Search

التوغلات الاستراتيجية في سوريا… إسرائيل لا تحارب الحاضر بل المستقبل

أحمد اللبان: صحفي وباحث في الشؤون السياسية الدولية

تكشف التوغلات الإسرائيلية الأخيرة في ريفي درعا والقنيطرة أن ما يجري في الجنوب السوري لا يمكن تفسيره بوصفه حادثاً حدودياً عابراً أو رداً أمنياً محدوداً، بل يبدو جزءاً من قراءة إسرائيلية أوسع للشرق الأوسط الذي يتشكل بعد سنوات طويلة من الحروب. فمنذ سقوط نظام الأسد ودخول سوريا مرحلة إعادة بناء الدولة، لم يعد السؤال بالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي: ماذا تمثل سوريا اليوم؟ بل ماذا يمكن أن تصبح مستقبلًا؟ وهنا تكمن أهمية قراءة التطورات من زاوية المصلحة السورية لا من زاوية ردود الفعل الآنية، لأن الدول التي تبني استراتيجياتها الكبرى لا تتحرك وفق أخطار الحاضر فقط، وإنما وفق الأخطار التي تتوقع ظهورها مستقبلاً.

فالتوغل في قرية عابدين، الواقعة على مسافة تقارب كيلومتراً واحداً من خط فض الاشتباك لعام 1974، يحمل دلالات تتجاوز حدود القرية نفسها: فالمنطقة لا تمثل هدفاً عسكرياً حاسماً بحد ذاتها، لكن توقيت العملية يثير تساؤلات استراتيجية مهمة، خصوصاً أنها جاءت في مرحلة تتقاطع فيها عدة متغيرات إقليمية؛ فالجبهة اللبنانية تشهد تحولات عميقة، والحديث يتزايد عن ترتيبات جديدة قد تغير طبيعة المواجهة شمال إسرائيل، بينما تعمل سوريا على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية بصورة تدريجية، وتؤكد تركيا مراراً أن أمن سوريا جزء من أمنها القومي، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة أكثر انشغالاً بأولوياتها الداخلية والدولية، مع تصاعد النقاش داخلها حول كلفة الانخراط الخارجي، ومحاولة أحد تياراتها بدفع سوريا للعب هذا الدور، عندما تجتمع هذه المتغيرات في لحظة واحدة، يصبح من الطبيعي أن تعيد إسرائيل رسم حساباتها الأمنية قبل أن تتغير البيئة المحيطة بها بصورة يصعب احتواؤها لاحقاً.

ومن هنا يمكن فهم جزء من دوافع السلوك الإسرائيلي، فما تقوم به إسرائيل اليوم لا يرتبط فقط بإدارة الحدود، بل يعكس أربعة عوامل متداخلة، الأول هو فائض القوة العسكرية الذي تمتلكه بعد سنوات من التفوق العملياتي، وهو فائض يدفع الحكومات الإسرائيلية غالباً إلى توسيع هامش المبادرة الميدانية، والثاني يتعلق بالاعتبارات الداخلية، إذ إن استمرار السياسة الأمنية الهجومية يخفف الضغوط السياسية عن الحكومة ويؤجل استحقاقات داخلية معقدة، أما العامل الثالث فيتمثل في قراءة إسرائيل للحظة الإقليمية الحالية باعتبارها فرصة قد لا تتكرر، في ظل إدارة أمريكية منفتحة على دعمها، وضعف عربي نسبي، واستمرار غياب منظومة عربية مركزية قادرة على إنتاج توازن جماعي، أما العامل الرابع فهو طبيعة النظام الدولي نفسه، الذي يمر بمرحلة سيولة غير مسبوقة مع انشغال القوى الكبرى بصراعات متعددة، الأمر الذي يمنح القوى الإقليمية مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أن تتبلور توازنات دولية أكثر استقراراً.

لكن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها سبب التركيز على الجنوب السوري، فالتفسير الأعمق يرتبط بما يمكن تسميته بعامل المستقبل، فإسرائيل لا تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة خرجت للتو من حرب طويلة فحسب، وإنما باعتبارها دولة تمتلك مقومات استعادة قوتها إذا نجحت في إعادة بناء مؤسساتها، فسوريا، بحكم موقعها الجغرافي، وعدد سكانها، واحتياطها البشري، وقدرتها التاريخية على إعادة بناء جيشها، تبقى واحدة من الدول القليلة في المشرق القادرة، إذا استقرت، على إعادة إنتاج توازن إقليمي مختلف، ولذلك فإن أي تحسن تدريجي في قدراتها العسكرية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية يدخل تلقائياً في الحسابات الأمنية الإسرائيلية بعيدة المدى.

ولذلك يبدو لي أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن تل أبيب نادراً ما تنتظر حتى يتحول الخطر إلى واقع قائم، بل تميل تاريخياً إلى العمل وفق مبدأ منع تشكل التهديد قبل اكتماله، فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية بُنيت، منذ قيام كيانها، على تقليص المخاطر الاستراتيجية في مراحلها الأولى، لأن كلفة التعامل مع خصم قوي بعد اكتمال عناصر قوته تكون أعلى بكثير من كلفة احتواء هذا الخصم وهو لا يزال في طور إعادة البناء، ومن هذا المنظور، قد لا يكون الهدف الأساسي من التحركات الأخيرة مواجهة تهديد عسكري سوري قائم، بل التأثير في البيئة التي قد تسمح بظهور هذا التهديد مستقبلاً، فإسرائيل لا تخطط فقط وفق موازين القوة الحالية، بل وفق السيناريوهات التي قد تنشأ إذا استعادت سوريا استقرارها، وأعادت بناء جيشها، ونجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر دائم للنفوذ.

وهنا تبرز فكرة أن إسرائيل لا تخشى سوريا الضعيفة، لأن الدولة المنهكة لا تملك القدرة على تغيير موازين القوى، لكنها قد تنظر بقلق إلى سوريا التي تتحول إلى دولة عقدة؛ أي دولة تجعل طرق التجارة والطاقة والنقل والاستثمار والربط الإقليمي تمر عبرها، وتصبح مصالح دول المنطقة مرتبطة باستقرارها، فالدولة التي تتحول إلى مركز للجغرافيا الاقتصادية والسياسية تمتلك نفوذاً يتجاوز كثيراً حجم قوتها العسكرية، لأنها تصبح جزءاً من معادلة استقرار الإقليم كله، وليس مجرد طرف في صراعاته.

ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام دمشق لا يتمثل في كيفية الرد على كل توغل عسكري، بل في كيفية منع إسرائيل من فرض معادلة استراتيجية جديدة في الجنوب السوري من دون الانجرار إلى مواجهة شاملة تستنزف عملية إعادة بناء الدولة، فالاستنزاف هو بالضبط ما تحتاج سوريا إلى تجنبه خلال هذه المرحلة، لأن أولويتها الكبرى ليست كسب معركة حدودية محدودة، بل كسب معركة بناء الدولة، وكل انحراف عن هذا المسار يمنح خصومها فرصة لتعطيل مشروعها الوطني الجديد.

ولا يعني ذلك القبول بالأمر الواقع أو التسليم بالتوغلات، بل يعني بناء أدوات ردع مختلفة وأكثر استدامة، فالردع في القرن الحادي والعشرين لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنما على مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية والتحالفات والضغط بإدانات الحلفاء أمام المجتمع الدولي، وكلما نجحت سوريا في بناء جيش محترف، واقتصاد متماسك، وشبكة مصالح إقليمية واسعة، ازدادت كلفة أي محاولة لفرض وقائع جديدة على أراضيها.

