هل تستفيد الثورة السورية من التعاطف الدولي مع أوكرانيا؟

هل تستفيد الثورة السورية من التعاطف الدولي مع أوكرانيا؟

 

دخلت الثورة السورية عامها الثاني عشر، مخلفة وراءها إرثا ثقيلا من المآسي الإنسانية، وقدرا هائلا من الخراب والدمار، تسبب بها نظام بشار الأسد الذي دفع البلاد إلى أتون حرب طاحنة، أصبحت خيوطها بيد القوى الدولية.

لكن أمام السوريين هذا العام فرصة ثمينة منحتها لهم روسيا، بعملياتها في أوكرانيا، حيث أصبح بمقدورهم دفع ملف قضيتهم نحو الواجهة عالميا، من خلال تفعيل حضور المسألة السورية جنبا إلى جنب مع نظيرتها الأوكرانية، لوجود أوجه شبه كثيرة بينهما.

ولجأ بشار الأسد منذ البداية إلى خيار الحسم العسكري، فحوّل الحراك الشعبي السلمي إلى حرب، حصدت أرواح مئات آلاف المدنيين، بدعم من روسيا وإيران، وحولت أكثر من نصف الشعب السوري إلى نازحين ولاجئين، إضافة إلى مآسي القتل والدمار والاعتقال.

وتفاقمت معاناة السوريين، وزادت قضيتهم تعقيدا، عندما تمكن “داعش” و”ي ب ك/ بي كا كا” وغيرهما من التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، من السيطرة على مساحة واسعة من البلاد.

لكن النظام السوري وداعميه كانوا الأكثر قتلا وفتكا، فقد ارتكب الروس جرائم ضد المدنيين، بعد تدخلهم العسكري عام 2015.

وانطلقت أول مظاهرة ضد النظام بدمشق في 15 مارس/ آذار 2011، ضمت عشرات الناشطين، وسرعان ما تفرقت مع ملاحقة قوات الأمن لها.

ثم تبعتها مظاهرة كبرى في درعا في 18 من الشهر ذاته، بعد أن قامت قوات الأمن باعتقال وتعذيب أطفال كتبوا عبارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم، ثم إهانة ذويهم الذين قدموا للمطالبة بإطلاق سراحهم، من قبل رئيس فرع المخابرات عاطف نجيب ابن خالة رأس النظام بشار الأسد.

واختار نظام الأسد السير في ركاب إيران، التي دعمته ودفعته إلى إغراق الساحة السورية بالمتطرفين، لكي يقدم الدليل على أن ما يحدث ليس ثورة شعبية، بل حركة تمرد يقوم بها إرهابيون.

وفي خضم الصراع، غضت القوى الدولية الطرف عن تسرب التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، مثل “القاعدة” و”داعش” وأخواتهما، ما أضعف البعد الوطني للثورة السورية.

** الرصاص في مواجهة المظاهرات السلمية

وارتكب النظام وحلفاؤه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، تعددت صورها، من استخدام للسلاح الكيماوي واتباع سياسة التجويع، والتهجير القسري والحصار والاعتقال التعسفي، والتعذيب، وصولا إلى القتل الممنهج والمتعمد لمئات آلاف المدنيين.

كل ذلك موثق في تقارير الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان، أشهرها ما سمي تقرير قيصر، الذي دفع الإدارة الأمريكية لإقرار قانون عقوبات بحق النظام وداعميه، حمل الاسم نفسه “قانون قيصر”.

ويقول رئيس اللجنة المستقلة من أجل العدالة الدولية والمحاسبة ستيفن راب، إن منظمته تملك أكثر من 900 ألف وثيقة حكومية هُربت، فيها أدلة تفضح ممارسات النظام السوري والانتهاكات التي ارتكبها خلال السنوات العشر الماضية.

وقد ورد اسم رئيس النظام بالتقارير الموثقة، التي حصلت فيها الانتهاكات ضد الشعب السوري، ما يدل على أن الأسد كان يقود هذه الاستراتيجية.

** مأساة إنسانية غير مسبوقة

وأصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، تقريرين منفصلين، ذكرا فيهما إحصائيات تبيّن حجم الضرر الذي لحق بالسوريين عموما، وبالأطفال منهم خصوصا، خلال السنوات العشر الأخيرة.

وقال التقريران الأمميان إن قرابة 5 ملايين طفل ولدوا في سوريا منذ بدء النزاع لم يعرفوا أبداً أوقات السلم، بينما ولد مليون طفل سوري كلاجئين في البلدان المجاورة.

وأشار التقريران إلى أن 13 مليونا من السوريين أجبروا على الفرار من ديارهم في السنوات العشر الماضية، وهذا يشكل أكثر من 60 بالمئة من نسبة السكان، منهم 6.6 ملايين لاجئ سوري، يشكلون ربع إجمالي عدد اللاجئين في العالم، وهناك 7 ملايين سوري إضافي نازحون داخلياً، وهم أكبر عدد من النازحين داخلياً في العالم.

