في ربيع عام 2011، وفي قاعة مليئة بمراسلي البيت الأبيض، كان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما يقف على المنصة ليلقي نكاته الساخرة على أحد الحضور، والذي كان تقليداً لمثل هذه الحفلات، بينما كانت الكاميرات تتسلط على وجه ذلك الرجل الأصفر بملامح متصلبة وابتسامة باهتة حاول اصطناعها لإخفاء غضبه، كان ذلك الرجل دونالد ترامب.
في تلك الليلة الظلماء على ترامب، حوَّل أوباما ملياردير نيويورك إلى مادة للسخرية والضحك أمام عِلِّيَّةِ القومِ في واشنطن، ساخراً من اهتمامات ترامب بـ “نظريات المؤامرة” ومن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية، تصاعدت الضحكات الساخرة من ترامب، ولكن شخصيته النرجسية حولت الموقف من سخرية سياسية إلى انتقام تاريخي صامت.
لم تكن تلك مجرد حفلة عشاء ساخرة، بل كانت لحظة الولادة الحقيقية لنسخة ترامب “السياسي الغاضب”، قرر الرجل يومها ألا يكتفي بمشاهدة اللعبة، بل أن يدخل الملعب ويمزق قواعده، وهو ما لم يكن في حسابات أوباما والحزب الديمقراطي.
اليوم، وبعد سنوات من تلك الضحكات، لم يعد ترامب رجل أعمال يبحث عن القبول في صالونات واشنطن، بل جعل العالم بأسره يستيقظ كل صباح متسائلاً بنصف عين قلقة: كيف كان مزاج دونالد ترامب البارحة؟ لقد تحولت السخرية إلى سلطة، وأصبحت مزاجية ذلك الرجل تتحكم بمصير الكوكب.
الجذور والبدايات:
ولد ترامب عام 1946 في نيويورك لعائلة محافظة وثرية نسبياً، والده فريد ترامب كان مطوراً عقارياً للمشاريع العقارية، ولكن ترامب كان طفلاً عنيداً ومشاكساً، ما دفع والده إلى إرساله إلى أكاديمية نيويورك العسكرية لتعلم الانضباط، ليتخرج لاحقاً من كلية “وارتون” لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا عام 1968، ولكنه بشخصيته هذه لم يقبل بعقلية والده التجارية، فأحدث وثبة كبرى في السبعينيات بالانتقال من أطراف نيويورك إلى قلبها النابض بالثراء والأرستقراطية “مانهاتن”، ببناء ناطحات سحاب زجاجية براقة تحمل اسمه بالخط العريض، فقام بتحويل فندق “كومودور” المتهالك إلى تحفة زجاجية، مستفيداً من قدراته ي التفاوض، ثم ببناء برج ترامب الفاخر ليصبح هذه البرج رمزاً للثراء في الثمانينات من القرن الماضي، ومقراً لإمبراطوريته الخاصة.
واجه ترامب أزمات مالية طاحنة لشركاته في التسعينيات، ولكنه استطاع بذكاء ربط انهياره بانهيار البنوك الدائنة، ما دفعهم إلى إعادة جدولة ديونه ومنحه فرصة ثانية للنهوض.
أدرك ترامب في هذه اللحظة أن الاسم أو الماركة التجارية هو أثمن ما يملك، فبدأ باستراتيجية ترخيص اسمه لشركات ومطورين عقاريين حول العالم مقابل مبالغ طائلة دون أن يدفع دولاراً واحداً، وفي عام 2004 قدم برنامجه الشهير “المتدرب”، ليتحول من مجرد رجل أعمال نيويوركي إلى ملياردير عالمي ناجح.
فن الصفقة أم هواية التخريب؟
إن طبيعة ترامب وطريقة نشأته تكشف الكثير عن هذه الشخصية المعقدة، فعلى عكس الكثير الذين يظنون أنه يتعامل بردات الفعل، أو أنه غير واعٍ لما يقوم به أو يقرره، نجده يعتبر السياسة كصفقة تجارية، يجب أن يكون الرابح فيها على الدوام، فالسياسة لدى ترامب ليست أيديولوجيا ولا مبادئ، بل تفاوض تجاري خشن يعتمد على الضغط حتى اللحظة الأخيرة للحصول على أقل سعر وأكبر مكسب، وهذا ما صرَّح به في كتابه الشهير “فن الصفقة”.
