Search

تركيا في سوريا حليف داعم أم قوة مهيمنة

في هذا المقال نتحدث اليوم حول العلاقة السورية التركية مع مراجع دقيقة توثق الوقائع بالأرقام والحوادث تطور العلاقة شكلا ومضمونا، فتركيا اليوم تجمع بين دور الحليف الداعم عبر الدبلوماسية والتعاون العسكري، ودور القوة المهيمنة عبر الوجود العسكري والاقتصادي والثقافي في الشمال السوري سابقا واليوم بالتمدد داخليا.
من التعاون إلى المواجهة:
مرت العلاقة السورية التركية قبل عام 2011، بفترات متفاوتة وتقلبات عديدة، وقبيل اندلع الثورة السورية بعدة سنوات شهدت العلاقات السورية التركية تعاون اقتصادي وأمني ملحوظ، كانت أبرز هذه المحطات اتفاقية التجارة الحرة عام 2004 واتفاق أضنة الأمني عام 1998، لكن مع اندلاع الثورة السورية، انقلب المشهد إلى بشكل دراماتيكي إلى مواجهة عسكرية وتدخل مباشر تركي.
فرضيات متباينة:
بعد انتصار الثورة السورية تباينت قراءة موقف الدولة الجارة للتعامل مع الدولة السورية الجديدة، البعض اعتبرها حليف داعم متخذا من إعادة فتح السفارة في دمشق وتدريب الجيش السوري نقاط تؤكد هذه الفرضية، بينما ذهب البعض لاعتبارها قوة احتلال تفرض نفسها عبر السيطرة العسكرية والاقتصادية والثقافية في الشمال والتي تمددت مع التحرير لمناطق أكثر عمقا، فيما وقف طرف ثالث عند فرضية وسيطة وهي أن العلاقة أقرب لمزيج معقد بين الدعم والهيمنة.
لغة الأرقام لا تكذب:
كما هو معلوم أن لغة الأرقام هي دليل عملي على قياس خط سير العلاقة بين الدولتين ومن خلال المتابعة نرى التالي، ففي قراءات الوجود العسكري هناك أكثر من 10.500جندي تركي موزعين على نحو 49 قاعدة عسكرية، مع سلاح ثقيل لا يقل عن 300 دبابة و400عربة مدرعة و800 ناقلة جند، ومن خلال تتبع خارطة المشاركة التركية بالعمليات العسكرية نرى أن تركيا نفذت أربع عمليات كبرى منذ 2016 أولها درع الفرات2016، ثم غصن الزيتون 2018، فعملية نبع السلام2019، فعملية درع الربيع 2020. هذا عسكريا أماعن الناحية الدبلوماسية: بعد التحرير تم تعيين السفير “نوح يلماز” في دمشق في 2025 بعد 13 عام من القطيعة مع الدولة السورية ونظامها السابق. كما يظهر من مؤشر الزيارات الميدانية وهي كثيرة ومنها ما حصل مؤخرا زيارة قائد البحرية التركية الأدميرال “إرك ومنت تاتلي أوغلو” إلى ميناء اللاذقية في تموز 2026، لتعزيز التعاون الدفاعي وإعادة هيكلة الجيش السوري، عدا عن عشرات الزيارات لمسؤولين كبار من وزير الخارجية وغيره من الوزارات لسوريا واستقبال الرئيس السوري الانتقالي عدة مرات. ومن ناحية التدريب العسكري: فقد تمت مشاركة الجيش السوري لأول مرة في مناورات EFES 2026 بتركيا، بمشاركة 50 دولة منذ عدة أسابيع سابقة. وفي الشأن الاقتصادي: فقد نمت وتطورت التجارة بين البلدين حيث بلغت 2،3 مليار دولار عام 2010، ثم مع الثورة وتراجع العلاقات انهارت بعد 2011، ثم ارتفعت إلى 2 مليار دولار عام 2023. ولا يمكن إغفال مؤشر العملة التركية المتداولة في الشمال منذ 2020، حيث اعتمدت مناطق إدلب وشمال حلب على الليرة التركية بشكل مباشر، ما أدى إلى انقسام نقدي واضح في الداخل السوري وتبعية للتأثر المالي بكل ما يحصل للعملة التركية. ومن خلال تتبع الناحية الثقافية والتعليمة: فقد تم إدخال اللغة التركية في المناهج السورية لطلاب الشمال، وتم رفع الأعلام التركية في المدارس والجامعات. وفي الملف الأكثر حساسية وهو موضوع اللاجئين: تركيا بحكم أنها الجار الشمالي والمناصر للثورة السورية فقد استضافت أكثر من 2،9 مليون سوري تحت الحماية المؤقتة حتى نهاية 2024 وكان للاجئين تأثير كبير على الداخل السوري وله انعكاسات أيضا داخلية في تركيا حيث كان يتم استخدام ورقتهم بالانتخابات والدعم المالي المقدم لهم.

