Search

من الغموض إلى سيادة الشفافية… كيف تعيد سوريا بناء سيادتها النووية والكيميائية؟

أحمد اللبان: صحفي وباحث في الشؤون السياسية الدولية

لا تكمن الأهمية الاستراتيجية لما يجري في الملفين النووي والكيميائي السوريين في أن دمشق بدأت التخلص من بقايا برامج سرية تركها النظام السابق فحسب، بل في أن الدولة السورية الجديدة بدأت، للمرة الأولى، تحويل أخطر ملفات الماضي إلى أداة لإعادة بناء الدولة وموقعها الدولي، ففي 1 سبتمبر أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها حققت تقدمًا كبيرًا في معالجة القضايا العالقة المتعلقة بالأنشطة النووية السورية غير المعلنة، بعدما حصلت على المعلومات وأتيح لها الوصول إلى مواقع ومواد مرتبطة بالبرنامج السابق، بينما أعلنت سوريا في 3 سبتمبر، بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة، بدء تدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية العائد إلى عهد بشار الأسد، مع التحقق من تدمير 42 قنبلة جوية ومنشآت ومواد أخرى مرتبطة بالبرنامج، ما يحدث إذن ليس عملية تنظيف تقنية لإرث قديم، بل عملية إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة السورية والعالم: من دولة يُشكك في ما تخفيه إلى دولة تجعل الشفافية والتحقق جزءًا من سياستها الرسمية.

وهذه النقلة تزداد أهمية عندما نستعيد طبيعة المشكلة التي تركها النظام السابق، فالملف لم يكن متعلقًا بوجود مواد أو منشآت حساسة فحسب، وإنما بعدم إعلان جميع عناصر البرنامج، ورفض الوصول الكامل، وتضليل المؤسسات الدولية بشأن حجمه وطبيعته، منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكدت في مايو 2026 أن بعثتها، بدعم مباشر من السلطات السورية الحالية، عثرت على ذخائر ومواد كيميائية ووثائق لم تكن معلنة، بينها أنواع من القنابل والصواريخ ارتبطت سابقًا بهجمات كيميائية في اللطامنة وخان شيخون والغوطة، إضافة إلى مواد ومعدات وآلاف الصفحات من الوثائق، ووصفت المنظمة هذه الاكتشافات بأنها تؤكد تقييمها المتكرر منذ 2014 بأن الحكومة السورية السابقة أخفت جانبًا من برنامجها وحاولت تضليل المجتمع الدولي بشأن نطاقه، ومع سقوط النظام البائد في ديسمبر 2024 أصبحت للمرة الأولى إمكانية عملية للوصول إلى كامل الإرث الذي تركه وراءه.

في الملف النووي، كانت الصورة أكثر تعقيدًا، فقد أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقريرها الأخير أن الموقع الذي دمرته إسرائيل في دير الزور عام 2007 كان بالفعل مفاعلًا نوويًا قيد الإنشاء، وأن الأدلة الهندسية التي ظهرت في الموقع، بما فيها بنية تبريد متوافقة مع تصميم مفاعل يستخدم الغاز والغرافيت، تدعم هذا الاستنتاج، كما ربطت الوكالة البرنامج بمنشآت أخرى لإنتاج الوقود وتخزين المواد النووية، وهو ما يعني أن الأمر لم يكن موقعًا معزولًا، وإنما منظومة ذات حلقات مترابطة، والأهم سياسيًا أن الوكالة قالت إن المعلومات والوصول اللذين وفرتهما السلطات السورية الجديدة مكّناها من توضيح وحل الأسئلة المتعلقة بقضايا الضمانات التي بقيت عالقة لسنوات.

