Search

السكن… حق إنساني أم ترسيخ للطبقية؟

بعد أربعة عشر عامًا من التهجير والقمع والنزوح وفقدان الأمان أعاد التحرير الأمل وجعل ما كان يبدو مستحيلًا أقرب إلى الممكن. تنفس السوريون الصعداء وعادت إليهم أحلام العيش الكريم والاستقرار والتخلص من عبء النزوح والتنقل المستمر. لكن هذه الأحلام سرعان ما اصطدمت بمشهد مشاريع سكنية فاخرة تعد الأثرياء والمغتربين بمساكن تضاهي النماذج العالمية رفاهية وتمنحهم في الوقت ذاته شعورًا بالعزلة الاختيارية خلف الأسوار والبوابات والحراسة والكاميرات.

ويتجسد هذا المشهد في عدة مشاريع يتم الاعلان عنها تباعا وقد يكون مشروع أبيات هيلز في ضاحية قدسيا و المجاور مباشرةً للسكن الشبابي الشعبي مثالا لاحدها… حيث لا يفصل المشروعين سوى سور إسمنتي لا يتجاوز عشرين سنتيمترًا بينما تفصل بينهما سنوات ضوئيه بمستوى الخدمات وجودة الحياة. هنا لا يطرح المشهد سؤالًا عمرانيًا فحسب بل سؤالًا اجتماعيًا وأخلاقيًا: ماهي رؤيتنا لسوريا الجديدة وما هو النموذج التخطيطي والعمراني والاجتماعي الذي نسعى اليه؟
قبل إصدار الأحكام، لا بد من العودة إلى أصل الفكرة نفسها. ما هي المجتمعات السكنية المغلقة؟ ولماذا ظهرت؟
لم تنشأ هذه المجتمعات بوصفها رمزًا للترف فقط، بل ظهرت في الولايات المتحدة ثم انتشرت في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا استجابةً لمخاوف تتعلق بالأمن وارتفاع معدلات الجريمة ورغبة بعض السكان في العيش ضمن بيئة أكثر تنظيمًا وخصوصية. وتشير دراسات التخطيط الحضري إلى أنها تحقق مزايا حقيقية مثل تحسين إدارة المرافق ورفع مستوى الأمن وتوفير خدمات مشتركة ومساحات عامة ذات جودة مرتفعة.
لكن الوجه الآخر للصورة قد يكون اكثر قتامة. فمعظم أدبيات التخطيط الحضري تحذر من أن نجاح هذه المجتمعات داخليًا قد يقابله أثر سلبي على المدينة ككل. فالأسوار لا تعزل الأبنية فقط بل قد تعزل الفئات الاجتماعية أيضًا،وتكرس ما يعرف “بالفرز المكاني” حيث يصبح الدخل هو العامل الذي يحدد مكان السكن ونوعية الخدمات وحتى فرص الاحتكاك بين أفراد المجتمع. وترى الباحثة الأمريكية سيثا لو (Setha Low) أن انتشار المجتمعات السكنية المغلقة يؤدي إلى تعميق الانقسام الاجتماعي وإضعاف الثقة بين المواطنين.
وبالعودة الى السياق السوري خاصة بعد التحرير نرى انه يختلف عن كثير من دول العالم. ففي الدول المستقرة تنشأ هذه المشاريع عادة إلى جانب منظومة واسعة من الإسكان الاجتماعي والإسكان المتوسط فتكون خيارًا إضافيًا لا بديلاً عن حق السكن. أما في سوريا وبعد سنوات الحرب والنزوح وفي ظل حاجة ملايين السوريين إلى سكن لائق وآمن فإن إعطاء الأولوية لمشاريع تستهدف الشرائح الأعلى دخلا قد يبعث برسالة اجتماعيه مخيفه مفادها ان المستحق هو من يستطيع الدفع وشراء الامتيازات…بينما يتم اقصاء المتضرر الحقيقي فاقد السكن.
إن المشكلةفي رأيي ليست في وجود مشاريع سكنية فاخرة فالاقتصاد يحتاج إلى الاستثمار. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا النموذج هو الصورة الأبرز لإعادة الإعمار بينما يبقى السكن الميسر غائبًا أو مؤجلًا رغم أنه يمثل الاحتياج الأكثر إلحاحًا.
هنا سنسمع اصوتا تقول إن الاقتصاد السوري اليوم يحتاج إلى تدفق رؤوس الأموال وإن هذه المشاريع قادرة على خلق فرص عمل وتحريك قطاع الإنشاءات وعشرات الصناعات المرتبطة به. وهذا صحيح إلى حد كبيرفالبنك الدولي يؤكد أن قطاع البناء يعد من أهم محركات التعافي الاقتصادي بعد الحروب لما يولده من فرص عمل وآثار اقتصادية تمتد إلى قطاعات أخرى.
لكن تجارب الدول التي خرجت من الحروب تؤكد أن الاستثمار العقاري لا ينجح عندما يسير في اتجاه واحد. ففي ألمانيا الغربيةوبعد الحرب العالمية الثانية أطلقت الحكومة برنامجًا واسعًا للإسكان الاجتماعي بموجب قانون الإسكان الأول لعام 1950 بهدف إعادة إسكان ملايين الأسرمع إنشاء أحياء متكاملة تضم المدارس والحدائق ووسائل النقل والخدمات باعتبار أن إعادة بناء المجتمع لا تقل أهمية عن إعادة بناء الاقتصاد.
أما مدينة فيينا التي تعد اليوم واحدة من أفضل مدن العالم من حيث جودة الحياة فقد حافظت لعقود على سياسة إسكان ميسر يعيش ضمنها نحو 60% من السكان في مساكن مدعومة أو ذات أسعار منظمة بالتوازي مع استمرار الاستثمار العقاري الخاص.
لذلك فإن سوريا ليست بحاجة إلى الاختيار بين الاستثمار والعدالة الاجتماعية بل إلى الجمع بينهما.
فالاستثمار الحقيقي لا يقاس بالمشاريع والمنشأت فحسب بل وبقدرته على إعادة كرامه الانسان ومنحه الحق بامتلاك سكن لائق يؤمن الاستقرار الأسري ويرسخ فكره العداله المجتمعيه لا التمايز الطبقي .
في النهايه ليس هدفنا الدفع بعجله الاقتصاد للوراء واغلاق الابواب امام الاستثمارات ورؤوس الاموال ولكن هدفنا مدن عادلة مستدامه تحتضن كافة ابناءها وتحقق اماله وتطلعاته المحقه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top