في مساء من أيلول 1938 تجمع آلاف الألمان في نورمبرغ تحت أضواء مصممة بدقة هندسية بينما كانت مكبرات الصوت تنقل خطاباً لم يكن مجرد كلام سياسي بل بنية بصرية وسمعية كاملة صممت لتذويب الفرد داخل الجماعة. في تلك اللحظة لم يكن الحشد يستمع إلى راديو أو يقرأ صحيفة فحسب كان يعيش داخل رواية شيدت بعناية لتحل محل الواقع. بعد أقل من قرن وعلى بعد آلاف الكيلومترات يفتح مراهق في مدينة عربية هاتفه المحمول ليجد خوارزمية تختار له من بين مليارات المنشورات عشرات المقاطع التي تشكل تدريجياً صورته عن العالم عن “نحن” و”هم” عن الخطر والأمل.
الأداة تغيرت من مكبر الصوت إلى الشاشة لكن الوظيفة بقيت واحدة: صناعة قناعة جماعية تتجاوز أحياناً حدود الوقائع نفسها.
هذا التقرير محاولة لفهم هذه الآلية عبر التاريخ وحتى اللحظة الراهنة دون تبني أي موقف سياسي
ما هي البروباغندا؟
الفارق بين الإعلام و البروباغندا لا يكمن في الوسيلة بل في الغاية والمنهج. الصحافة المهنية تسعى من حيث المبدأ إلى تقديم وقائع يمكن التحقق منها وعرض وجهات نظر متعددة بينما تهدف البروباغندا إلى تحريك المتلقي نحو موقف محدد سلفاً بصرف النظر عن اكتمال الصورة أو توازنها. أما العلاقات العامة فتشترك مع البروباغندا في أدوات الإقناع لكنها ظهرت تاريخياً كنشاط تجاري وسياسي أعلن عن نفسه بينما تسعى البروباغندا غالباً إلى إخفاء مصدرها أو تمويه طبيعتها.
المفكر الذي وضع الأساس النظري لهذا الحقل هو إدوارد بيرنايز ابن شقيقة سيغموند فرويد الذي عمل ضمن لجنة الإعلام العامة الأميركية (لجنة كريل) خلال الحرب العالمية الأولى قبل أن يضع كتابه المرجعي “البروباغندا” عام 1928. في ذلك الكتاب وصف بيرنايز إمكانية التحكم بالجماهير وتنظيمها وفق إرادة صانع الرسالة دون أن تدرك ذلك وهي الفكرة التي شكلت لاحقاً حجر الزاوية لصناعة الإقناع الجماهيري الحديثة. لجنة كريل نفسها التي أنشأها الرئيس وودرو ويلسون عام 1917 لتعبئة الرأي العام الأميركي خلف دخول الحرب أنتجت عبر صحفي سابق يدعى جورج كريل حملة واسعة من الملصقات والأفلام والمنشورات واعتمدت شبكة من “رجال الأربع دقائق” الذين كانوا يلقون خطباً قصيرة في دور السينما والساحات العامة لحشد التأييد الشعبي. الباحثون لاحظوا لاحقاً أوجه تشابه بين الطريقة المركزية التي أدار بها كريل هذه اللجنة والأسلوب الذي اعتمدته لاحقاً وزارة الدعاية النازية بقيادة جوزيف غوبلز وإن كان من الصعب الجزم بوجود تأثير مباشر.
أما والتر ليبمان الصحفي الذي عمل هو الآخر ضمن دوائر الدعاية الأميركية في الحرب نفسها فقد خرج من التجربة بموقف مختلف تماماً إذ نشر عام 1922 كتابه “الرأي العام” الذي قدم مفهومين محوريين ما زالا يستخدمان حتى اليوم: “الصور التي في رؤوسنا” أي الصورة الذهنية المبسطة التي نستبدل بها الواقع المعقد و”البيئة الزائفة” التي يتفاعل معها الأفراد بدلاً من العالم الحقيقي. لقد كان ليبمان أول من استخدم عبارة “صناعة الرضا” بمعناها الوصفي المحايد قبل أن يستعيدها نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان بعد ستة وستين عاماً بمعنى نقدي حاد في كتابهما “صناعة الرضا: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام الجماهيرية” الصادر عام 1988.
قدم تشومسكي وهيرمان في ذلك الكتاب ما يعرف بـ”نموذج البروباغندا” الذي يفترض أن الأخبار تمر عبر خمسة “مصاف” قبل أن تصل إلى الجمهور: ملكية المؤسسات الإعلامية الكبرى وتوجهها الربحي اعتماد الإعلام على عائدات الإعلانات و الاعتماد المفرط على مصادر رسمية وخبراء معتمدين من الحكومات والشركات آلية “ردود الفعل الهجومية” التي تستخدم لتأديب أي تغطية مزعجة، وأخيراً إطار أيديولوجي عام يحدد سلفاً من هو “العدو المشترك”. يشدد الباحثون على أن هذا النموذج لا يفترض تآمراً واعياً بقدر ما يصف قيوداً بنيوية اقتصادية وسياسية تحد من هامش استقلالية وسائل الإعلام وقد ظل موضع نقاش أكاديمي واسع حول مدى قابليته للتطبيق خارج السياق الأميركي الذي ولد فيه.
خلال الحرب الباردة انقسم العالم إلى منظومتين إعلاميتين متقابلتين: الإعلام السوفيتي الذي كان يعمل تحت إشراف مباشر من الحزب الشيوعي ويخضع لرقابة صارمة على المضمون والإعلام الغربي الذي وإن كان أكثر تعدداً في الملكية إلا أنه لم يكن بمنأى عن أدوات التوجيه سواء عبر تمويل محطات مثل “صوت أميركا” و”راديو أوروبا الحرة” أو عبر التنسيق غير المعلن أحياناً بين أجهزة الاستخبارات ومؤسسات إعلامية. هذا التوازي التاريخي يوضح أن أدوات صناعة الرأي العام لم تكن حكراً على نظام سياسي بعينه بل ظهرت بأشكال مختلفة تبعاً لبنية كل نظام.
كيف تصنع القناعة الجماعية؟
يفسر علم النفس الاجتماعي قابلية الأفراد للتأثر بالبروباغندا من خلال مجموعة من الآليات الإدراكية المتكررة. الإدراك الانتقائي يجعل الفرد يميل إلى ملاحظة المعلومات التي تتوافق مع تصوراته المسبقة وتجاهل ما يخالفها بينما يعزز الانحياز التأكيدي هذا الميل عبر البحث النشط عن أدلة تدعم القناعات القائمة أصلاً وتفادي ما يهددها.
عالم النفس دانيال كانمان الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد قدم في كتابه “التفكير: السريع والبطيء” إطاراً نظرياً يفسر جزءاً كبيراً من هذه الظاهرة عبر تمييزه بين نمطين من التفكير: “النظام الأول” السريع والحدسي الذي يعتمد على اختصارات ذهنية و”النظام الثاني” البطيء والتحليلي الذي يتطلب جهداً واعياً. وبحسب كانمان فإن معظم قراراتنا اليومية تمر عبر النظام الأول ما يجعلها عرضة لتحيزات ممنهجة مثل “تحيز التوافر” الذي يدفع الأفراد إلى تقدير احتمال وقوع حدث ما استناداً إلى سهولة تذكره لا إلى بياناته الفعلية فحادثة عنف واحدة تتكرر في نشرات الأخبار قد تترك أثراً في الإدراك العام أكبر بكثير من إحصائية دقيقة تناقضها. هذه الآلية بالذات تستثمر بكثافة في الحملات الإعلامية التي تعتمد على تكرار مشهد بعينه لترسيخ انطباع عام بصرف النظر عن تمثيله الإحصائي للواقع.
إلى جانب التكرار يظل الخوف والأمل من أقوى الروافع النفسية في صناعة القناعة الجماعية فالخوف من تهديد وجودي يدفع الجماعات إلى الالتفاف حول قيادة أو رواية موحدة بينما يستخدم الأمل بمستقبل أفضل لتبرير تضحيات آنية. وترتبط هاتان الرافعتان عضوياً بثلاث آليات أخرى: صناعة العدو التي تمنح الجماعة هوية تفاضلية واضحة عبر تحديد “الآخر” الذي يتهددها والرموز الوطنية التي تعمل كاختزال عاطفي لمنظومة معقدة من القيم والانتماءات وصناعة البطل الذي تسقط آمال الجماعة على شخصيتة الفردية وما يسهل التماهي معها أكثر من التماهي مع فكرة مجردة.
