Search

قراءة في بنود الاتفاق الأميركي–الإيراني وتأثيراته الإقليمية

بقلم: بلال محمد الشيخ

بقلم: أ. بلال محمد الشيخ تفاهم قد يحدّ من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات وفتح مسارات اقتصادية ومالية كانت مغلقة منذ سنوات.

جوهر هذا المسار، كما تعكسه التسريبات والتصريحات المتقاطعة، ليس مجرد اتفاق تقني حول التخصيب أو التفتيش، بل محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وطهران على قاعدة “الاحتواء مقابل المنفعة”، مع إبقاء الملف مفتوحًا على احتمالات النجاح أو التعثر في أي لحظة، وهو ما يجعل الاتفاق المحتمل خطوة حساسة قد توقف التصعيد وتمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، لكنها في الوقت نفسه قد تثير اعتراضات داخلية أميركية وإقليمية، لأن كثيرين سيرونها تسوية غير مكتملة ما لم تشمل البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي الإيراني وآليات تحقق صارمة لا تسمح بالمناورة.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن البنية الأساسية لأي اتفاق مرتقب تقوم على ثلاث ركائز مترابطة: أولها التزام إيراني واضح بوقف أي مسار يقود إلى امتلاك سلاح نووي، عبر تقليص مستويات التخصيب، وتقييد أجهزة الطرد المركزي، وتوسيع نطاق الرقابة الدولية على المنشآت النووية؛ وثانيها رفع متدرج أو مشروط للعقوبات الأميركية، بما يشمل تحرير جزء من الأصول الإيرانية المجمدة وتخفيف القيود على النفط والبتروكيماويات والمعاملات المالية؛ وثالثها ترتيبات سياسية وأمنية تمنع الانفجار، من بينها التهدئة في الخليج وتجنب خطوات عسكرية أو بحرية استفزازية في المناطق الحساسة.

وبحسب ما نُشر في تقارير عربية ودولية خلال الأسابيع الأخيرة، فإن الحديث لم يعد يدور فقط حول “صفقة نووية”، بل حول إطار أوسع قد يشمل إعادة فتح قنوات التجارة والطاقة والنقل البحري، وهو ما يفسر لماذا يُنظر إلى الملف باعتباره اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي وأمني، غير أن أي صيغة من هذا النوع ستبقى مرتبطة بآلية تنفيذ دقيقة، لأن التجربة السابقة أظهرت أن الثقة بين الطرفين ضعيفة، وأن أي ثغرة في آلية التحقق قد تتحول سريعًا إلى أزمة جديدة، لذلك فإن العامل الحاسم لن يكون النص المكتوب وحده، بل طريقة التطبيق، والجهة التي ستراقب، والجدول الزمني، وما إذا كانت كل خطوة إيرانية ستقابلها خطوة أميركية مقابلة من دون تأخير أو تراجع.

اقتصاديًا، يحمل الاتفاق المحتمل آثارًا مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الإقليمية. أي تهدئة دائمة أو شبه دائمة في ملف الخليج ستخفف منسوب الخوف في أسواق النفط، خصوصًا إذا ارتبطت بطمأنة حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر لا يمكن تجاهل أثره على تدفق الإمدادات العالمية.

كذلك فإن عودة إيران، ولو تدريجيًا، إلى السوق النفطية ستعيد تشكيل التوازنات بين المنتجين، وقد تمنح طهران موارد مالية إضافية تستخدمها في إعادة بناء اقتصاد أنهكته العقوبات والتضخم وتراجع الاستثمار الخارجي. وفي المقابل، فإن رفع القيود عن التحويلات المالية والتعاملات المصرفية قد يفتح الباب أمام شركات في مجالات الطاقة والنقل والبتروكيماويات والمواد الأولية لإعادة دراسة السوق الإيرانية، لكن هذا الانفتاح لن يكون فوريًا أو كاملًا إذا ظل الاتفاق محاطًا بالشكوك القانونية والسياسية، كما أن أي انفراج حقيقي سيؤدي على الأرجح إلى زيادة الحركة بين إيران وبعض الأسواق الآسيوية والأوروبية، مع بقاء الشركات الكبرى حذرة من العودة السريعة ما لم تضمن أن العقوبات لن تعود بفعل تغير سياسي في واشنطن أو أزمة جديدة في الإقليم.

سياسيًا، يمنح الاتفاق ترامب فرصة لتقديم إنجاز من النوع الذي يفضله: صفقة كبيرة تُترجم داخليًا على أنها منع لحرب مكلفة من دون التورط في التزامات عسكرية مفتوحة. وفي المقابل، تمنح طهران نفسها مخرجًا من ضغط اقتصادي خانق، وتظهر أمام الداخل والخارج كطرف استطاع فرض نفسه على طاولة التفاوض رغم سنوات العزل والعقوبات.