وتتضاعف حساسية الملف مع الكشف عن نحو 73 طنًا من اليورانيوم الطبيعي المعدني المرتبط بالمواقع المعنية، بينها نحو 55 طنًا في صورة قضبان وقود، وقد أصبحت هذه المواد خاضعة لإجراءات الاحتواء والمراقبة التابعة للوكالة، لكن الدقة هنا شرط أساسي: وجود اليورانيوم أو وجود مفاعل قيد الإنشاء لا يعني تلقائيًا امتلاك سلاح نووي، كما أن المعلومات المنشورة حتى الآن لا تحسم بصورة نهائية جميع الأسئلة المتعلقة بإعادة معالجة الوقود أو بأي صلة مؤكدة بين البرنامج السابق وجهد تسليح نووي، ولهذا فإن قوة الموقف السوري لا تكمن في المبالغة ولا في الإنكار، بل في السماح للجهة الفنية المختصة باستكمال التحقق والوصول إلى الحقيقة الكاملة.

وهنا تبرز أهمية موقع مرج السلطان في الغوطة الشرقية بريف دمشق، الذي ظهر في التقارير المتخصصة بوصفه منشأة مرتبطة بسلسلة إنتاج الوقود النووي الخاصة بالمشروع السابق، القيمة السياسية لهذا الكشف لا تكمن فقط في معرفة موقع إضافي، وإنما في كشف البنية التي أحاطت بالبرنامج: إنتاج للوقود، وتخزين للمواد، ومنشآت مساندة، وترابط بين مواقع مختلفة، ومع ذلك، فإن بعض الأسئلة الحساسة، ولا سيما المتعلقة بنشاط إعادة المعالجة، وطبيعة التعاون الخارجي، وما إذا كانت هناك خطوات مرتبطة بالتسليح، لا تزال بحاجة إلى مزيد من المعلومات والتحقق، ومثل هذه الحدود ليست ثغرة في الموقف السوري، بل دليل على أن الملف ما زال علميًا وقانونيًا مفتوحًا في بعض تفاصيله، وأن تحويل الاستنتاجات غير المكتملة إلى «حقائق نهائية» سيضر بمصداقية الدولة أكثر مما يخدمها.

لكن ما يجعل اللحظة أكثر أهمية هو أن دمشق لم تتعامل مع التعاون النووي باعتباره عملية تفكيك للماضي فقط، بل وضعت منذ أغسطس إطارًا مختلفًا للمستقبل، ففي 18 أغسطس أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني، في مؤتمر صحفي بدمشق مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، حق سوريا في امتلاك برنامج نووي سلمي والاستفادة من تطبيقاته، مع التشديد على التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والتنفيذ الكامل لاتفاق الضمانات، كما أعلن أن سوريا بادرت بإطلاع الوكالة على قضايا الأنشطة النووية السابقة، وسمحت بالوصول إلى موقع في دير الزور بعد أكثر من 18 عامًا من إغلاقه أمام الوكالة، هذه ليست فقرة بروتوكولية؛ إنها في الحقيقة جوهر العقيدة السورية الجديدة في هذا الملف.

المعادلة التي تطرحها دمشق هنا بالغة الأهمية: إغلاق البرنامج السري السابق لا يعني إغلاق المستقبل النووي السوري، فسوريا تقول عمليًا إنها مستعدة للتعاون في كشف إرث النظام السابق وإخضاع المواد للضمانات، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تتحول هذه العملية إلى تنازل دائم عن حقها في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية، وبهذا تنتقل القضية من سؤال «هل تملك سوريا برنامجًا نوويًا؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «أي برنامج نووي تريد سوريا أن تبني، وتحت أي قواعد، ولأي أغراض؟»، والجواب الذي بدأت دمشق في صياغته هو برنامج معلن ومدني، مرتبط بالطاقة والصحة وإدارة المياه والبحث العلمي، وتحت رقابة وضمانات دولية، غروسي نفسه أشار إلى إمكانية إقامة شراكات دولية جديدة مع سوريا في مجال الطاقة النووية، وإلى ارتباط التكنولوجيا النووية المستقبلية السورية بالطاقة والصحة وإدارة المياه.