إن ترامب يتبع ما يسمى بسياسة “حافة الهاوية” تجارياً وسياسياً، وهو أن تطلق التصريحات المجنونة لتربط خصومك، ثم تنسحب فجأة لتدفع هذه الخصوم إلى تقديم التنازلات، وهو ما يفسر الكثير من قراراته العشوائية، التي هي أدوات للتفاوض، تمَّ نقلها من دهاليز الأعمال في نيويورك إلى دهاليز السياسة في واشنطن والعالم.
استراتيجية الرجل المجنون:
إن من أهم ما يميز التصرفات البشرية أنها غير قابلة للتنبؤ، ومع تطور علم السياسة والاجتماع وعلم النفس وتطور التفكير السياسي والاستراتيجي لدى الحكومات والدول، أصبح التنبؤ بالمستقبل جزءاً مهماً في قراراتها، من خلال قراءة السياق السياسي والتاريخي وقراءة الفاعلين في هذه الملفات، وهو ما يخلق قدراً من الفهم ومحاولة التنبؤ بالواقع والمستقبل، ولكن ترامب كعادته أراد أن يدخل السياسة من بوابة الأعمال والصفقات التجارية، فهو يتصرف باستراتيجية الرجل المجنون، وهي الاستراتيجية التي طبقها الرئيس الأمريكي نيكسون مع خصومه الدوليين، عبر توظيف السلوك غير المتوقع أو اللاعقلاني بشكل محسوب لتعزيز النفوذ وإرباك الخصوم، ويعود أصل هذه الفكرة إلى كتابات الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي الذي أشار إلى أن “من الحكمة أحياناً محاكاة الجنون”، مما أسس لمبدأ استخدام اللاعقلانية أداةً سياسية، ولكن ترامب تجاوز فكرة مكيافيلي بتحويل كلمة “أحياناً” إلى كلمة “دائماً”.
وهو ما يتخذه ترامب استراتيجية في التعامل مع الدول، بالإضافة إلى استخدام الغموض كقوة، من خلال عدم القدرة على التنبؤ، فالحلفاء يخشون التخلي عنه، والخصوم يخشون استفزازه، لأنه خارج الحسابات التقليدية وكتالوجات السياسة المألوفة.
مفارقة التنبؤ:
إن الكثير من مراكز الدراسات العالمية تحاول اليوم أن تضع حدوداً لشخصية ترامب الجدلية، ولكنها في كل حدث سياسي تَصْطَدِمُ بردود أفعاله الغير متوقعة، وهو ما يؤثر على طبيعة التفاوض والتعاطي مع الحدث السياسي.
فهو من جانب غير قابل للتنبؤ استراتيجياً في القرارات الكبرى والانسحاب من الاتفاقيات والحروب التي تولد فجأة بتغريدة أو تصريح مرتجل، ولا تخضع للمستشارين أو مراكز الأبحاث.
وعلى الجانب الآخر نرى أنه يمكن قراءة ترامب من خلال المحركات النفسية العميقة وهو ما بحثت فيه صحيفة (The Guardian):
الأنا: حيث يسهل توجيهه والسيطرة عليه عبر المديح المفرط والتعظيم.
المال والأرقام: فهو يفهم لغة الأرقام المباشرة، إذا أريته ربحاً مادياً فورياً ستكسب وِدَّه بسرعة.
الانتقام الشخصي: حيث يتحرك بردَّات فعل مباشر ضدَّ أيِّ شخص يقلل من قيمته.
في النهاية، يعلمنا ترامب أن التاريخ لا تصنعه دائماً النظريات السياسية الكبرى أو حكمة الفلاسفة، بل يصنعه أحياناً رجلٌ يرفض وضع ربطة عنق هادئة، يثق بغريزته أكثر من ثقته بملفات المخابرات، ويدير كوكباً بأكمله وكأنه حلقة مثيرة من برنامج “تلفزيون الواقع”.
يتحول العالم في عصر ترامب إلى غابة مليئة بالحذر، حيث يبحث الجميع عن خطط بديلة (خطة ب، وج، ود) تحسباً لتقلب جديد في الطقس السياسي القادم من واشنطن.
إنَّ عالمنا اليوم مستمر في الدوران، ليس بقوة الجاذبية، بل بانتظار التغريدة القادمة!