الأدوات الحديثة للبروباغندا
انتقلت أدوات صناعة الرأي العام عبر أكثر من قرن من الملصق والمنشور المطبوع إلى السينما والتلفزيون ثم إلى الإعلانات التجارية والسياسية قبل أن تدخل مرحلة جديدة تماماً مع وسائل التواصل الاجتماعي. الفارق الجوهري في هذه المرحلة الأخيرة هو دور الخوارزميات التي لم تعد مجرد ناقل للمحتوى بل شريكاً فعلياً في تحديد أي رسالة تصل إلى أي فرد بناءً على نمط تفاعله السابق ما يفتح الباب أمام ما يعرف بـ”غرف الصدى” حيث يجد المستخدم نفسه محاطاً بمحتوى يعزز قناعاته باستمرار دون احتكاك جدي بوجهات نظر مغايرة.
هذا التحول تجلى بوضوح في معطيات “تقرير الأخبار الرقمية” الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد للعام 2026 والذي استند إلى استطلاع شمل قرابة مئة ألف شخص في 48 دولة. أظهر التقرير أن استخدام منصات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو لمتابعة الأخبار تجاوز للمرة الأولى استخدام المواقع والتطبيقات الإخبارية المملوكة لوسائل الإعلام نفسها إذ بلغت نسبة الاعتماد على المنصات 54 بالمئة من مجمل الجمهور في مؤشر وصفه التقرير بـ”تحول جوهري في بنية الوصول إلى الأخبار”. وفي المقابل سجلت الثقة العامة بالأخبار أدنى مستوى تقاس فيه منذ بدء المسح عند 37 بالمئة بينما لم تتجاوز الثقة بالأخبار على منصات التواصل الاجتماعي 22 بالمئة
هذا التزامن بين تراجع الثقة وصعود المنصات كمصدر أول للمعلومة يخلق بيئة خصبة لانتشار الروايات غير الدقيقة إذ يجد المستخدم نفسه معتمداً بشكل متزايد على قنوات هي بطبيعتها أقل خضوعاً للمعايير التحريرية التقليدية.
وقد وثق مشروع “البروباغندا الحاسوبية” التابع لمعهد الإنترنت في جامعة أكسفورد هذا التحول من زاوية أخرى إذ رصدت تقارير المشروع المتعاقبة تزايداً مطرداً في عدد الدول التي تستخدم أدوات منظمة للتلاعب بالرأي العام عبر الإنترنت حيث ارتفع العدد من نحو سبعين دولة في تقرير 2019 إلى أكثر من ثمانين دولة في التقرير اللاحق مع الإشارة إلى أن هذه الحملات لم تعد تقتصر على حسابات آلية بدائية بل باتت تشمل شبكات منظمة من المعلقين البشريين والحسابات المخترقة إضافة إلى شركات متخصصة تقدم خدمات “البروباغندا كخدمة” لجهات حكومية وحزبية على حد سواء.
اقتصاد البروباغندا
لم تعد صناعة التأثير على الرأي العام نشاطاً حكومياً بحتاً بل تحولت تدريجياً إلى قطاع اقتصادي متكامل تتقاطع فيه مصالح الحكومات وشركات العلاقات العامة وشركات تحليل البيانات. بحسب تقارير مشروع “البروباغندا الحاسوبية” في أكسفورد فإن عدداً من الحكومات باتت تتعاقد مع شركات اتصال استراتيجي متخصصة لتنفيذ حملات رقمية منظمة بينما تستخدم في حالات أخرى مجموعات من الطلاب أو الشباب يتم توظيفهم من قبل جهات حكومية لتنفيذ حملات تأثير رقمي منسقة. هذا التحول يعكس انتقال البروباغندا من كونها أداة استثنائية في زمن الحرب إلى ممارسة يومية مندمجة في الحملات الانتخابية والإعلانات التجارية والاتصال المؤسسي بحيث يصعب أحياناً التمييز بين ما هو تسويق سياسي مشروع وما هو تضليل منظم.