ومن منظور المصلحة السورية العليا، هذه النقلة يجب أن تُعامل باعتبارها مكسبًا، لا تنازلًا، فالدولة التي تفتح ملفاتها الحساسة وتخضعها للتحقق لا تفقد السيادة بالضرورة؛ بل تستطيع، إذا أدارت العملية جيدًا، أن تحصل في المقابل على شيء أهم وهي شرعية أقوى لممارسة حقوقها العلمية والتكنولوجية المشروعة، المعادلة الذكية التي يظهر لأن سوريا تسير عليها: الشفافية في ما ورثته، والضمانات فيما تديره اليوم، وحقها في التكنولوجيا السلمية فيما تبنيه غدًا، بهذه الصيغة يصبح التعاون مع الوكالة وسيلة لتثبيت الحقوق، لا وسيلة لتجميدها.

وهذا هو الفارق بين الرقابة والتبعية، التبعية تعني أن جهة خارجية تحدد لسوريا ما الذي يجوز أن تمتلكه وما الذي لا يجوز لها أن تعرفه أو تطوره، أما التعاون المؤسسي فيعني أن سوريا تلتزم بقواعد دولية محددة، وتحتفظ في الوقت نفسه بحقها في استخدام التكنولوجيا المسموح بها دوليًا، ولذلك فإن موقف الشيباني يجب ألا يقرأ بوصفه دفاعًا عن «النووي» في مواجهة المجتمع الدولي، وإنما بوصفه محاولة لوضع حد سياسي واضح بين النووي السري الذي ورثته الدولة والنووي السلمي الذي تطمح الدولة إلى بنائه، وهذا حد بالغ الأهمية في صياغة صورة سوريا الجديدة.

في المقابل، يأتي الملف الكيميائي باعتباره اختبارًا أكثر مباشرة لقدرة الدولة على إنهاء إرث أمني وعسكري شديد الحساسية، ففي مايو حددت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكثر من 100 موقع محتمل الصلة بالبرنامج السابق، وبدأت بالتعاون مع السلطات الجديدة إعطاء الأولوية للمواقع الأعلى أهمية، وفي سبتمبر تم التحقق من التدمير الفعلي لـ42 قنبلة جوية، في أول عملية من هذا النوع يجري التحقق منها منذ 2014، وقد أكدت المنظمة أن المهمة المقبلة لا تقتصر على التدمير، وإنما تشمل إعداد إعلان سوري كامل ودقيق، ومواصلة تحديد كل العناصر المتبقية، ثم التخلص منها بصورة نهائية وتحت التحقق الدولي.

وهنا تظهر المغنمة السياسية الكبرى: سوريا تستطيع أن تبني لأول مرة سجلًا جديدًا للسلوك الدولي، فبدل أن تكون القضية دائمًا «ماذا أخفت دمشق؟»، يصبح السؤال تدريجيًا «ماذا قدمت دمشق للتحقق؟»، هذا التغيير في طبيعة السؤال مهم جدًا، فالشرعية الدولية لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما بالأفعال التي تستطيع المؤسسات المستقلة قياسها والتحقق منها، وكلما تحولت الشفافية إلى ممارسة مؤسسية متكررة، تقلصت المساحة التي يستطيع فيها الآخرون استخدام إرث النظام السابق لتفسير الدولة السورية الحالية كلها.

ومن هنا تأتي صلة هذا الملف بالاقتصاد أيضًا، إن المستثمر الدولي لا يقرأ الملف النووي والكيميائي بوصفه قضية أسلحة فقط؛ بل يراه ضمن سؤال أوسع عن استقرار مؤسسات الدولة، وإمكانية التنبؤ بسلوكها، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وأمن منشآتها، وتماسك نظامها القانوني، وقد أقدمت سوريا في الأشهر الأخيرة على خطوات أخرى في هذا الاتجاه، من استعادة حقوقها وامتيازاتها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بعد تعليقها منذ 2021 إلى زيادة التعاون مع المؤسسات الدولية، إن جمع هذه الملفات مع إعادة الانفتاح المالي والاستثماري يمنح دمشق فرصة لتقديم صورة واحدة متماسكة: دولة تعيد بناء مؤسساتها من الداخل، وتصبح أكثر قابلية للاندماج في النظام الدولي من دون التخلي عن مصالحها الأساسية.

