أحمد اللبان: صحفي وباحث في الشؤون السياسية الدولية
التحول الذي تشهده العلاقة السورية–الروسية في حميميم وطرطوس يتجاوز بكثير مسألة إعادة ترتيب قاعدتين عسكريتين؛ فهو يمثل اختبارًا مبكرًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة تعريف علاقتها بالقوى الكبرى من موقع الدولة صاحبة المصلحة، لا من موقع الساحة التي تتنافس عليها القوى الخارجية، فبعد نحو عام ونصف من المفاوضات، توصلت دمشق وموسكو في 9 أغسطس/آب 2026 إلى مذكرة تفاهم تعيد تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، بحيث تنتقل إدارة المنشآت ذات الطابع المدني إلى الدولة السورية، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، فيما يعاد تعريف المنشآت العسكرية باعتبارها مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات يفترض استكمالها خلال ثلاثة أشهر.
لكن القراءة الواقعية لهذا التطور تقتضي الابتعاد عن التفسير السهل الذي يراه «انسحابًا روسيًا» أو «انتصارًا سوريًا» مكتملًا، فما حدث أدق من ذلك، حيث أرى أن سوريا لم تُخرج روسيا من المعادلة، وروسيا لم تتخلَّ عن سوريا، وإنما جرى التفاوض على صيغة جديدة للوجود الروسي وشروطه ووظائفه، موسكو نفسها سارعت إلى وصف الاتفاق بأنه خطوة تعزز العلاقات مع دمشق، فيما أكدت عدة مصادر سورية أن جزءًا من القوات الروسية سيبقى في البلاد وفق الترتيبات الجديدة، ولذلك فإن التعبير الأدق ليس انتهاء النفوذ الروسي، وإنما انتهاء الصيغة السابقة لاحتكار روسيا بعض الوظائف الاستراتيجية على الساحل السوري.
وهنا تكمن أهمية الحدث بالنسبة إلى سوريا، فالدولة لا تستعيد سيادتها فقط عندما تغادر القوات الأجنبية أراضيها، وإنما عندما تصبح قادرة على تحديد شروط وجود القوى الأجنبية، وإعادة توزيع وظائفها، والتفاوض على مصالحها، وتحويل العلاقة معها من علاقة نفوذ أحادي إلى علاقة مصالح متبادلة، والسيادة في معناها الواقعي ليست شعارًا قانونيًا، بل قدرة الدولة على اتخاذ القرار وإدارة أصولها الاستراتيجية وتحديد من يدخلها، ولماذا، وبأي شروط، وماذا تحصل هي في المقابل.
ولذلك فإن ما جرى في حميميم وطرطوس ينبغي قراءته باعتباره اختبار كبير للسياسة الخارجية السورية الجديدة، فروسيا ليست قوة هامشية في الحسابات السورية؛ لقد كانت صاحبة الوجود العسكري الخارجي الأكثر رسوخًا في سوريا، واستخدمت الساحل السوري لسنوات باعتباره منصة عسكرية ولوجستية مهمة في شرق المتوسط، كما مثلت طرطوس بالنسبة إليها منفذًا بحريًا استراتيجيًا، فيما أصبحت حميميم مركزًا رئيسيًا للعمليات الجوية الروسية في المنطقة، ولهذا فإن قدرة دمشق على إعادة التفاوض حول هذا الوجود بعد سقوط النظام البائد يعني أن دمشق تدرك الوظيفة الأهم للدولة حاليًا وهو إدارة تفاوت القوة بدل الاستسلام له.
والأكثر أهمية أن موسكو نفسها لديها أسبابها لقبول الصيغة الجديدة، روسيا لا تريد خسارة موطئ قدمها في شرق المتوسط، ولا تريد أن تتحول علاقتها بسوريا إلى خسارة استراتيجية كاملة، ولا أن تفقد كل ما تبقى لها من حضور في بلد ظل لسنوات نقطة ارتكاز لعملياتها في الشرق الأوسط وأفريقيا، وفي المقابل، لم تعد دمشق مستعدة على ما يبدو لاستمرار الصيغة القديمة التي ارتبطت بمرحلة سياسية انتهت، لذلك نشأ التوافق من نقطة يلتقي فيها الطرفان سوريا تريد سيادة أكبر على بنيتها الاستراتيجية، وروسيا تريد الحفاظ على قدر من الحضور والتعاون، وهذا من منطلق الواقعية السياسية في صورتها الصافية، لا تنازل مجاني من دمشق، ولا انسحاب مجاني من موسكو؛ وإنما مقايضة للمصالح.