كما أن دمشق مطالبة بعدم تكرار أخطاء الأنظمة السابقة، عندما تحولت سوريا إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، أو ربطت أمنها الوطني بمحاور خارجية على حساب بناء قوتها الذاتية، فالدور السوري الجديد ينبغي أن ينطلق من مبدأ مختلف تماماً، وهو أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بعدد الجبهات التي تنخرط فيها الدولة، وإنما بعدد الدول التي تصبح مصالحها مرتبطة باستقرارها، وهذا هو الفارق بين دولة المواجهة التقليدية ودولة العقدة الجيوبوليتيكية.

وفي هذا السياق، تبدو الشراكات مع الدول العربية وتركيا ذات أهمية خاصة، ليس لأنها تشكل تحالفاً عسكرياً بالضرورة، بل لأنها قادرة على تحويل سوريا إلى مركز ربط اقتصادي واستثماري ولوجستي بين الخليج وشرق المتوسط وتركيا وأوروبا، وكل مشروع نقل، أو طاقة، أو تجارة، أو استثمار يمر عبر الأراضي السورية، يضيف طبقة جديدة من الردع السياسي، لأن استقرار سوريا يصبح عندئذ مصلحة مشتركة لعدد متزايد من القوى الإقليمية.

أما على المستوى الدولي، فإن على دمشق استثمار الإدانات العربية والدولية للتوغلات الإسرائيلية لتأكيد التزامها بالقانون الدولي، واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مع الاستمرار في بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بحيث تتحول الشرعية الدولية إلى عنصر داعم للموقف السوري، لا مجرد بيانات إدانة موسمية.

ووضع استراتيجية ينبغي أن تتركز الأولوية فيها على تثبيت مؤسسات الدولة، وتسريع إعادة بناء القوات المسلحة وفق عقيدة دفاعية حديثة، وتعزيز القدرات الاستخباراتية والدفاع الجوي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية العربية، وإطلاق مشاريع البنية التحتية التي تعيد ربط سوريا بمحيطها، حتى تصبح سوريا مركزاً إقليمياً للنقل والطاقة والاستثمار، مع جيش أكثر جاهزية، واقتصاد أكثر قدرة على الصمود، وتحالفات أكثر توازناً، لأن النجاح الحقيقي سيكون في انتقال سوريا من دولة تتأثر بتوازنات المشرق إلى دولة تشارك في صناعتها.

وفي النهاية، فإن ما جرى في عابدين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نزاعاً حدوديًا عابرًا، بل بوصفه جزءاً من استراتيجية إسرائيلية على مستقبل المشرق، فإسرائيل لا تحاول فقط إدارة حدودها الحالية، بل تسعى أيضاً إلى التأثير في شكل البيئة الاستراتيجية التي ستنشأ حولها خلال العقد القادم، أما بالنسبة لسوريا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرد على كل حادثة منفردة، بل في منع فرض معادلات دائمة تنتقص من سيادتها، مع الاستمرار في بناء عناصر القوة الشاملة للدولة، إن المعركة الحقيقية ليست على بضعة كيلومترات في الجنوب، بل على وظيفة سوريا في النظام الإقليمي القادم، فإذا نجحت دمشق في التحول إلى دولة عقدة تربط الجغرافيا بالاقتصاد، والمصالح بالأمن، والتحالفات بالتنمية، فإنها ستغيّر ميزان القوة في المشرق من دون أن تخوض حرباً مفتوحة، وعندها ستتضح الحقيقة التي ربما تفسر جانباً من السلوك الإسرائيلي اليوم فحقيقة إسرائيل لا تخشى سوريا الضعيفة، بل تخشى سوريا التي تنجح في استعادة وبناء دورها كعقدة إقليمية فاعلة، فالدول الكبرى لا تتحرك فقط لمواجهة أخطار الحاضر، وإنما لمنع ولادة موازين قوة جديدة قد تقيد حريتها في المستقبل، ومن هنا فإن معركة سوريا الحقيقية ليست معركة حدود، بل معركة بناء دولة تجعل استقرارها ومكانتها مصلحة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top