Search

سورية الجديدة: حين تصبح إدارة الدولة أصعب من إدارة الثورة

أحمد أبو حسن

ليس نجاح الثورات هو لحظة سقوط الأنظمة فحسب، بل هو لحظة انكشافٍ عميق لسؤال الدولة ذاتها: من يحكم؟ وإلى أي شرعيةٍ يستند؟ هو إذن لحظةٌ لإعادة تعريف العلاقة بشكلٍ كاملٍ بين المجتمع والدولة. فالتاريخ السياسي يكشف مفارقة تكاد تتكرر في معظم التجارب الانتقالية ما بعد انتصار الثورات, إذ أنّ سقوط النظام القديم لا يعني حتميّة ولادة نظامٍ سياسيٍّ جديد, فالثورات كثيراً ما تنجح في تقويض وهدم النظام القديم، لكنها لا تنجح بالقدر ذاته في بناء النظام الجديد. فالمسافة بين إسقاط السلطة وبناء الدولة غالباً ما تكون أصعب وأكثر تعقيداً، ومن هنا تحديداً تبرز المفارقة السياسية الكبرى: الشرعية التي تمنحها الثورة هي شرعية مرحليّة, تتولّد من لحظة الاحتجاج وتعبئة الجماهير لتغيير الوضع القائم, لكنها يخفض وميضها مع انتهاء مرحلة الثورة وبداية مرحلة الدولة, لأن الشرعية التي تمنحها الثورة تختلف جذرياً عن الشرعية التي تحتاجها الدولة لكي تستقر. فالأولى مرحليّة ولحظيّة وتعبويّة شعبويّة، أما شرعية الدولة فهي تقوم على الاستمرارية والمأسّسة لقانون والكفاءة والقدرة على إدارة المصالح العامة. ومن هنا تبدو سورية اليوم أمام امتحانٍ يتجاوز معنى الانتقال السياسي التقليدي: كيف يمكن تحويل شرعية الثورة إلى شرعية دولة قادرة على تأسيس دولة مستقرة لا تعيش على ذاكرة الماضي، بل على كفاءة الحاضر؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن الشرعية ليست شعاراً سياسياً أو رصيداً رمزياً أبديّاً، بل علاقة متجددة بين الدولة والمجتمع. حيث ميّز عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين الشرعية الكاريزمية التي تنبع من شخصية القائد أو ظرفية الحدث الاستثنائي، والشرعية العقلانية القانونية التي تستند إلى المؤسسات والقواعد الدستورية, وغالباً ما تنتمي الثورات إلى النمط الأول إذ تستمد مشروعيتها من قدرتها على كسر النظام القائم وفتح أفق جديد للتغيير. غير أن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تستمر بهذا النمط وحده، لأن الكاريزما بطبيعتها مؤقتة ومرتبطة بالأشخاص، بينما تحتاج الدولة إلى شرعية مستقرة تتجاوز الأفراد وتستقر في المؤسسات.
إنّ هذه المعضلة لم تعد في سورية مجرد نقاش نظري في كتب العلوم السياسية، بل أصبحت واقعاً ملموساً منذ سقوط نظام الأسد, فالسلطة الجديدة وجدت نفسها أمام مهمة مزدوجة: إدارة وصون لحظة الانتصار الثوري من جهة، وبناء مؤسسات الدولة من جهة أخرى. وخلال الأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية تم اتخاذ إجراءات تأسيسية كبرى شملت إعادة تشكيل مؤسسات الحكم، وإقرار إعلان دستوري مؤقت، وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطات, غير أن هذه الخطوات على ضرورتها، أعادت طرح سؤال جوهري: هل تكفي شرعية الثورة لإضفاء المشروعية على السلطة الجديدة، أم أن الشرعية الحقيقية لا تكتمل إلا بالمأسّسة والقوننة, حيث تصبح السلطة مقيدة بالقانون وخاضعة للمساءلة وقابلة للتداول؟
إن الاعتقاد بأن الثورة تُنتج الدولة تلقائياً يعد واحداً من أكثر الأوهام السياسية شيوعاً في تجارب الانتقال, فالثورات تُسقط أنظمة الحكم لكنها لا تُنشئ بشكل حتميٍّ مؤسسات الحكم. وبين الموضوعين فارق جوهري إذ يحكم الثورةَ منطقُ التعبئة والاحتجاج، بينما تقوم الدولة على الإدارة والانضباط وتقاسم الصلاحيات وسيادة القانون, ولهذا لم يكن اليوم التالي لسقوط الأنظمة أقل صعوبة من لحظة إسقاطها بل ربما كان أكثر تعقيداً. فالتاريخ يعلمنا أن أصعب اختبار تواجهه القوى الثورية يبدأ عندما تتحول من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، ومن خطاب الاحتجاج إلى مسؤولية الحكم.