وهذا ما يجعل الاتفاق أكثر أهمية من تفاصيله القانونية المباشرة، فالمسألة ليست من يرفع العلم فوق منشأة معينة، وإنما من يحدد وظيفة المنشأة، ومن يديرها، ومن يستفيد منها، ومن يمتلك القدرة على إعادة صياغة شروط استخدامها مستقبلًا، عندما تنتقل المنشآت المدنية إلى الإدارة السورية، فإن دمشق تستعيد السيطرة العملية على بنية تحتية كانت مرتبطة بالوجود الروسي، وعندما تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، فإن العلاقة تنتقل من نموذج القاعدة ذات الوظيفة العسكرية المنفصلة إلى نموذج تعاون عسكري يمكن للدولة السورية أن تكون طرفًا فيه.
وقد جاءت أولى الإشارات العملية لهذا التحول سريعًا، ففي 12 أغسطس/آب بدأت سوريا استخدام الرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، الذي كان مرتبطًا بالوجود الروسي، لاستقبال شحنات من القمح والإسمنت قادمة من موانئ تركية، بينما بدأت القوات الروسية إخلاء المباني القريبة من الرصيف والانتقال إلى مواقع عسكرية أخرى، هذه الصورة الصغيرة تحمل دلالة أكبر من حجمها فمنشأة كانت مرتبطة بالوظيفة الروسية تتحول إلى جزء من النشاط التجاري السوري، والشحنة تأتي من تركيا، أي من دولة أخرى لها وزن متزايد في إعادة تشكيل البيئة السورية.
وهنا تبدأ الجغرافيا السورية في استعادة معناها الحقيقي، فطرطوس ليست مجرد ميناء، وحميميم ليست مجرد قاعدة جوية، والساحل السوري ليس مجرد مساحة عسكرية، إذا نجحت دمشق في تحويل هذه الأصول إلى عقد في شبكة التجارة والنقل والطاقة والاتصالات، فإنها تنتقل من دولة تستضيف قواعد الآخرين إلى دولة تجعل الآخرين بحاجة إلى استقرار بنيتها التحتية، وهذه نقطة جوهرية في بناء النفوذ، فالدولة لا تصبح مؤثرة فقط عندما تمتلك القوة لإجبار الآخرين على مراعاتها، وإنما أيضًا عندما يصبح استقرارها جزءًا من مصالحهم.
ولهذا فإن تشغيل الرصيف التجاري بشحنات تركية ليس مجرد تفصيل اقتصادي، إنه يوضح كيف يمكن للسياسة السورية الجديدة أن تستخدم تعدد الشركاء لتغيير وظيفة الجغرافيا، روسيا موجودة، وتركيا تدخل اقتصاديًا، والمؤسسات السورية تستعيد الإدارة، والميناء يتحول إلى أصل تجاري، وفي هذه المعادلة لا ينبغي أن يكون الهدف السوري إخراج طرف وإدخال طرف آخر، لأن استبدال احتكار روسي باحتكار تركي لن يكون استقلالًا، بل إعادة توزيع للتبعية إنما الهدف الحقيقي أن تصبح طرطوس تحت نفوذ وإدارة الدولة بشكل كامل، ومفتوحة للشراكات ثانيًا، وخاضعة للمصلحة الوطنية قبل مصالح أي شريك خارجي.
ومن هنا يمكن فهم جوهر السياسة الخارجية التي تسير عليها سوريا في هذه المرحلة وهي لا قطيعة شاملة مع روسيا، ولا تبعية لها؛ لا ارتهان لتركيا، ولا خصومة معها؛ لا اعتماد حصري على الولايات المتحدة، ولا رفض للتعامل معها؛ ولا تحويل العلاقات العربية إلى بديل عن العلاقات الدولية، وهو النموذج الأكثر ملاءمة لسوريا هو دولة توازن، تنوع شراكاتها لكي توسع هامش قرارها، وتمنع أي قوة منفردة من امتلاك القدرة على احتكار مسارها السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.
وهذا التحول مهم خصوصًا لأن سوريا تدخل مرحلة تختلف جذريًا عن مرحلة الحرب، خلال الحرب كانت الجغرافيا السورية ساحة تتقاطع عليها مصالح القوى الدولية والإقليمية، وكان النفوذ الخارجي في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لضعف الدولة وانقسامها، أما بعد الحرب، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط استعادة الأراضي والمؤسسات، بل منع عودة سوريا إلى موقع «الساحة»، فالدولة التي لا تستطيع تنظيم علاقاتها الخارجية ستظل موضوعًا لسياسات الآخرين، حتى لو امتلكت حكومة وعَلَمًا ومؤسسات رسمية، أما الدولة التي تستطيع التفاوض على مصالح القوى الموجودة على أرضها، فهي تبدأ بالتحول إلى شريك في صناعة البيئة الإقليمية.
