Search

مسار الاندماج الحتمي: كيف قادت التحولات الميدانية والدولية إلى حل “قسد”؟

أعلن قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، مساء الثلاثاء 25 آب 2026، من قصر الشعب في دمشق، عن حل التشكيل العسكري ومؤسسات “الإدارة الذاتية” بشكل كامل، ودمجها ضمن هياكل ومؤسسات الدولة السورية. لم يكن هذا الإعلان مفاجئاً في سياقه العام، بل جاء كمحصلة لمسار تفاوضي وميداني معقد وطويل، امتد لأكثر من عام ونصف منذ توقيع اتفاق 10 آذار 2025. ويكشف توقيت الإعلان كيف تحولت “قسد” تدريجياً من حليف وظيفي اعتمدت عليه واشنطن في الحرب على تنظيم “داعش”، إلى عبء سياسي تطلّب تفكيكه بالتراضي، بعد استنفاد كامل أوراق المناورة السياسية والميدانية أمام دمشق.

من أجل فهم دوافع هذا القرار، ينبغي أولاً تفكيك طبيعة المعادلة التي أسست لوجود “قسد” منذ تشكيلها؛ فقد بنيت العلاقة مع واشنطن على شكل شراكة وظيفية محددة الهدف، تركزت على دحر “داعش” جغرافياً، من دون أن تتضمن التزاماً أمريكياً بتبني مشروع “الإدارة الذاتية” أو دعم الطموحات الفيدرالية والانفصالية لها. وفي الوقت الذي كان فيه نظام الأسد لا يزال قائماً، وجدت صيغة الشراكة المؤقتة هذه مبرراً للاستمرار واستمرت “قسد” بوصفها فاعلاً محلياً يملأ الفراغ الإداري والعسكري في شمال شرق سوريا. غير أن سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 صاحب معه تغير في الديناميات الإقليمية والدولية بصورة جذرية؛ إذ وجدت واشنطن أمامها سلطة سورية جديدة قادرة على تولي مهام الأمن ومكافحة الإرهاب، دون التكاليف الدبلوماسية المعقدة المرتبطة بدعم فاعل ما دون دولة، ترفض تركيا وجوده أصلاً بسبب ارتباطات أيديولوجية وعضوية بقيادات حزب العمال الكردستاني.

المسار التراكمي: تعثر التفاوض وانسداد منعطفات المناورة

وضع الاتفاق الموقع في 10 آذار 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي الإطار الأولي لانتقال الصلاحيات والدمج المؤسسي، غير أن تعثر  التطبيق لأشهر طويلة بسبب محاولات “قسد” المماطلة والعمل على كسب الوقت، انتظاراً لتغيرات دولية قد تضمن لها الاحتفاظ بمكاسب “الإدارة الذاتية”، وتدعم مطالبها باللامركزية السياسية، ورغبتها بالانضمام ككتلة عسكرية مستقلة داخل وزارة الدفاع. لكن مع نهاية 2025، انقلبت الحسابات عبر سلسلة من المحطات المتسارعة، بدأت بسحب ورقة مكافحة الإرهاب من يد “قسد” بعد انضمام الدولة السورية رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وهو ما شكل تحولاً محورياً جعل دمشق “الشريك الأصلي” المعتمد، وجرّد “قسد” من قيمتها الوظيفية بوصفها فاعلاً محلياً بديلاً.

تلا ذلك اصطدام مباشر بالأولويات الأمريكية، بعد لجوء “قسد” إلى استخدام طائرات مسيّرة إيرانية الصنع لاستهداف مواقع سكنية في مدينة حلب وريفها، ما وضعها في تعارض مباشر مع استراتيجية واشنطن الصارمة والرامية إلى تقويض النفوذ الإيراني. منح ذلك الحكومة السورية مشروعية ميدانية إضافية للتصعيد والانتقال إلى خيار الحسم العسكري، خصوصاً مع تعثر المفاوضات الذي استمر حتى نهاية 2025، فخسرت “قسد” مواقع استراتيجية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب، تلاها تقدم سريع للجيش السوري بدعم واسع من العشائر العربية، واستعادة السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور، وصولاً إلى توقيع اتفاقي 18 و29 كانون الثاني 2026.

ترافق ذلك مع نزع ذريعة “قسد” في تبني وتمثيل حقوق المكون الكردي، بعد اصدار الرئيس الشرع المرسوم رقم 13 لعام 2026 والذي تضمن كفالة دستورية صريحة للحقوق الثقافية واللغوية والتعليمية للمكون الكردي، فأسقط بذلك الخطاب الذي كان يربط حماية هذه الحقوق بوجود تشكيل مسلح منفصل. ثم جاءت تسوية ملف معتقلي “داعش”، بعد اتفاقات نقل عناصر التنظيم إلى العراق بإشراف أمريكي، لتبدد محاولات سابقة من “قسد” للضغط على الحكومة السورية عبر إثارة المخاوف الإقليمية والدولية من هروب عناصر التنظيم وإمكانية إعادة تفعيل شبكاته. وأخيراً، جاء انسحاب القوات الأمريكية وإخلاء قواعدها من سوريا في 16 نيسان 2026 لينهي المظلة العسكرية والسياسية التي استندت إليها “قسد” لسنوات، واضعاً قيادتها أمام مواجهة مباشرة مع الواقع الجيوسياسي الجديد.