ووفق التقريرين، تستضيف دول المنطقة غالبية اللاجئين السوريين، وفي مقدمتها تركيا التي تستضيف العدد الأكبر منهم، يليها لبنان والأردن والعراق ومصر. كما يوجد في أوروبا ما يزيد على مليون لاجئ، بينما ينتشر اللاجئون المتبقون في أنحاء أخرى من إفريقيا.

وأحصى التقريران أن 13.4 مليون سوري بحاجة للمساعدة الطارئة المنقذة للحياة، ويضطر غالبية أطفال اللاجئين السوريين للعمل 12 ساعة يوميا من أجل إعالة عائلاتهم.

وتم التحقق من مقتل أو إصابة قرابة 12 ألف طفل، وتجنيد أكثر من 5.700 طفل للقتال، بعضهم لا تزيد أعمارهم على سبع سنوات، وفق التقريرين.

وبات حوالي 90 في المئة من الأطفال يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بزيادة بلغت 20 في المئة بالعام الماضي وحده، كما أن أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من “التقزم” نتيجة سوء التغذية، بحسب التقريرين.

وبخصوص الواقع التعليمي فإن 2.45 مليون طفل في سوريا و750 ألف طفل سوري إضافي في الدول المجاورة، لا يذهبون إلى المدرسة، 40 بالمئة منهم من الفتيات.

وكان وزير التنمية الألماني السابق غيرد مولر، لخص معاناة السوريين ومأساتهم بقوله: “سوريا أكبر مأساة في القرن الحالي”.

** انعكاسات أزمة أوكرانيا على سوريا

لا شك أن انشغال روسيا في حربها على أوكرانيا، وحرصها على بسط نفوذها في محيطها الاستراتيجي، بدول الجوار التي تعتبرها موسكو حدائق خلفية لها، سينعكس بشكل إيجابي على الملف السوري، حيث سيضطر الرئيس فلاديمير بوتين للتخلي عن المهم لصالح الأهم.

لكن ذلك يبقى مرهونا بقدرة المعارضة السورية على الاستفادة من الظروف الدولية المواتية حاليا، ومدى جدية الدول الداعمة لها.

وأعلن النظام السوري منذ البداية اصطفافه إلى جانب روسيا، ونظمت مؤسساته حملات تدعو إلى التطوع للقتال مع موسكو، بشكل علني وشبه رسمي، وبدأت قوافل المتطوعين من عناصره بالسفر لروسيا، كمرتزقة يقاتلون ضمن جيشها بأوكرانيا.

وهذه فرصة ذهبية لأن تتحرك المعارضة السورية، وتستنفر كل جهودها وطاقاتها من أجل حشد الدعم الغربي، وخصوصا الأمريكي، وحث الدول التي تعتقد أساسا بأن استمرار عائلة الأسد في حكم سوريا، بات ضربا من المستحيل، وأن الجهود التي يبذلها الروس ومعهم بعض الأنظمة العربية، لن تفلح في إعادة إنتاج نظام فقد صلاحيته ومقومات وجوده.

ولا بد من المساهمة الفعالة في حملات الدعوة لحصار روسيا، عن طريق تقديم الأدلة والبراهين على ما اقترفته من “جرائم” بسوريا، وإقناع الرأي العام العالمي بأن السوريين كانوا ولا يزالون الضحية الأكثر معاناة من التدخل العسكري الروسي في بلادهم.

​​​​​​​** فرصة ذهبية لحوار سوري ـ سوري ومع هذه المعطيات الجديدة، آن الأوان لأن يستعيد السوريون زمام المبادرة، فيطرحوا رؤيتهم الذاتية للحل بعيدا عن إملاءات القوى الإقليمية والدولية.

وباتت سوريا بجميع مكوناتها مهددة بالفناء والاستنزاف الدائم، ما لم يبادر العقلاء من كل الأطراف للجلوس إلى طاولة الحوار.

كما أن سوريا بأمس الحاجة إلى لقاء حقيقي بين مكونيها الأساسيين، السني والعلوي. وما لم يتم الحوار الجدي بينهما، فإن معاناة السوريين ستستمر أعواما طويلة، دون غالب ولا مغلوب.

هذان المكونان، إذا نجحا في الاتفاق على الخطوط العريضة للحل، وما ذلك بمستحيل، فإن جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية سترحب حتما بهذا الاتفاق، وتساعد على تطبيقه.

وبالتالي فإن أمام السوريين فرصة ذهبية لإطلاق حوار سوري ـ سوري، في ظل انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، وانشغال إيران بملفها النووي.

أيضا أمام السوريين فرصة ذهبية، إذا نجحوا في استغلال هذا الظرف الدولي، وجلسوا واستمعوا لبعضهم، ثم خرجوا بصيغة توافقية لحل أزمتهم، فإن الرأي العام العالمي مستعد أكثر من أي وقت مضى لدعمهم ومساعدتهم، وما هذا بمستحيل.

أ. محمود عثمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى