.

ومن جميل ديننا الحنيف، وشريعتنا السمحاء، أن جعل الله للعمل الخيري عظيم الأجر والثواب مهما تناهى صغره.

وهذا واضح جليٌ في حديث رسول الله صلى الله عليه في أكثر من موطن، حيث قال: (لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْـمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) رواه الترمذي.

وقوله كذلك: (الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) رواه البخاري ومسلم.

هذه أفعال بسيطة لا تحتاج من المرء ثوانٍ معدودة، ومع ذلك فإن لها ثقلًا في ميزان الشرع. فكيف ببذل المال، والجهد، والوقت ابتغاء مرضاة الله وحده؟

وفي الحقيقة فإن الاستفادة الشخصية من الأعمال الخيرية ليست محصورة في الأجر الأُخروي، بل إن لها عائدًا عظيمًا على شخصية المتطوع، ونفسيته، وعقليته؛ بل إنه قد يكون علاجًا لمشاكل نفسية وسلوكية لدى المرء.

وهذا ما نوَّه عنه فضيلة الدكتور عبد الكريم بكار في كتابه “ثقافة العمل الخيري” حيث قال:
(صار من الواضح أن من الممكن استخدام العمل التطوعي في المعالجة النفسية والسلوكية، حيث إنه يساعد على التخفيف من التمحور حول الذات، كما يساعد على التخلص من الاكتئاب والملل والإحساس بالفراغ والشعور بالضآلة).

وهو على حق تمامًا، وقد تلمست ذلك بنفسي في مجال العمل التطوعي، حيث يجعل العمل الخيري والإنساني معنىً لحياة الفرد. وإن من أبرز مشكلات شبابنا في الوقت الآني هو افتقادهم للمعنى في حياتهم، مما يولد عندهم أمراضًا سلوكية ونفسية قد تصل لحد الاكتئاب ومحاولات الانتحار والعياذ بالله.

وقد تحدث عن ذلك د. فيكتور فرانكل، عالم النفس الشهير الذي خاض تجربة السجون النازية، في كتابه “الإنسان يبحث عن معنى” فقال: (لا يوجد شيء في الدنيا يمكن أن يساعد الإنسان بفاعلية على البقاء حتى في أسوأ الظروف مثل معرفته بأن هناك معنى في حياته)

والتطوع ركن أساسي من أركان خلق المعنى في حياة الإنسان عمومًا، وفي حياة المسلم خصوصًا، حيث إن المسلم يعمل ويعلم أنه حتى لو لم يحصّل النفع في الدنيا، فإن هناك فوزًا عظيمًا بانتظاره في الآخرة.

ومع تطور وسائل التواصل حديثًا، فإن الأعمال التطوعية والخيرية تطورت كذلك، بل صارت أسهل وأكثر، حتى إنك من الممكن أن تشارك في عمل تطوعي خيري ينفع أمتك ومجتمعك وأنت جالس في بيتك!

ومن ثم ذُللت عقبات كثيرة أمام الأفراد المشغولين أو الذين لا يمكنهم الخروج من المنزل بكثرة كربات البيوت، والأمهات.

فما عادَ لأحد عذر في ألا يبذل شيئًا من وقته وجهده في رفعة أمته، والنهوض بمجتمعه.

ولعلي في السطور القادمة أُميطُ اللثام عن بعض ما تعلمته من تجربتي في العمل التطوعي الذي تجاوزت مدته الخمس سنوات، آملةً من الله أن يجعل من هذه السطور نبراسًا يُضئُ لكل مسلم راغب في البذل والعطاء.

أولًا: ابحث عن المؤسسات الخيرية الكبيرة والمعروفة في بلدك أو محيطك وحاول الانضمام إليها. لأن المؤسسات الكبيرة ستتيح لك تجارب متنوعة، وستوفر لك خبرات كثيرة ستفيدك حتمًا في حياتك المهنية والاجتماعية.