وفي الحالة السورية تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيداً بفعل الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الحرب الطويلة. فالدولة لا تخرج فقط من تجربة استبداد سياسي استمر لعقودٍ طويلة, بل أيضاً من عقودٍ من التفكك المؤسسي والانهيار الاقتصادي والانقسامات الاجتماعية وتعدد مراكز القوة, لذلك فإن بناء السلطة الجديدة لا يقتصر على تشكيل حكومة أو تعيين مسؤولين، بل يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه، أي إعادة تأسيس الثقة بين الدولة والمواطن, وهذه الثقة لا تُفرض بالخطابات ولا تُستمد من الذاكرة الثورية وحدها، وإنما تُكتسب تدريجياً من خلال أداء مؤسسي يشعر معه المواطن بأن الدولة أصبحت حامية لحقوقه لا متسلطة عليها.
يميّز علماء السياسة بين ما يسمّونه “شرعية المدخلات” و”شرعية المخرجات” فالأولى تنبع من قبول الجماعة بالطريقة أو الآلية التي أوصلت السلطة إلى الحكم, بينما تنبع وتقاس الثانية بقدرة هذه السلطة على تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين, وقد منحت الثورة السلطة الجديدة شرعية البداية, لكنها وضعتها أمام امتحانٍ صعب فيما يتعلّق بشرعيّة الاستمرار, خاصةً مع تولّيها دولةً منهكة متهالكة, إذن الشرعية ليست حدثاً سياسياً يقع مرة واحدة، بل عملية يومية تتجدد من خلال الكفاءة والشفافية وسيادة القانون, لهذا فإن أي سلطة انتقالية تراهن على أمجاد الماضي أكثر من رهانها على إنجازات الحاضر تخاطر باستنزاف رصيدها الرمزي مع مرور الوقت مهما كان هذا الرصيد كبيراً وحتّى راسخاً في نفوس شعبها.
ولعل أبرز اختبار تواجهه الدولة السورية الجديدة يتمثل في قدرتها على احتكار السلطة الشرعية وإعادة توحيد المجال السياسي والأمني, فوجود قوى عسكرية وإدارات محلية متباينة في أجزاء مختلفة من البلاد يعكس حجم التحدي الذي يواجه مشروع بناء الدولة, حيث قد أظهرت المفاوضات المتعلقة بدمج القوى العسكرية المختلفة_بشكل خاص مع قوات سورية الديمقراطية_ وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية أن الطريق نحو الدولة الموحدة ما يزال مرهوناً بتعقيدات وحساباتٍ داخليّة وحتّى خارجيّة متعدّدة, مع الأخذ بعين الاعتبار أن الركيزة الأساسية في مشرو بناء الدولة هو قدرة هذه الدولة نفسها على بسط القانون على كامل أراضيها وجعل السلاح خاضعاً لمؤسسات وطنية واحدة.
تبرز أيضاً في الحالة السورية معضلة الانتقال من منطق الولاءات الشخصية إلى منطق الولاء للدولة ومؤسساتها, ففي المراحل الانتقالية تميل المجتمعات الخارجة من استبدادٍ طويلٍ وقاسٍ إلى البحث عن رموزٍ ترتبط بزهو انتصارها أو حتى ترتبط بمخاوفها وهواجسها, إلّا أنّ هذا الميل مهما بدا مفهوماً في البداية من الناحية السيسولوجية, لكنّ استمراره سيشكّل عقبة كبرى في مشروع بناء الدولة, كما أنّ الأسوء في الحالة السورية, هو تنوّع هذه الولاءات من التفافٍ وتحزّبٍ حول شيوخ الطوائف أو العشائر والقبائل ووجوه النفوذ المحلي, بما ينتج ولاءاتٍ ضيقة قائمة على العصبيّة أكثر ممّا هي قائمة على الموطنة, وبذلك تتراجع الولاءات الوطنية للدولة ومؤسساتها لصالح ولاءات فرعيّةٍ أضيق, وتصبح بذلك السياسة ساحة لتوازنات هشّة بين جماعاتٍ متنافسة بناءً على عصبية كلٍّ منها, لا إطاراً وعملاً جامعاً للمصلحة العامة.
تؤكد التجارب المشابهة هذه الحقيقة بوضوح, فقد أظهرت التجربة العراقية مخاطر إدارة المرحلة الانتقالية بمنطق الولاءات الضيقة والتعصّب الطائفي والقبليّ، حيث أسهمت سياسات التحزّب وما نتج عنها من سياسيات اقصاءٍ واستبعاد واسعة في تعميق الانقسامات المجتمعية وإضعاف قدرة الدولة على بناء هوية وطنية جامعة,
ومن جهة ثانية, كشفت التجربة العراقية مخاطر إدارة المرحلة الانتقالية بمنطق الإقصاء، حيث أسهمت سياسات الاستبعاد الواسعة في تعميق الانقسامات المجتمعية وإضعاف قدرة الدولة على بناء هوية وطنية جامعة. وهنا ن تقف سورية أمام تحدي بناء الولاء والانتماء الوطني الشامل, واقصاء منطق التبعية والولاءات العصبية الضيقة سواءً أكانت الطائقية أو القبليّة أو المناطقيّة, وبناء مؤسسات تستوعب التنوع الاجتماعي والسياسي دون أن تقع في فخ الهيمنة أو الإقصاء.