لكن الواقعية السياسية تفرض على سوريا ألّا تدخل هذه العملية من موقع المتلقي، السؤال الأهم ليس فقط ماذا تريد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من دمشق، بل ماذا تستطيع دمشق أن تحصل عليه مقابل هذا التعاون، وهنا يجب تحويل التعاون إلى أداة تفاوضية بعيدة المدى: تدريب الكوادر السورية، تطوير مؤسسات الرقابة الوطنية، دعم التطبيقات الطبية والزراعية والصناعية، بناء قدرات إدارة المياه، إدخال سوريا تدريجيًا إلى برامج البحث العلمي الدولية، وربط الانفتاح النووي المدني بإعادة إدماج الدولة السورية في الاقتصاد والتكنولوجيا العالميين، فإذا قدمت دمشق شفافية كاملة، ثم بقيت محاصرة علميًا وسياسيًا كما كانت، تكون قد أدت الجانب الأصعب من المعادلة دون الحصول على المقابل الاستراتيجي الذي تستحقه.

وهذه المساومة لا تعني المقايضة السرية أو التفاوض خارج القانون، وإنما تعني أن سوريا يجب أن تتعامل مع التزاماتها الدولية باعتبارها أصولًا تفاوضية، فالدولة القادرة على إثبات التزامها يمكنها أن تطالب بثقة أكبر بفتح أبواب التعاون العلمي والاقتصادي، وكلما نجحت في إغلاق الملف الكيميائي والتحقق من ملفها النووي، أصبح من المنطقي أن ترتفع مطالبتها بالانتقال من علاقة «رقابة على سوريا» إلى علاقة «شراكة مع سوريا».

لكن هناك مغارم لا ينبغي التقليل منها، ففتح الملفات القديمة قد يؤدي إلى العثور على وثائق وأسماء ومسؤوليات لم تكن معروفة، وقد يفرض على الدولة الجديدة أسئلة قانونية وسياسية حساسة حول الأشخاص والمؤسسات التي شاركت في البرامج السابقة، وهنا يكون الخيار الواقعي هو الفصل الدقيق بين مسؤولية النظام ومسؤولية الدولة، وتتضاعف أهمية هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بما يثار حول التعاون الخارجي في البرنامج النووي السابق، ولا سيما ما يتصل بكوريا الشمالية، التقارير المتخصصة تطرح أسئلة جدية حول طبيعة هذا التعاون وحجمه، لكن التفاصيل الكاملة لا تزال تحتاج إلى استكمال التحقق، ومن الأفضل لسوريا أن تتمسك بهذا المنهج: لا إنكار سياسي لما لم يُحسم فنيًا، ولا اعتراف بما لم تثبته الأدلة، القوة هنا في ترك التحقيق العلمي يصل إلى نتيجته، ثم بناء الموقف الرسمي عليها.

ويبقى العامل الإسرائيلي الأكثر تعقيدًا في الصورة، إسرائيل هي التي دمرت منشأة دير الزور عام 2007، وهي في الوقت نفسه لاعب عسكري نشط داخل البيئة السورية الحالية، وقد انتقدت دمشق الضربات الإسرائيلية المتكررة باعتبارها انتهاكًا للسيادة، بينما يحتاج العمل الدولي داخل سوريا إلى بيئة آمنة تسمح للمفتشين والخبراء بإجراء مهماتهم، هذا يضع الدولة السورية أمام مفارقة استراتيجية: عليها أن تكون شفافة تجاه المجتمع الدولي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى استعادة سيادتها الميدانية بما يكفي لحماية منشآتها والعاملين فيها، أو على الأقل استجلاب ضمانات دولية لكف انتهاكات إسرائيل في سوريا، ومن هنا فإن معالجة الملف النووي والكيميائي لا يمكن فصلها عن مسألة أوسع هي استعادة قدرة الدولة على حماية ما يقع تحت مسؤوليتها، فسيادة بلا قدرة حماية ناقصة، ورقابة بلا بيئة آمنة غير مكتملة.

ومن منظور الأمن القومي السوري، هذه المرحلة تتيح تصحيح مفهوم القوة نفسه، النظام السابق حاول أن يجعل الغموض والسرية أدوات للقوة، لكنه ترك في المقابل دولة تعاني من الشك الدولي والعزلة والقيود والعقوبات، سوريا الجديدة تحتاج إلى قوة مختلفة: معرفة مؤسسية، رقابة وطنية، أجهزة قادرة على ضبط المواد الحساسة، قضاء قادر على المحاسبة، وشراكات دولية لا تنتقص من القرار السيادي، وهذا هو معنى الانتقال من سيادة السرية إلى قوة السيادة؛ أي أن الدولة لا تحتاج إلى إخفاء كل شيء كي تحمي مصالحها، بل تحتاج إلى أن تعرف ما لديها، وما تلتزم به، وكيف تستخدم ما تسمح به القوانين الدولية لخدمة أمنها وتنميتها.

بل إن إغلاق الملف الكيميائي ينبغي أن يكون مدخلًا لبناء منظومة وطنية حديثة لإدارة المواد الكيميائية الخطرة، وربطها بنظام أقوى للسلامة الصناعية والدفاع المدني والتعامل مع المواد ذات الاستخدام المزدوج، ومن المهم هنا أن المهمة الحالية للمنظمة لا تنتهي بتدمير المخلفات، بل تشمل إنشاء جرد كامل ودقيق وبناء خطط للتدمير أو تحويله للاستخدام السلمي، فيما تشارك عشرات الجهات السورية، من الدفاع والداخلية والطب والفرق المختصة بالمواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمتفجرات، وهذا في ذاته جزء من بناء قدرة مؤسساتية كانت الدولة السورية تفتقر إليها أو تستخدمها في إطار أمني مغلق.

أما الملف النووي فيمكن أن يصبح، إذا أحسن إدارته، إحدى بوابات إعادة بناء القطاع العلمي السوري، فسوريا الخارجة من الحرب تحتاج إلى الطب النووي، والتشخيص والعلاج الإشعاعي، واستخدام النظائر في الزراعة والصناعة، وتطوير تقنيات المياه، وتحديث التعليم والبحث العلمي، وقد تحتاج على المدى الأبعد إلى دراسة خيارات الطاقة النووية المدنية ضمن معايير اقتصادية وأمنية صارمة، لذلك فإن إغلاق البرنامج السري لا ينبغي أن يعني إغلاق الباب أمام العلم النووي، بل العكس: تحويل النووي من ملف أمني سري إلى مجال علمي مدني مؤسسي.

وهنا يصبح تصريح الشيباني أكثر أهمية مما يبدو في ظاهره، عندما تؤكد دمشق حقها في برنامج نووي سلمي بالتوازي مع الالتزام بالضمانات، فهي ترسم ملامح السياسة التي يجب أن تحكم هذا الملف لسنوات قادمة: لا سلاح نووي، ولا نشاط سري خارج الالتزامات، لكن أيضًا لا قبول بتحويل سوريا إلى دولة محرومة من التكنولوجيا النووية المدنية لمجرد أن النظام السابق أساء استخدام مؤسسات الدولة، هذه ليست ازدواجية؛ إنها إعادة بناء للحق السوري على أساس قانوني ومؤسسي مختلف.

ويمكن لدمشق أن تذهب أبعد من ذلك، فتطرح رؤية وطنية للعلوم والتكنولوجيا يكون فيها القطاع النووي السلمي جزءًا من مشروع تنموي أشمل، لا مشروعًا قائمًا بذاته، فالدولة التي تريد استعادة دورها الإقليمي تحتاج إلى جامعات ومختبرات وباحثين وأطباء ومهندسين ومؤسسات تشريعية ورقابية، وهذا يلتقي مباشرة مع قاعدة مركزية في بناء سوريا الجديدة: القوة العلمية جزء من الأمن القومي، والدولة التي لا تنتج المعرفة ستظل مضطرة إلى شراء القوة من الخارج.