وكلما كانت المؤسسة أكثر نظامًا ومركزية، وكلما كانت ذات رسالة واضحة ورؤية محددة، سمح لكَ ذلك بالتقدم والتطور، وأنار لكَ دروبًا في التطوع لم تكن ببالك قبلًا.

ولا بأس بعد ذلك في أن تنضم إلى مؤسسة صغيرة أو تُنشؤها بنفسك، لأن خبرتك من المؤسسة الكبيرة ستكون قد تبلورت بما يتيح لكَ تطوير تلك المؤسسة الصغيرة والارتقاء بها إلى مصاف الكبار

ومن فوائد التحاقك بكبريات المؤسسات في بداية رحلتك التطوعية أنها تُعفيك من التشتت المصاحب للبدايات عادةً، فالمؤسسة الكبرى لا يكون بها التشتت وعدم الاستقرار الذي يكون موجودًا في الصغرى عادةً، فليس من الصواب أن تكون أنت والمؤسسة حديثا عهد بالعمل الخيري، لأنه لابد أن يفضي المتطوع بما في جعبته للمؤسسة، أو تثقل المؤسسة مهارات وخبرات المتطوع لتستفيد منه بعد ذلك، وهو ما لا يكون متوفرًا إن كان كلاهما مبتدئا.

ثانيًا: ليكن التطوع والعمل الخيري هو ديدنُ حياتك، ونُسُقَ معيشتك، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، لأنك لا تعلم بأي عمل سيقبلك الله تعالى، فابذر الخير أينما حططت، وانثر العطاء أينما ارتحلت.

فالعطاء إطار للحياة لا جزءٌ منها، وإني لأربأ بكل ساعٍ في طريق الخير أن يكون خيره موجهًا فقط للمؤسسة التي يتطوع فيها، غير مبالٍ بأي مما يحدث في مساحاته الضيقة أو علاقاته القريبة.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من نامَ شبعانًا وجاره جائع”. وقال أيضًا: “خيركم خيركم لأهله”

ثالثًا: أي مهارة تتعلمها، وأي وسيلة تكتسبها تطوع بها أولًا، وستكون بهذا قد ضربت عصفورين بحجر واحد، فنلت أجر التطوع وثوابه، وطورت مهارتك وازددت خبرة ونضجًا وكفاءة، ناهيك عن البركة التي ستُحصلها في حياتك وفي تلك المهارة تحديدًا.

رابعًا: راجع نيتك دائمًا وأبدًا، فهي مناط الثواب والعقاب، ولا عجب في أن الشيطان سيحاول إفسادها عليك دومًا ليظفر بك ويحرمك من ثواب الآخرة، فأفسد أنت عليه مخططه وانتبه لقلبك، واعمل على تصحيح بوصلتك، وترتيب وجهتك.

خامسًا: اصبر وصابر ورابط على ثغرك، وقم بحقه، ولا تتوقع أن الطريق سيكون ممهدًا سهلًا، فهذه دنيا، وإنما يختبر الله صدق قلوبنا وقتما شاء وكيفما شاء، فلا يثبطنك مثبط، ولا يحبطنك سفيه، وتذكر قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين حين قالوا (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا) الإنسان- ٩.

وختامًا؛ تذكر بأنك مسلم، ولكونك مسلماً فإن الله قد أقر لكَ بالخيرية من فوق سبع سماوات، فقال تعالى في سورة آل عمران- ١١٠: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)

هذا العالم بحاجتك حقًا لا مجاملةً، وأنت أولى أهل الأرض بنثر الخير، وبذر العطاء، والوقوف على حاجات الناس جميعا.

فقدّر عِظَمَ ما أنت إليه منتسب، وانفض عنك غبار الوهن والعجز، فإنها أمور ليست لأمثالك، وتتبع آثار عثمانَ وابن عوف وأبا طلحة “رضوان الله عليهم جميعا”، واعمل لتنال مقتضى قوله تعالى “وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم” البقرة- ٢١٥

أ. مريم حسام صالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top