أيضاً تعدّ العدالة الانتقالية شرطاً لبناء الشرعية الجديدة لا مجرد مجموعة من الااستحقاقات القانونية. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات لا تستطيع بناء مستقبل مستقر إذا بقي الماضي مفتوحاً من دون معالجة, وقد أتاح سقوط النظام السابق للسوريين للمرة الأولى منذ عقود فتح ملفات المفقودين والمعتقلين والانتهاكات الجماعية بصورة علنية، كما فتح المجال أمام نقاش وطني حول الحقيقة والمساءلة والذاكرة الجماعية, وإنّ نجاح هذا المسار لا يقاس بعدد المحاكمات فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويل العدالة إلى أداة لإعادة تعريف المواطنة وحقوقها الوطنية وإعادة الثقة بالقانون.
وأمّا من جهة الاقتصاد فلا يقل الاقتصاد أهمية عن السياسة في إنتاج الشرعية, فالمواطن لا يقيس نجاح الدولة بعدد الخطب أو البيانات، بل بقدر ما يلمسه في حياته اليومية من أمن وفرص عمل وخدمات واستقرار, وسورية اليوم تواجه واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث, فالبنية التحتية مدمرة، ومستويات الفقر مرتفعة، وكلفة إعادة الإعمار هائلة، فيما يعتمد ملايين السوريين بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية, لهذا فإن الشرعية الجديدة ستقع في اختبارات كثيرة, لكتها سوف تُختبر في محطات الكهرباء أكثر مما ستُختبر في المنابر السياسية، وفي قدرة الدولة على تحسين مستوى المعيشة أكثر مما ستُختبر في الشعارات فالاقتصاد ليس ملفاً منفصلاً عن السياسة، بل هو أحد أهم مصادر الشرعية في الدول الحديثة
ففي حالة مشابهة أظهرت التجربة التونسية أن نجاح الثورة في إسقاط النظام السابق لم يكن كافياً لضمان استقرار النظام الجديد, فكلما تعثرت الإصلاحات الاقتصادية وتراجع الأداء المؤسسي وبشكلٍ خاصٍ الاقتصادي والمعيشي، تآكلت الثقة الشعبية بالمؤسسات المنتخبة, وتآكلت معها شرعية السلطة السياسية.

إنّ بناء الشرعية لم يعد شأناً داخلياً صرفاً, فسورية الجديدة تتحرك في بيئة إقليمية معقدة تتقاطع فيها مصالح دول وقوى متعددة, فيما ما تزال أجزاء من الأراضي السورية خاضعة لتوازنات عسكرية وأمنية مختلفة. غير أن الاعتراف الخارجي مهما كانت أهميته، لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الشرعية الداخلية, فالدول تُعترف بها في المحافل الدولية، لكنها تُبنى أولاً في علاقتها بمواطنيها وكلما استطاعت الدولة إنتاج الثقة داخلياً، ازدادت قدرتها على بناء علاقات خارجية متوازنة ومستقلة.
في نهاية المطاف، لا يبدو السؤال الحقيقي في سورية هو من يملك شرعية الثورة، بل من يستطيع تحويل تلك الشرعية إلى دولة قابلة للحياة.
فالثورة كانت لحظة تاريخية استثنائية وخالدة، إلّا أنّ الدولة فهي مشروع يومي يتجدد مع كل مؤسسة تعمل بكفاءة، وكل قاضٍ يحكم بنزاهة واستقلال وكل قانون يُطبّق على الجميع دون تمييز، وكل مواطن يشعر بأن حقوقه مصونة بحكم المواطنة لا بحكم الولاء. وإذا كانت الثورة قد فتحت الباب أمام إعادة رسم المستقبل، فإن نجاح هذا المستقبل لن يُقاس بقدرة السوريين على استحضار الذاكرة الثورية، بل بقدرتهم على تحويل تلك الذاكرة إلى مؤسسات وقوانين وعدالة وتنمية وعقد اجتماعي جديد. فالدول لا تعيش على أمجاد لحظة التأسيس، وإنما على قدرتها المستمرة على تجديد شرعيتها عبر خدمة المجتمع وصون كرامة مواطنيه, وبين شرعية الثورة وشرعية الدولة تقف سورية اليوم أمام امتحانها التاريخي الأكبر, امتحان الانتقال من لحظة التغيير إلى منظومة الاستقرار، ومن شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top