دراسات حالة عالمية
في الولايات المتحدة يتميز المشهد الإعلامي بتعدد الملكية وتنافسية السوق إلا أن هذا التعدد لا يلغي بحسب دراسات عديدة وجود تحيزات بنيوية مرتبطة بالتمويل الإعلاني وبنية الملكية وهو ما شكل جوهر النقد الذي قدمه تشومسكي وهيرمان أصلاً. كما شهدت الفترة الأخيرة بحسب تقرير لجنة حماية الصحفيين الصادر مطلع 2026 تصاعداً في التوترات بين السلطة التنفيذية الأميركية ووسائل الإعلام مع تسجيل حالات اعتقال أو منع دخول لصحفيين في مؤشر على أن الديمقراطيات الراسخة ليست بمنأى عن الضغط على حرية الصحافة.
في المقابل، تظهر تقارير “فريدم هاوس” أن الصين وميانمار ظلتا للعام الثاني على التوالي أسوأ بيئتين عالمياً من حيث حرية الإنترنت مع اعتماد موسع على أنظمة رقابة آلية وحجب واسع للمحتوى. أما روسيا فقد ظهرت في التقرير ذاته ضمن الدول التي شهدت تصعيداً في مراقبة الاتصالات الإلكترونية وتشديد العقوبات على المعارضين الرقميين خصوصاً في فترات الاحتجاجات.
أما في أوروبا فقد سجلت ألمانيا والولايات المتحدة تراجعاً ملحوظاً في مؤشر حرية الإنترنت خلال فترة التقييم الأخيرة وفق تصنيف “فريدم هاوس” الذي وضع البلدين ضمن الدول “الحرة” التي شهدت أكبر تراجع في نقاطها فيما حافظت المملكة المتحدة على بيئة إعلامية أكثر استقراراً نسبياً وإن لم تكن خالية من الجدل حول حياد الإعلام العام خصوصاً في التغطية المرتبطة بقضايا اقتصادية واجتماعية كبرى.
في الشرق الأوسط تتفاوت البيئات الإعلامية بشكل حاد بين دول تشهد انفتاحاً تدريجياً وأخرى ما زالت تصنف ضمن أكثر البيئات تقييداً عالمياً وهو ما ينعكس في مؤشر حرية الصحافة الذي تصدره “مراسلون بلا حدود” سنوياً والذي يضع عدداً من دول المنطقة في مراتب متأخرة فيما تحقق دول أخرى تقدماً تدريجياً مرتبطاً بإصلاحات قانونية محددة.
النموذج السوري بعد التحرير
يمثل المشهد الإعلامي السوري منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 حالة دراسية غنية لفهم كيفية إعادة تشكل الخطاب العام بعد تغير جذري في السلطة. فبحسب مؤشر “مراسلون بلا حدود” لحرية الصحافة لعام 2026 سجلت أكبر تحسن سنوي لها منذ إطلاق المؤشر متقدمة 36 مرتبة لتصل إلى المركز 141 من أصل 180 دولة بعد أن كانت في المرتبة 177 عام 2025 والمرتبة 179 عام 2024. المنظمة ربطت هذا التقدم بكون سقوط النظام السابق قد أنهى خمسة عقود من القمع الذي مارسه النظام المخلوع وعائلته ضد الصحافة مسجلة تحسناً في المؤشرات الخمسة التي تقيسها المنظمة أي الاقتصادي والقانوني والأمني والسياسي والاجتماعي وإن ظل التصنيف العام للبلاد ضمن خانة “الخطير جداً”.
أحد أبرز ملامح هذا التحول هو عودة وسائل إعلام كانت تعمل سابقاً من المنفى أو من مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، مثل إذاعة روزنة وعنب بلدي والجمهورية إلى العمل من داخل دمشق إلى جانب استئناف معظم وكالات الأنباء العالمية لنشاطها في العاصمة السورية بعد ساعات قليلة من سقوط النظام. في المقابل أشار التقرير إلى أن وسائل إعلام مرتبطة بجهات إقليمية معينة ما زالت تحتفظ بتأثير واسع في تشكيل المشهد الإخباري السوري، وهو ما يعكس استمرار تعدد مراكز التأثير في المرحلة الانتقالية.