لكن هذا المكسب السياسي لا يلغي حجم المخاطر، فهناك في واشنطن من سيعتبر أي تخفيف واسع للعقوبات تنازلًا مبكرًا، وهناك في المنطقة من سيخشى أن يؤدي أي انفراج اقتصادي إلى تعزيز نفوذ إيران بدل الحد منه، كما أن إسرائيل وبعض العواصم الخليجية ستراقب بدقة ما إذا كان الاتفاق يعالج أصل المشكلة أم يكتفي بتجميدها مؤقتًا، لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تفاهم لن تقاس فقط بقدرته على خفض التوتر في لحظة التوقيع، بل بقدرته على الصمود أمام اختبار الزمن، وعلى تحويل الهدوء المؤقت إلى استقرار نسبي قابل للاستمرار.

وفي هذا السياق، يتضح أن الاتفاق لا يذهب نحو إنهاء الدور الإقليمي لإيران، بل يعيد تنظيمه بما يسمح باستمراره ضمن حدود يمكن لواشنطن إدارتها.

فإيران، التي رسخت نفسها خلال العقدين الماضيين كقوة قادرة على التأثير في أمن الخليج، لا تبدو بصدد التخلي عن أدواتها التقليدية في الضغط والتخويف، سواء عبر شبكات سياسية أو أذرع أمنية، وهو ما يعني أن دول الخليج ستبقى مضطرة للتعامل مع واقع إقليمي لا يزال فيه النفوذ الإيراني عنصرًا ثابتًا.

وعلى المنوال ذاته، لا يتضمن الاتفاق أي معالجة جذرية للوجود الإيراني في بغداد، حيث بقيت الإشارة إلى “خفض التوتر الإقليمي” صيغة عامة لا تمس جوهر النفوذ الإيراني في مؤسسات الدولة العراقية.

فالعراق، الذي يشكل أحد أهم مسارح التأثير الإيراني، لم يحصل ضمن هذا المسار على ضمانات تتيح له تشكيل حكومة مستقلة بالكامل أو تحييد الميليشيات المرتبطة بطهران، بل بقي جزءًا من معادلة التفاهم الأكبر بين واشنطن وطهران، ما يعني أن بغداد ستظل ساحة نفوذ مفتوحة، وأن أي حكومة عراقية مقبلة ستبقى محكومة بميزان القوى الذي فرضته طهران منذ سنوات.

أما في الجنوب اللبناني، فإن الاتفاق لا يقترب من مسألة تفكيك سلاح حزب الله، بل يكتفي بربط وقف إطلاق النار بآليات مراقبة محدودة لا تمس جوهر القوة العسكرية للحزب، ما يعني أن الحزب سيبقى أداة استراتيجية بيد إيران، قادرة على التأثير في أمن إسرائيل وفي حسابات واشنطن الإقليمية.

وهكذا، يبقى الجنوب ساحة نفوذ إيراني غير مباشر، ويظل سلاح الحزب عنصرًا ثابتًا في معادلة الردع، لا يبدو أن الاتفاق يسعى إلى تغييره أو الحد منه، بل يكتفي بإدارة مخاطره ضمن حدود تمنع الانفجار ولا تلغي أسبابه.

وعند جمع هذه المسارات الثلاثة يتضح أن الاتفاق لا يحقق الأهداف التي رُوّج لها عند اندلاع الحرب، والتي قيل إنها تهدف إلى “تحجيم إيران” أو “إعادتها داخل حدودها”. فالمقاصد المعلنة للحرب، سواء كانت وقف التمدد الإيراني أو تفكيك شبكات النفوذ أو إعادة تشكيل الإقليم، لم تتحقق فعليًا.
ما تحقق هو إعادة ترتيب قواعد الاشتباك، وتثبيت خطوط تماس جديدة، وتخفيف مستوى التوتر بما يسمح بعودة الملاحة والنفط إلى وضع أكثر استقرارًا. أما البنية العميقة لنفوذ إيران—في الخليج، في العراق، وفي لبنان—فقد بقيت على حالها، بل ربما ازدادت رسوخًا بفعل الاعتراف الأميركي الضمني بضرورة التعامل مع طهران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وهو ما يجعل السؤال مشروعًا: هل كانت الحرب وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية، أم مجرد مرحلة انتهت إلى إعادة إنتاج المشهد ذاته بصيغة أكثر تنظيمًا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top