شبكة النفوذ الحالية:
يظهر النفوذ التركي بوضوح من خلال تتبع عدة نواحي منها، تقيا: فموضوع ربط شبكات الكهرباء والاتصالات بتركيا له دلالات كبيرة جدا. اقتصاديا اعتماد الليرة التركية وتدفق البضائع جعل السوق السورية تتبع بشكل مباشر للسياسة المالية التركية وتتأثر بالسوق التركية. تعليميا وثقافيا إن إدخال اللغة التركية ورفع الرموز الوطنية التركية في الداخل السوري اكبر دليل على حجم النفوذ المتغلغل والمتخطي لحدود التعاون. أما أمنيا نرى تدريبات مشتركة وزيارات ميدانية لتطوير مقدرات المؤسسات الأمنية السورية. يستند مؤيدي فكرة التغلغل الكبير التركي حد الوصاية لهذه النقاط للتدليل على نظرتهم، لكن بالمقابل هناك من يعارضهم.
وجهة النظر الأخرى:
الواقع يتحدث بلغة الأرقام مرة أخرى ويتم تعليل النفوذ التركي الكبير أن تركيا ترى نفسها حليف داعم للسوريين فاستضافت المعارضة واللاجئين ودعمتهم، واليوم تدرب الجيش السوري، وتدعم جهود إعادة الإعمار بخبراتها وشركاتها، لكن في الوقت نفسه تفرض نفوذ واسع في الشمال السوري، ما يجعلها طرف مهيمن ولو ظاهريا بغض النظر عن النوايا.
حقيقة العلاقة:
من باب الإنصاف وعدم اطلاق أحكام بخلفيات مسبقة، الحالة العامة الأقرب للواقع للوجود التركي وشكل العلاقة تظهر كمزيج معقد فتركيا تجمع بين الدعم والهيمنة بنفس الوقت، فهي ليست احتلال مباشر، لكنها ليست دعم فقط بعيدا عن فرض أي هيمنة أو ممارسة نفوذ.
من الماضي إلى المستقبل:
من خلال تتبع شكل العلاقة وسيرها الزمن نرى تطور شكل العلاقة وتحولها من تعاون طبيعي وعلاقات متكافئة إلى تغلغل كبير، ففي الماضي كان هناك تعاون اقتصادي وأمني كبيرين كما ذكرنا مثلا هناك اتفاقية التجارة الحرة 2004، واتفاق امني عسكري، أما في الحاضر يظهر تتبع الوجود العسكري الواسع انتشار كبير يخل بالسيادة الوطنية السورية إن لم يتم ضبطه باتفاقيات محددة لهذا الوجود، ومؤشر إضافي وهو إعادة فتح السفارة التركية في دمشق يعكس رغبة تركية وتوجه نحو الانفتاح الكبير، ويضاف لكل هذا تبني الأتراك تدريب وتأهيل الجيش السوري. أما عن المستقبل فكل المؤشرات ترى استمرار النفوذ التركي عبر مشاريع إعادة الإعمار والتعاون العسكري، مع احتمال أن يتحول إلى صيغة “احتلال مقنّع” إذا لم تُعالج التوازنات الإقليمية.
ختاما:
يظهر الدور التركي في سوريا اليوم كمزيج من الدعم والهيمنة. تركيا تسعى لتثبيت نفوذها عبر أدوات دبلوماسية كالسفارات، وعسكرية سواء بالمناورات والزيارات للوفود العسكرية، كما الجانب الاقتصادي سواء باستمرار التعامل بالليرة والتجارة الكبيرة مع تركيا وحركة الاستيراد القوية، ما يجعلها فاعل أساسي في صياغة مستقبل سوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top