ما أبرز الخاسرين والرابحين جراء الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة

ما أبرز الخاسرين والرّابحين جرّاء الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة؟

أدَّت الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة لكثير من التَّغيُّرات السريعة في الموازين الاقتصاديَّة بدول العالَم أجمع. تغيُّرات يمكن تصنيفها بين أرباح “وقتيَّة” لبعض التُّجّار الذين تضاعفت أرباحهم بشكل كبير ومفاجئ. وخسائر “كارثيَّة” لقائمة من الدُّول تشمل الاتِّحاد الأوروبيّ وروسيا والولايات المتَّحدة والدُّول المستوردة للنفط.

تعرَّضت أوروبا بشكلٍ خاصّ لآثار اقتصاديَّة مُوجعة؛ لأنها لم تفعل شيئًا يُذكر في السنوات الأخيرة لتقليل اعتمادها على الغاز الرُّوسيّ الذي توقَّف إمداده بسبب الحرب. بل تخلت عن الطَّاقة النوويَّة مقابل الغاز الرُّوسيّ. وكان أبرز الخاسرين أوروبيًّا ألمانيا التي تستورد 16% من الغاز الرُّوسيّ.

البلدان المستوردة للنفط تعرّضت لخسائر ضخمة بسبب ارتفاع سعر برميل النفط؛ حيث وصل لأعلى مستوى له عند 130 دولارًا للبرميل. والخسارة ليست في سعر النَّفط المرتفع فقط، ولكن في تداعياته التي تُؤدِّي لارتفاع التَّضخُّم؛ الذي وصل بالفعل لأعلى مستوياته منذ عقود في الولايات المتَّحدة وأوروبا والاقتصادات المتقدِّمة الأخرى.

وعلى الرغم من أنَّ الولايات المتَّحدة هي الأقل تضرُّرًا من ارتفاع أسعار النَّفط؛ لكونها الأكثر تحوطًا؛ ولأنَّ إنتاجها من النَّفط يساوي استهلاكها منه؛ إلَّا أنَّها خاسرة من الحرب بشكل آخر. فمن المتوقَّع أن ترتفع ميزانيَّة الدِّفاع بالبلاد انعكاسًا للوضع العالميّ الخطير. وهو ما سيُقلِّل من رفاهية النَّاس وتقليل الاستهلاك والاستثمار بشكلٍ عامّ.

على المدى الطويل تُعدّ روسيا هي الخاسر الاقتصاديّ الأكبر من الصِّراع؛ حيث ستؤثِّر العقوبات بشكلٍ متزايد على موسكو، وستؤدِّي العزلة المتزايدة لروسيا فضلًا عن تزايد حالة عدم اليقين بين المستثمرين إلى إضعاف التِّجارة والروابط الاقتصاديَّة الأخرى، مع توقُّع أن تُخفّض أوروبا اعتمادها على الوقود الرُّوسيّ بعد تلك الأزمة.

لكنَّ بقيَّة دُول العالَم خاسرة بشكلٍ أو بآخر؛ فتَعَقُّد العلاقات الاقتصاديَّة بين الحلفين الأمريكيّ من جهة والرُّوسيّ من جهة أخرى، وحالة عدم اليقين الاقتصاديّ في المستقبل القريب، وتباطؤ النُّموّ العالميّ لأقلّ من 4% سنويًّا، وانخفاض النَّاتج المحلِّيّ الإجماليّ للدُّوَل بسبب التَّضخُّم؛ كُلّ هذا سيدفع ثمنه العالَمُ أجمع.

قائمة الرَّابحين من الحرب الرُّوسيَّة الأوكرانيَّة ليست بالكبيرة ولا تضمُّ دولًا أو تكتلات اقتصاديَّة بعينها؛ فالعالم مُتشابك للحدّ الذي يمكن فيه القول: إنَّ الكلّ خاسر، ولا يوجد ناجون من الخسارة. لكنَّ هناك طفرة وقتيَّة لعدد من السِّلع؛ أبرزها: النَّفط والقمح والغاز والزيوت والذهب وشركات الأسلحة وأسواق الأسهم لشركات الطَّاقة ومشتقاتها.

بالنظر إلى الأهميَّة الكبيرة لروسيا كمُصدّر للنَّفط؛ فقد تأثَّرت أسعار الطَّاقة بشكلٍ خاصّ بهذه الحرب؛ حيث يتمّ تداول خام برنت الأمريكيّ حاليًا عند حوالي 116 دولارًا للبرميل. بعد أن ارتفع إلى أكثر من 130 دولارًا قبل يومين. وهو ما يرفع بشكلٍ كبيرٍ من أرباح شركات النَّفط والمتعاملين في البنزين الاستهلاكيّ.

ونظرًا لأن روسيا وأوكرانيا تُعدّان أيضًا مُصَدِّرَيْن رئيسيين للعديد من السِّلع الغذائيَّة الأخرى مثل القمح وغاز النيون وزيت عباد الشمس؛ فقد ارتفعت أسعارها أيضًا. ومن المتوقَّع أن تستمر في الارتفاع بسبب العقوبات الغربيَّة، وهو ما تَجْني مكاسبه الشركات المتعاملة في تلك السِّلع الغذائيَّة الأساسيَّة.

أمَّا بالنِّسبة للذَّهب الذي يُعدّ الملاذ الآمن للثروات خلال أوقات الأزمات؛ فقد جنى تُجّار الذَّهب الكثير من الأرباح بعد ارتفاع سعره للمرة الثانيَّة؛ عقب ارتفاعه الملحوظ الأول خلال جائحة كورونا. ومن المحتمل أيضًا أن يستفيد مستثمرو العملات الرقميَّة المشفَّرة؛ لأنها وسيلة محتملة للرُّوس للتحايل على العُقوبات الغربيَّة المفروضة عليها.

كما أنَّ مُلّاك الأسهم والمضاربين في البورصات حول العالَم هم أحدُ الرابحين؛ خاصةً أسهم شركات الطاقة والأسلحة والسلع الأساسيَّة للمستهلكين. ومع ذلك لا ينبغي أن ننخدع بتلك الأرباح المؤقَّتة. ففي النِّهاية من المتوقَّع أن يؤدِّي الترابط بين الاقتصادات والعقوبات وتكاليف عدم اليقين الاقتصاديّ إلى قلب الأسواق رأسًا على عقب.

الدكتور يحيى السيد عمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى