تموضع سوريا الجديد في مشهد الشرق الأوسط المتغير
تمر منطقة الشرق الأوسط بواحدة من أكثر المراحل حساسية، ليس بسبب الحروب بل بما يأتي بعد الحرب، فالنظام الإقليمي الذي حكم المنطقة لعقود يتعرض لعملية تفكيك وإعادة تركيب متسارعة، وما يبدو للكثيرين سلسلة أزمات متفرقة في لبنان وسوريا وإيران وغزة ومصر وشرق المتوسط، يمكن قراءته ضمن إطار أوسع يتمثل في ولادة توازنات جديدة لم تستقر بعد، وانحسار توازنات قديمة استنفدت قدرتها على البقاء، وفي قلب هذه التحولات تبرز سوريا مجدداً بوصفها إحدى أهم العقد الجيوسياسية في المنطقة، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، بل لأنها تحولت من ساحة صراع إلى عنصر فاعل في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها.
خلال السنوات الماضية انشغل العالم بالسؤال حول مستقبل الدولة السورية، أما اليوم فقد بدأ السؤال يتغير تدريجياً نحو مستقبل المنطقة في ظل عودة سوريا إلى مركز الأحداث، فالعواصم الأوروبية تنظر إلى دمشق باعتبارها مفتاحاً ضرورياً لاستقرار الشرق الأوسط ومنع موجات الفوضى والهجرة والتطرف من الوصول إلى القارة الأوروبية، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى سوريا ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة بناء منظومة الردع الإقليمي ومواجهة النفوذ الإيراني وترتيب البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، ومحاربة داعش والتنظيمات العابرة للحدود، أما عربياً، فقد بدأت تتشكل قناعة متزايدة بأن استقرار سوريا لم يعد قضية سورية داخلية، بل أصبح جزءاً من أمن النظام العربي نفسه، وأن استمرار ضعف الدولة السورية أو تركها في حالة فراغ استراتيجي سيؤدي إلى نتائج تتجاوز حدودها الوطنية وهو ما سيأثر على دول الجوار والمنطقة العربية بل وبعض الدول الأوربية عبر ملف اللاجئين الذي أثقلها.
وتكمن أهمية سوريا اليوم في أنها الدولة الوحيدة تقريباً التي خرجت من حرب طويلة ومعقدة وهي تحتفظ بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها سياسياً ومؤسسياً، لذلك فإن الإدارة السورية الجديدة لا تمثل مجرد سلطة انتقالية أو ترتيبات مؤقتة لما بعد الحرب، بل تمثل محاولة لبناء دولة حديثة بدماء جديدة تشكلت عبر سنوات من الصراع والتجربة والخسائر والتحولات القاسية، فهذه السلطة وصلت إلى الحكم بعد سلسلة طويلة من الاختبارات والمواجهات والتجارب المتراكمة، واستطاعت رغم كل ما مرت به أن تحافظ على تماسك بنيتها الأساسية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات والأخير أبرز ما يجعل الدول ثابتة ومستقرة، ومن هنا تنبع أهمية فهمها باعتبارها مشروع دولة حديثة وفريدة في العصر الحديث يسعى إلى التكيف مع العصر الذي نشأ فيه أكثر من كونه امتداداً حرفياً لصيغ إيديولوجية وسياسية سابقة.
وعند النظر إلى البيئة الجغرافية المحيطة بسوريا، يظهر لبنان بوصفه الحلقة الأكثر التصاقاً بمستقبلها، فالتطورات العسكرية الأخيرة في الجنوب اللبناني، والتغيرات التي أصابت بنية القوى الفاعلة هناك، تدفع باتجاه إعادة تعريف الدور اللبناني في معادلات المنطقة، ووفق هذه الرؤية، فإن لبنان لم يعد يؤدي الوظائف السياسية والأمنية والإقليمية نفسها التي أداها خلال العقود الماضية، كما أن نموذج التوازن الداخلي الذي حكمه لفترات طويلة تعرض لاستنزاف عميق حقيقة، لذلك ينظر بعض المراقبين إلى المرحلة الحالية باعتبارها نهاية مرحلة لبنانية كاملة أكثر من كونها مجرد أزمة عابرة، بما يتضمنه ذلك من تراجع في القدرة على التأثير الإقليمي وفي الدور الذي لعبته بعض القوى المرتبطة بالمحاور الإقليمية.
أما تركيا، فتبدو في هذه المرحلة شريك مصلحة استراتيجي لسوريا، فالتداخل الاقتصادي والجغرافي والأمني بين البلدين، إضافة إلى ملف اللاجئين وإعادة الاستقرار إلى المناطق الحدودية، يجعل المصالح المشتركة أكبر من دوافع الصدام، ورغم استمرار وجود ملفات خلافية معقدة، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن أنقرة ودمشق تمتلكان أسباباً عملية للتعاون أكثر مما تمتلكان أسباباً للمواجهة، وأن البراغماتية السياسية قد تدفع الطرفين نحو تفاهمات أوسع خلال السنوات المقبلة.
وتبقى مصر أحد أكثر الملفات أهمية في إعادة تشكيل التوازنات العربية الجديدة، فالعلاقة بين القاهرة ودمشق لا تتعلق فقط بعلاقات ثنائية بين دولتين، بل ترتبط بمستقبل التوازن العربي نفسه، ومن هذا المنطلق أرى أن التحالف يعيق ويخسر الدولتين بينما التحالف والتعاون بين سوريا ومصر يمثلان مكسباً استراتيجياً للطرفين، نظراً لما يجمعهما من روابط تاريخية وثقافية واجتماعية ولغوية، إضافة إلى وجود تحديات ومصالح إقليمية متقاطعة، كما أن بناء شراكة أعمق بينهما قد يسهم في إعادة ترميم جزء من التوازن العربي الذي تعرض لتآكل كبير خلال العقدين الماضيين.
وفي هذا السياق تبرز تساؤلات السياسيين المصريين حول مدى انسجام التحفظ المصري تجاه الإدارة السورية الجديدة مع المصالح الاستراتيجية طويلة المدى للقاهرة، فهناك من يرى منهم أن المخاوف المرتبطة بتغير العقيدة السياسية السورية أو التحولات التي رافقت صعود السلطة الجديدة تحتاج إلى إعادة تقييم في ضوء السلوك السياسي الفعلي للدولة السورية خلال المرحلة الحالية، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القوى التي تصل إلى السلطة غالباً ما تخضع لمنطق الدولة ومقتضياتها أكثر مما تخضع لمنطلقاتها الأيديولوجية السابقة، ومن هذا المنظور تبدو الإدارة السورية الجديدة أقرب إلى الواقعية السياسية وإدارة المصالح الوطنية منها إلى المشاريع العابرة للحدود.
كما يرى بعض سياسيو مصر أن أي قلق يتعلق بتوازنات الردع العربية ينبغي أن يقود إلى تعزيز العلاقات مع سوريا لا إلى الابتعاد عنها، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة وتراجع بعض عناصر الردع التقليدية، ويستشهدون بأن اتفاقيات السلام التي وقعتها مصر في الماضي لم تؤد إلى تحولها إلى حليف استراتيجي لإسرائيل أو إلى تخليها عن هويتها وموقعها العربي، وبالتالي فإن التحولات السياسية لا تعني بالضرورة تغيراً جذرياً في الثوابت الوطنية أو في النظرة التاريخية للدول إلى نفسها ودورها الإقليمي.
وفي الوقت نفسه تواجه الدولة السورية تحدياً داخلياً لا يقل أهمية عن التحديات الخارجية، وهو ملف له مغانم ومغارم في التفاوضات، فملايين السوريين الموجودين في الخارج باتوا أقرب إلى العودة، سواء بفعل التحولات السياسية داخل سوريا أو نتيجة الضغوط المتزايدة في الدول المضيفة، وهذا يعني أن ملف الإعمار والإسكان وإعادة تأهيل البنية التحتية لم يعد ترفاً سياسياً أو مشروعاً مؤجلاً إلى المستقبل، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار الوطني، فنجاح الدولة في استيعاب العائدين وتأمين شروط حياة مقبولة لهم سيكون عاملاً حاسماً في تثبيت الاستقرار ومنع ظهور أزمات اجتماعية واقتصادية جديدة، وهو ذات الملف التي يحث الدول الأوربية مثل برلين وفرنسا لمساعدة سوريا على التعافي.
أما إيران، فتشكل في هذه القراءة العقدة الأخيرة والأكثر حساسية في المشهد الإقليمي، لأن المشروع الإقليمي الإيراني دخل مرحلة انحسار بعد سنوات طويلة من التمدد، حيث فقد جزءاً مهماً من نفوذه وأدواته التقليدية في عدد من الساحات والعواصم العربية، ويستند هذا التقدير إلى التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وإلى الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية المتزايدة على طهران، لذلك إن إيران انتقلت من مرحلة توسيع النفوذ إلى مرحلة الدفاع عن ما تبقى من كينونت نظامها ومكتسباتها الإقليمية.
وبناء على هذا إن الصراع الدائر حالياً لا يتعلق فقط بإيران نفسها، بل بما سيأتي بعد مرحلة النفوذ الإيراني من ظهور التوازنات فالسؤال المركزي لم يعد ماذا سيحدث لإيران؟ بل كيف ستتم إعادة توزيع موازين القوة في الشرق الأوسط بعد سقوط إيران وتراجع نفوذها؟ ومن هنا تبرز قراءات تعتبر أن عدداً من الدول العربية الكبرى، وفي مقدمتها سوريا ومصر التي قد تصبح أكثر أهمية في الحسابات الإقليمية المقبلة بحكم ثقلها الجغرافي والديموغرافي والسياسي.
ورغم كل مظاهر التصعيد الحالية، فإن المنطقة لم تصل بعد إلى مرحلة الانفجار الشامل، والسبب في ذلك، أن الشرق الأوسط ما يزال يعيش مرحلة بناء التوازنات الجديدة، فالقوى الدولية والإقليمية لم تنته بعد من إعادة تموضعها، كما أن خطوط النفوذ الجديدة لم تستقر بصورة نهائية، لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى فترة انتقالية بين نظام إقليمي يتفكك وآخر لم يكتمل تشكله بعد، وفي مثل هذه التوترات الإقليمية تصبح الدول القادرة على التكيف مع التحولات وصناعة الشراكات الجديدة أكثر قدرة على التأثير في مستقبل المنطقة، وفي هذه المعادلة تبدو سوريا، بحكم موقعها وتجربتها وتحولاتها الأخيرة وانفتاحها الكبير، واحدة من أهم الدول المرشحة للعب دور محوري في رسم ملامح التوازنات القادمة، سواء نجحت المنطقة في عبور المرحلة بسلام أو اتجهت نحو انفجار أوسع يعيد تشكيلها من جديد.