وهنا يصبح الاتفاق مع روسيا أكثر من اتفاق ثنائي؛ إنه نموذج لما يجب أن تكون عليه علاقة دمشق بكل القوى الكبرى، فإذا نجحت سوريا في إعادة صياغة العلاقة مع موسكو دون قطعها، فإنها تكون قد اختبرت للمرة الأولى قدرتها على التعامل مع قوة كبرى من موقع المصالح المتبادلة، وهذا النموذج يمكن أن يتكرر بدرجات مختلفة مع واشنطن وأوروبا وتركيا ودول الخليج والصين وغيرها، الفكرة ليست أن سوريا تختار قوة ضد أخرى، بل أن تبني شبكة علاقات تجعل كل قوة تجد مصلحتها في التعامل معها، دون أن تتحول أي منها إلى صاحبة القرار فيها.
لكن هذا المسار يحمل مخاطر لا يجوز تجاهلها، استمرار وجود روسي، ولو بصيغة جديدة، يعني أن موسكو ما زالت تملك ورقة نفوذ في الساحل، وقد تسعى مستقبلًا إلى الحفاظ على مصالحها العسكرية والاقتصادية والسياسية، كما أن إعادة ترتيب الوجود الروسي لا تعني انتهاء التنافس الدولي على سوريا، والولايات المتحدة تعيد صياغة علاقتها بدمشق، والدول العربية توسع انخراطها، وأوروبا تراقب مسار الاستقرار وإعادة الإعمار، بينما تبقى الجغرافيا السورية ذات قيمة بالنسبة إلى كل هذه الأطراف، ولذلك فإن الخطأ الأكبر سيكون تفسير خروج سوريا من صيغة النفوذ الروسي القديمة باعتباره خروجًا من منطق النفوذ الدولي كله.
فالسيادة لا تعني أن تكون سوريا خالية من الشركاء الأجانب؛ بل أن تكون قادرة على منع الشراكة من التحول إلى وصاية، والدولة الواقعية لا تقيس نجاحها بعدد القوى الأجنبية التي غادرت، وإنما بقدرتها على تحديد مستوى نفوذ كل قوة، ومقايضته بمصلحة سورية، ومنع تراكم نفوذ طرف واحد إلى الحد الذي يتحول فيه إلى قدرة على تعطيل القرار الوطني.
ومن هذه الزاوية، فإن الساحل السوري يمكن أن يتحول من أحد أبرز رموز النفوذ الخارجي في حقبة النظام البائد إلى أحد أهم أصول القوة الوطنية، طرطوس تستطيع أن تكون ميناءً تجاريًا ولوجستيًا يربط سوريا بالمتوسط وتركيا وأوروبا، وحميميم يمكن أن تستعيد وظيفتها ضمن منظومة الطيران المدني والتعاون والتدريب، بينما يمكن للساحل كله أن يدخل في شبكة أوسع من الموانئ والطرق والسكك والطاقة والاتصالات، وإذا حدث ذلك، فإن إعادة بناء الساحل لن تكون مشروعًا محليًا فحسب، بل جزءًا من إعادة بناء الموقع السوري في النظام الإقليمي.
وهنا تتصل المسألة الروسية مباشرة بالدور السوري الجديد، فالجغرافيا لا تصنع النفوذ وحدها؛ والدولة هي التي تحول الجغرافيا إلى قوة، والميناء الذي تديره دولة مستقرة ومؤسساتها قادرة على حماية الاستثمار والتجارة يصبح أصلًا من أصول القوة الوطنية، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحدود والمطارات والطرق والسكك ومراكز الطاقة والاتصالات، لذلك فإن استعادة الإدارة السورية لحميميم وطرطوس لن تكون ذات قيمة تاريخية إذا لم تتحول إلى بداية لعملية أوسع وهي تحويل البنية الاستراتيجية السورية من أدوات نفوذ خارجي إلى أدوات نفوذ وطني.
