Search

ما بين المنظِّر السياسي والممارس السياسي

  1. المنظِّر السياسي: مهندس الرؤية وبوصلة القيم

المنظِّر هو الشخص الذي يملك “ترف المسافة”. فهو لا يجلس في غرف المفاوضات المغلقة، بل يجلس في مكتبته؛ ليرى الصورة الكاملة من الأعلى.

وظيفته الأساسية: تفكيك الواقع الحالي، وإعادة تركيب واقع بديل أفضل. وهو الذي يطرح الأسئلة الصعبة: لماذا تطيع الشعوب الحكام؟ ما هي العدالة؟ وكيف نمنع الطغيان؟

أدواته: المفاهيم، والتحليل التاريخي، والفلسفة.

نقطة ضعفه: النقاء والتفكير خارج الواقع. فقد يضع المنظِّر خطة لمدينة فاضلة، لكنه ينسى أحيانًا أن البشر ليسوا ملائكة، وأن التطبيق الحرفي للأفكار المطلقة قد يؤدي أحيانًا إلى كوارث، كما حدث في بعض التطبيقات المتطرفة للأيديولوجيات في القرن العشرين.

  1. الممارس السياسي: فنان الممكن واللاعب على مسرح الأحداث اليومية

الممارس هو الشخص الذي يده في “عجينة الواقع”. فهو رئيس الوزراء، أو النائب في البرلمان، أو الدبلوماسي الذي يستيقظ صباحًا ليجد أمامه أزمة اقتصادية، وتهديدًا عسكريًا، وشعبًا يطالب بحلول فورية.

وظيفته الأساسية: إدارة المصالح المتضاربة، وتحقيق الاستقرار، أو التقدم خطوة بخطوة. والممارس يعرف أن السياسة هي “فن الممكن”، وليست فن “المأمول”.

أدواته: التسوية والمناورة. فالمنظِّر يرى التسوية نوعًا من الخيانة للمبدأ، أما الممارس فيراها الطريقة الوحيدة لمنع السفينة من الغرق. إنه يتعامل مع موازين القوى على الأرض، ويدرك أن نصف انتصار أفضل من هزيمة كاملة من أجل فكرة عظيمة.

نقطة ضعفه: البراغماتية المفرطة (الانتهازية). فإذا ابتعد الممارس عن النظرية، وتجاهل القيم الكبرى، تحول إلى “تاجر مواقف” بلا مبدأ، يبحث فقط عن البقاء في السلطة، وتصبح سياسته بلا روح أو اتجاه.

الجدلية الكبرى: كيف يلتقيان؟

التاريخ السياسي العظيم هو نتاج لقاء ناجح بين هذين القطبين.

معادلة التغيير: المنظِّر يحدد “إلى أين يجب أن نذهب”، والممارس يجد “الطريق الآمن للوصول”.

خلاصة القول: العلاقة بينهما هي علاقة تشنج دائم، وتكامل حتمي. فالمنظِّر يتهم الممارس بالخيانة والتنازل، والممارس يتهم المنظِّر بالعيش في أبراج عاجية لا تفهم ثمن اتخاذ القرار. لكن الحقيقة أنهما وجهان لعملة واحدة تسمى “الحضارة الإنسانية”.

اللافت للنظر أن لدى الشعوب شغفًا عارمًا بالتنظير السياسي والحضاري، ولا يعادله في القوة سوى ذلك العزوف عن المشاركة في النشاط السياسي (الانتماء إلى حزب، والمشاركة في مظاهرة، والتوقيع على بيان احتجاجي، والمشاركة في حضور دورة تثقيف سياسي…).

هذه حالة مرضية بائسة.

أعيذ المسلم الصادق الواعي من التلبس بها.

د. عبد الكريم بكار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top