بعد تحرير سوريا… المثقف بين العودة ومسؤولية البناء
تحررت سوريا. عبارة قصيرة، لكنها تحمل سنوات طويلة من الخوف والقمع والتضحيات.
اليوم، تنهض المدن من تحت الركام، وتبدأ الحياة من جديد. وبعد أشهر من التحرير، لم يعد السؤال كما كان: هل يعود المثقف السوري من منفاه؟ بعضهم عاد فعلًا. عادوا يوقّعون كتبًا كانت ممنوعة، وعادت دور نشر أسّست نفسها في المنفى لتحمل الكتاب إلى بلد يتعطّش للكلمة. وافتُتحت معارض وأُطلقت جوائز أدبية، وعادت الحياة تدبّ في عروق الثقافة السورية شيئًا فشيئًا.
لكن العودة، كما يبدو، ليست نهاية القصة، بل بدايتها.
حين قامت الثورة، وجد كثير من المثقفين أنفسهم مهدَّدين بالاعتقال أو التصفية. اضطروا إلى مغادرة البلاد، وبدأوا حياة جديدة في المنافي، من إسطنبول إلى باريس، ومن عمّان إلى برلين؛ كتبوا عن الثورة، عن المعتقلات، عن القهر، وعن الأمل. لكنهم عاشوا بعيدًا عن الناس، وعن الشارع، وعن الهموم اليومية التي لا يعرفها إلا من عاشها.
المنفى كان قاسيًا، لكنه وفّر شيئًا من الأمان والحرية. ومع مرور السنوات، استقر كثير منهم في أعمال جديدة، وتعلّموا لغات مختلفة، وربّوا أبناءهم في بيئات مختلفة.
الآن وقد تحررت سوريا، تغيّر كل شيء. لم يعد القمع عذرًا للغياب، ولم تعد الكلمة مهدَّدة كما كانت في السابق. لكن ثمة امتحانًا آخر يواجه المثقف اليوم، ربما لم يكن يتوقعه؛ امتحان الحضور الحقيقي في زمن الانتصار.
ومن الخطأ أن ينتظر المثقف أن يُستدعى أو يُكرَّم بعد عودته، بل عليه أن يضع خططًا عملية لبناء حياة جديدة في سوريا المحرَّرة، دون أن يكون عبئًا على أحد، لا على الناس ولا على الدولة.
المرحلة المقبلة تتطلب مثقفًا منتِجًا لا مستهلِكًا، ومبادرًا لا متفرجًا.
وكما يقال؛ من لا يقرأ التاريخ لا يستطيع فهم الحاضر أو المستقبل، فحين خرجت ألمانيا مدمَّرة من الحرب العالمية الثانية، لم ينتظر مثقفوها الدولةَ أن تعيد بناء كل شيء. كانوا جزءًا من عملية إعادة التفكير في هوية البلاد، وظهر ما عُرف بـ”أدب ما بعد الحرب”؛ كتّاب ساهموا في تشكيل وعي جديد، لم يكونوا مجرد شهود، بل صانعين لحقيقة جديدة ومساهمين في تأسيس ديمقراطية حديثة.
التجربة الألمانية مثال حيّ على كيف يمكن للكلمة أن تسبق اللبنة، وأن يساهم المثقف في ترميم الإنسان قبل الجدران. وهذا تحديدًا ما تحتاجه سوريا.
ولكن في السنوات الماضية، نشأ انقسام مؤلم بين من بقي في الداخل ومن خرج إلى الخارج. الناس شعروا أن بعض المثقفين ابتعدوا عنهم، وكتبوا بلغة لا تشبههم، أو تجاهلوا أوجاعهم. أما اليوم، فالفرصة متاحة لتجاوز هذا الانقسام، عبر الانخراط من جديد، بالاستماع قبل الكلام، وبالعمل المشترك لا التنظير من بعيد.
ومن المهم جدًا أن يتواضع المثقف، ويعرف أن الناس لا تنتظر منه خطبًا، بل مشاركة حقيقية في بناء وطن آمن وعادل.
سوريا الجديدة لا تحتاج مثقفًا للزينة، بل للمواجهة. وليس المطلوب قصيدة جميلة فقط، بل موقف أخلاقي واضح، وشجاعة في طرح الأسئلة، وقدرة على الإسهام في التغيير. البلد ليس بحاجة لأبراج عاجية، بل لمن ينزل إلى الأرض، يسمع الناس، يكتب بلغتهم، ويحمل همومهم.
ومن الطبيعي أيضًا ألا يعود الجميع، لأسباب عائلية أو مهنية. لكن من لا يستطيع العودة بجسده يمكنه أن يعود بفكره؛ بمقال يكتبه، أو بمبادرة يطلقها، أو بتواصل صادق مع الداخل. لم يعد هناك عذر للبقاء في الظل.
سوريا اليوم تنادي أبناءها، وخاصة الذين حملوا الكلمة يومًا، أن يكونوا جزءًا من بنائها. صحيح أن المنفى كان قاسيًا، لكنه كان مرحلة ضرورية. أما الآن فالمطلوب هو الحضور والمشاركة، وبناء حياة جديدة لا تُضيف عبئًا على سوريا، بل تفتح لها نافذة جديدة نحو النور.
سوريا تحررت، لكن الحرية وحدها لا تكفي. نحتاج إلى من يحميها بالكلمة، ويغذّيها بالفكر، ويجعلها عادة يومية لا ذكرى عابرة.
لقد آن أوان العودة، لا بالحقائب فقط، بل بالموقف والكلمة والضمير.