وهذا يقود إلى مسألة الاقتصاد، فالدولة السورية الخارجة من الحرب تحتاج إلى إعادة إعمار ضخمة، لكنها لا تستطيع أن تجعل إعادة الإعمار مجرد عملية لاستبدال المباني المدمرة، المطلوب هو بناء اقتصاد يجعل الجغرافيا السورية منتجة للقوة، عندها تصبح الشراكات الخارجية وسيلة لإنتاج القدرة السورية، لا وسيلة لإعادة إنتاج الاعتماد عليها، ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة مع تركيا تكتسب أهمية خاصة، فالشحنة التركية التي وصلت إلى الرصيف التجاري الذي أعيد إدخاله إلى الإدارة السورية تقدم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه المرحلة المقبلة، بدل أن تكون البنية السورية ساحة صراع بين القوى، تصبح منصة مصالح مشتركة بينها، وإذا تحولت هذه المصالح إلى طرق وسكك وموانئ ومناطق صناعية وطاقة واستثمارات، فإن الاستقرار السوري سيصبح مصلحة مباشرة للدول المحيطة، وهو ما يرفع تكلفة أي محاولة لزعزعة سوريا ويمنح دمشق وزنًا تفاوضيًا أكبر.
لكن لا يمكن لسوريا أن تحقق ذلك وهي ضعيفة داخليًا، فالمعادلة الخارجية تبدأ من الداخل، ببناء الجيش الوطني، والمؤسسات الفعالة، وسيادة القانون، والإدارة الرشيدة، والمصالحة الوطنية، والاقتصاد المنتج، والجامعات ومراكز البحث، كلها ليست ملفات منفصلة عن السياسة الخارجية؛ إنها البنية التحتية الفعلية للنفوذ السوري، الدولة التي تعاني من الضعف الداخلي ستحتاج دائمًا إلى حماية خارجية، بينما الدولة التي تبني شرعيتها ومؤسساتها تصبح قادرة على تحويل علاقاتها الخارجية إلى أدوات قوة.
وهنا تحديدًا يجب النظر إلى الاتفاق الروسي بوصفه اختبارًا للمرحلة الانتقالية بأكملها، فنجاح دمشق لا يقاس فقط بما انتزعته من إدارة منشأة أو ما أبقته لموسكو، وإنما بقدرتها على إنشاء قواعد جديدة للعلاقات الخارجية: كل وجود أجنبي يجب أن يكون محددًا قانونيًا، وكل تعاون يجب أن تكون له وظيفة، وكل شراكة يجب أن تنتج مصلحة سورية، وكل اتفاق يجب أن يحافظ على القرار الوطني، وكل قوة خارجية يجب أن تعرف أن علاقتها بدمشق تمر عبر مؤسسات الدولة لا عبر ترتيبات فوقها.
ومن أخطر الأخطاء أن تتحول السياسة الخارجية الجديدة إلى مجرد رد فعل على الماضي، وهو ماتدركه حقيقة الإدارة الجديدة، فسوريا لا تحتاج إلى بناء سياستها على كراهية روسيا لأنها دعمت النظام السابق، ولا على رفض الولايات المتحدة لأنها كانت جزءًا من منظومة العقوبات، ولا على الارتهان لتركيا لأنها كانت الأقرب جغرافيًا وسياسيًا، الدولة التي تريد بناء مستقبلها لا تستطيع أن تجعل الماضي وحده معيار تحالفاتها، المعيار هو المصلحة الوطنية السورية، ومن ثم فإن روسيا يمكن أن تكون شريكًا، وتركيا شريكًا، والسعودية شريكًا، وأوروبا شريكًا، والولايات المتحدة شريكًا، والصين شريكًا، ما دامت العلاقة تحفظ استقلال القرار السوري وتضيف إلى القوة الوطنية بدل أن تستنزفها.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا تُقرأ إعادة تنظيم الوجود الروسي على أنها نهاية النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. موسكو ما زالت تملك مصالح استراتيجية في المنطقة، والوجود السوري بالنسبة إليها له قيمة تتجاوز الحدود السورية، لذلك فإن أفضل سياسة دمشقية ليست دفع روسيا إلى الخروج بأي ثمن، وإنما استخدام المصالح الروسية نفسها للحصول على شروط أفضل لسوريا، فحين تكون لموسكو مصلحة في البقاء، تصبح تلك المصلحة ورقة تفاوضية سورية، بشرط أن تمتلك دمشق القدرة المؤسسية على استخدامها.