غير أن هذا التقدم في المؤشرات لا يعني بالضرورة اكتمال التحول. فقد رصدت تغطية ميدانية أجرتها مؤسسة “عنب بلدي” أن الصحفيين السوريين المستقلين سواء العاملين من الداخل أو العائدين من الخارج ما زالوا يواجهون تحديات مرتبطة بغموض بعض الأطر القانونية الناظمة للعمل الصحفي رغم التسهيلات التي قدمتها وزارة الإعلام الجديدة. وأكد مدير وحدة الرصد في “المركز السوري للحريات الصحفية” محمد صطوف أن استبياناً أجرته رابطة الصحفيين شمل 72 صحفياً وصحفية كشف تبايناً في مستوى معرفتهم بالقوانين الناظمة للعمل الإعلامي في المرحلة الجديدة وهو ما يعكس حاجة فعلية إلى نظام أوضح للعلاقة بين السلطة والصحافة.
هذا النمط ليس استثناء سورياً فتاريخياً تشهد المجتمعات الخارجة من حكم استبدادي أو حرب طويلة موجة من التفاؤل الإعلامي المصحوب بارتفاع سقف التوقعات الشعبية تليها غالباً مرحلة من إعادة التموضع حين تصطدم هذه التوقعات بوتيرة الإصلاح الفعلية على الأرض التي تكون عادة أبطأ من وتيرة الخطاب السياسي والإعلامي المصاحب للتحول. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مضاعفاً في هذا السياق: فهي من جهة تمنح المواطن العادي منصة لم تكن متاحة له سابقاً للمشاركة في صناعة الرواية الوطنية ومن جهة أخرى قد تسرع من وتيرة انتشار الوعود والتوقعات غير الواقعية بما يوسع الفجوة بين الخطاب والواقع حين لا تتحقق النتائج بالسرعة المرجوة.
في هذا السياق يصبح دور الإعلام التقليدي والصحافة المستقلة والإعلام البديل حاسماً في الموازنة بين تثبيت الأمل اللازم لعملية إعادة البناء وبين الحفاظ على مصداقية مهنية قائمة على التحقق والتدقيق. فالشفافية في التعامل مع الملفات الاقتصادية والإصلاحية وربط الخطاب السياسي بمؤشرات قابلة للقياس يشكلان عاملاً حاسماً في الحفاظ على ثقة الجمهور خلال مرحلة انتقالية تتسم بالتعقيد المؤسسي والتحديات الاقتصادية المتزامنة. وتبقى معطيات المرحلة السورية بحسب المصادر المتاحة علناً حتى الآن مؤشراً على تحول ما زال في طور التشكل لا خلاصة نهائية يمكن الجزم بنتائجها.
هل يمكن للرأي العام أن يتحرر من البروباغندا؟
تشير الدراسات المتعلقة بالتربية الإعلامية إلى أن المناعة الفردية أمام آليات التأثير الجماعي ترتبط بشكل مباشر بمدى تمكن الأفراد من أدوات التفكير النقدي والتحقق من المصادر. وقد شددت منظمة اليونسكو مراراً في برامجها الخاصة بالتربية الإعلامية والمعلوماتية على أن بناء هذه المهارات لدى فئات عمرية مبكرة يشكل خط الدفاع الأول أمام التضليل بصرف النظر عن مصدره السياسي أو التجاري.
الصحافة المهنية القائمة على التحقق المزدوج من المصادر والفصل الواضح بين الخبر والرأي تظل أداة أساسية في هذا السياق وإن كانت تواجه اليوم تحدياً و جودياً يتمثل في تراجع الثقة العامة بها لصالح مصادر أقل خضوعاً للمعايير التحريرية كما أظهر تقرير معهد رويترز وقد لاحظ التقرير نفسه أن الجمهور رغم انصرافه نحو المنصات ما زال يعبر عن تمسكه بمبدأ الحياد والاستقلالية كقيمة ضرورية للمجتمع حتى وإن كان غير راض عن الممارسة الفعلية لوسائل الإعلام التقليدية.