تقاطع المسارات ولحظة اتخاذ القرار

جاء إعلان مظلوم عبدي حل التنظيم بعد يوم واحد فقط من حدث دبلوماسي بارز، تمثل في شطب اسم سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 24 آب 2026، بعد أن استمر هذا التصنيف قرابة 47 عاماً، ليشكل ذلك إعلاناً أمريكياً صريحاً بأن دمشق أضحت الشريك الرسمي المعترف به دولياً، وأن أي كيان مواز لسلطة الدولة، مهما كانت خدماته السابقة، لم يعد له مكان في الحسابات الأمريكية الجديدة. وأضيف إلى هذا العامل الدبلوماسي عامل اخر لا يقل أهمية، هو الضغط التركي المستمر، الذي جعل من إنهاء أي بنية عسكرية انفصالية مستقلة، وأي وجود فعلي لعناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، خطاً أحمر وخياراً لا يمكن التخلي عنه، مع تلويح أنقرة المتكرر بإمكانية اللجوء إلى خيارات عسكرية في حال تعثر تنفيذ الاتفاق. بالتالي بين رغبة تركية بإغلاق الملف، وانحياز أمريكي واضح لدمشق، ورغبة سورية داخلية بإنهاء ازدواجية السلطة في الشمال الشرقي، لم يعد أمام “قسد” مساحة تفاوضية حقيقية للمناورة سوى القبول بشروط الاندماج كما صاغتها الدولة السورية.

ورغم أن الانهيار الميداني لـ”قسد” وفقدانها أوراق المناورة لعبا دوراً حاسماً في الوصول إلى قرار حلها، إلا أنه من المهم عدم اختزال ما جرى في صورة “استسلام عسكري” بالمعنى التقليدي. فما حدث هو مسار تفاوضي طويل ومعقد، اتسم بجولات من التصعيد والتهدئة، وبرعاية أمريكية مباشرة أشرفت على تفاصيله الدقيقة، اختارت “قسد” في نهايته، بعد انحسار هامش خياراتها، الانتقال من العمل المسلح إلى العمل ضمن إطار المؤسسات الشرعية للدولة السورية الجديدة.

استحقاقات المرحلة المقبلة وتحدياتها

يمثّل حل “قسد” لحظة تأسيسية لاحتكار الدولة السورية للسلاح على كامل أراضيها، وهو ما يعزز شرعية المسار الانتقالي في الداخل والخارج على حد سواء، لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد؛ فنجاح هذا الاندماج مرهون بعدة استحقاقات حساسة في المرحلة المقبلة. أولها الموازنة الإدارية ومنع الاحتقان، من خلال إدارة التعيينات والمناصب المحلية وتوزيع الخدمات بحساسية تضمن عدم إقصاء الكفاءات، وتمنع توليد توترات مجتمعية بين المكونين العربي والكردي. ويليه ضبط الأجنحة الرافضة داخل “قسد”، ومدى قدرة قيادة مظلوم عبدي على احتواء التيارات المتشددة، ولا سيما ما يسمى “الشبيبة الثورية” والأجنحة العقائدية التي دأبت على ممارسة استفزازات تشمل الاعتداء على المقرات الحكومية ورموز الدولة لعرقلة التهدئة. أيضا يكمن تحدي اخر في فعالية التطبيق الفعلي للمرسوم 13، وتحويل الضمانات الدستورية الثقافية والتعليمية إلى برامج حكومية ملموسة تعزز اندماج المجتمع الكردي في النسيج الوطني.، وأخيراً، تفكيك الشبكات الخارجية عبر معالجة ملف المقاتلين والكوادر غير السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

في النهاية يمكن القول إن طي هذه الصفحة لا يعني تلاشي التحديات في شمال وشرق سوريا، بل نقلها من الميدان العسكري إلى ساحة العمل السياسي والإداري؛ حيث تتوقف ديمومة هذه التسوية على شقين متلازمين: الأول مدى التزام وجدية قيادة “قسد” في ضبط قواعدها وتفكيك بنيتها العسكرية والامتثال الكامل لمرجعية الدولة دون مناورات خفية، والثاني يتعلق بقدرة الحكومة السورية على ترسيخ العدالة والمواطنة والمساواة وتحويل الضمانات الدستورية إلى واقع ملموس يحمي وحدة البلاد ويستوعب جميع مكوناتها دون استثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top