ومن هنا فإن ما يحدث في طرطوس وحميميم يجب ألا يكون نهاية القصة، بل بدايتها، المطلوب أن تتحول هذه الخطوة إلى سياسة وطنية متكاملة تعيد تعريف الموانئ والمطارات والحدود والطرق والسكك والطاقة والاتصالات باعتبارها أدوات للقوة السورية، كما يجب أن تترافق مع إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس وطني، وتطوير قدرات حماية الحدود والدفاع الجوي والأمن السيبراني والاستخبارات، وإعادة تأهيل الاقتصاد والجامعات ومراكز البحث، لأن الدولة التي تريد أن تفاوض القوى الكبرى تحتاج إلى أدوات تفاوض تتجاوز الخطاب السياسي.
وعلى المستوى الأوسع، يمكن أن يمثل هذا المسار أحد اللبنات الأولى في بناء سوريا التي لا تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها قدرًا، بل باعتبارها موردًا استراتيجيًا، سوريا تقع في قلب مساحة تصل تركيا بالعالم العربي، والعراق بالمتوسط، والخليج بتركيا وأوروبا، وبلاد الشام بالبحر المتوسط، لكن هذه القيمة لا تتحول إلى نفوذ بمجرد رسم خطوط على الخريطة، تحتاج إلى أمن، ومؤسسات، واستثمارات، وموانئ، وطرق، وسكك، وطاقة، وأسواق، ومعرفة، ودبلوماسية قادرة على تحويل الموقع إلى شبكة مصالح.
ولهذا فإن الاتفاق السوري–الروسي يحمل في جوهره سؤالًا أكبر من مستقبل حميميم وطرطوس: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تتحول من دولة تتنافس القوى على نفوذها إلى دولة تتنافس القوى على الشراكة معها؟ الإجابة لن تحددها مذكرة التفاهم وحدها، وإنما ما ستفعله دمشق بعدها.
إذا استطاعت سوريا أن تستعيد السيطرة المؤسسية على أصولها الاستراتيجية، وأن تحافظ في الوقت نفسه على شراكاتها مع روسيا وتركيا والعرب والغرب، وأن تمنع أي طرف من احتكار قرارها، وأن تحول بنيتها التحتية إلى شبكة مصالح إقليمية، فإنها تكون قد بدأت بالفعل في بناء العقيدة التي تحتاجها، دولة توازن لا دولة محاور، ودولة مؤثرة لا دولة مهيمنة.
وعندها تصبح إعادة تنظيم الوجود الروسي في حميميم وطرطوس أكثر من تسوية ثنائية؛ تصبح أول دليل عملي على أن سوريا تستطيع أن تعيد تعريف علاقتها بالقوى الكبرى دون قطيعة ودون تبعية، وهذا هو المكسب الاستراتيجي الأهم: ليس أن سوريا استبدلت نفوذًا بنفوذ، بل أنها بدأت تستعيد القدرة على التفاوض على النفوذ نفسه.
فالمرحلة السابقة جعلت الموقع السوري ساحة لصراع الآخرين، أما المرحلة الجديدة فيجب أن تجعل الموقع السوري أصلًا تتقاطع عنده مصالح الآخرين، وروسيا التي كانت تملك قواعد، وتركيا التي تملك حدودًا ومصالح، والخليج الذي يبحث عن طرق وأسواق، وأوروبا التي تبحث عن استقرار وممرات، والولايات المتحدة التي تريد إعادة تشكيل حضورها، جميعها يمكن أن تصبح أطرافًا في شبكة مصالح سورية إذا امتلكت دمشق الدولة القادرة على إدارتها، وهنا تختصر الواقعية السورية الجديدة في قاعدة واحدة، ليس المطلوب أن تخرج كل القوى من سوريا، بل ألا تستطيع أي قوة أن تجعل سوريا تعمل وفق مصالحها وحدها، فالدولة التي تنجح في تحقيق هذه المعادلة لا تكون قد استعادت سيادتها على منشأة فحسب؛ بل تكون قد بدأت استعادة موقعها في الإقليم.
وإذا كان اتفاق موسكو هو اختبار لقدرة دمشق على إعادة التفاوض مع قوة كبرى، فإن نجاح هذا الاختبار يمكن أن يكون مقدمة لمرحلة أكبر، سوريا لا تعود فيها موضوعًا للترتيبات الإقليمية، وإنما تصبح طرفًا في صناعتها، عندها فقط تتحول الجغرافيا السورية من عبء تاريخي إلى قوة سياسية، ومن ساحة نفوذ إلى دولة تفاوض على النفوذ وتصنع التوازنات التي ستحدد الشرق الأوسط الجديد.