ومن زاوية سياسية أوسع، فإن إغلاق الملفين يحقق شيئًا آخر بالغ الأهمية: يسمح لسوريا بإعادة فصل نفسها عن أنظمة الردع والتهديد والسرية التي طبعت المرحلة السابقة، من دون أن تتخلى عن عناصر القوة التي يمكن أن تبنيها بصورة مشروعة، فسوريا ليست مطالبة بأن تكون دولة منزوعة القدرة العلمية أو التقنية؛ المطلوب أن تكون دولة مؤسسات تمتلك المعرفة وتستخدمها ضمن القانون، وهذه هي الصيغة التي تجمع بين السيادة والانفتاح، وبين الاستقلال والتعاون، وبين المصلحة الوطنية والالتزام الدولي.

إذا نجحت دمشق في الوصول بالملف الكيميائي إلى إعلان كامل وتدمير نهائي قابل للتحقق أو تحويله للاستخدام السلمي، واستطاعت مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إغلاق الأسئلة العالقة مع استمرار الرقابة والضمانات، ثم انتقلت من ذلك إلى بناء برنامج علمي نووي سلمي ومؤسسات وطنية قوية، فإنها تكون قد حققت أكثر من تسوية إرث النظام السابق، ستكون قد بنت سابقة تقول فيها إن الدولة الجديدة لا تحمي ماضيها من التحقيق، ولا تسمح في الوقت نفسه لماضيها بأن يحكم مستقبلها.

وهنا تحديدًا تظهر المصلحة السورية العليا، المكسب ليس أن تتخلص سوريا من النووي والكيميائي، وإنما أن تتخلص من الغموض الذي أحاط بهما، وأن تحول التخلص من السلاح المحظور إلى استعادة للثقة، واستعادة الثقة إلى انفتاح علمي واقتصادي، والانفتاح إلى استقلال استراتيجي، أما المغرم فهو أن تفتح الدولة ملفات مؤلمة من دون أن تمتلك مؤسسات قضائية وعلمية قادرة على استيعاب آثارها، أو أن تقدم التعاون الدولي بلا مقابل سياسي واقتصادي وعلمي واضح، لذلك يجب أن تسير الشفافية والعدالة والتفاوض في مسار واحد، في النهاية، لا تحتاج سوريا الجديدة إلى أن تقول للعالم إنها مختلفة عن النظام السابق؛ فهي تثبت ذلك بالوثيقة والموقع المفتوح والمواد المعلنة والتحقق الدولي والتدمير القابل للإثبات والمؤسسات القادرة على المحاسبة، وعليها في الوقت نفسه أن تقول شيئًا لا يقل أهمية: إن التخلص من إرث النظام لا يعني التخلي عن حق سوريا في أن تكون دولة علمية وتكنولوجية متقدمة.

وهكذا يمكن أن يصبح ما بدا لعقود مصدرًا للخوف والشك أحد مفاتيح بناء سوريا الجديدة: من سيادة السرية إلى قوة السيادة، ومن إرث النظام إلى مسؤولية الدولة، ومن البرنامج الخفي إلى العلم المعلن، ومن طلب الثقة إلى إنتاجها، ومن دولة يُبحث داخلها عن الأسرار إلى دولة تجعل مؤسساتها وحقوقها والتزاماتها معروفة للجميع. وعندما تبلغ دمشق هذه المرحلة، لن يكون أعظم انتصار لها أنها أغلقت ملفين شديدي الحساسية، بل أنها استخدمت إغلاقهما لإثبات أن سوريا لم تعد دولة ترث إرث نظامها، وإنما دولة تملك القدرة على إدارة ماضيها وصناعة مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top