عقدٌ وعامٌ على الثّورة السّورية.. لمَ وإلامَ؟!

عقدٌ وعامٌ على الثّورة السّورية.. لمَ وإلامَ؟!

١. السياق التاريخي:

شهدت البلاد العربية وبالأخص المشرق العربي مناخاً ثورياً وموجة من الحركات الشعبية في أواخر عام ٢٠١٠م، وأُطلق عليها اسم “الربيع العربي” والتي ناهضت الوضع الراهن في بلدانها وطالبت بالتغييرات نحو الأفضل والقضاء على الأنظمة المستبدة التي طمست حقوق الشعوب.

وكان لسوريا حصة كبيرة من هذه الانتفاضات العربية والتي كانت أبرزها أملاً من الخروج من حال الطغيان والفساد واحتكار السلطة وخصوصاً بعد نجاح ثورتي تونس ومصر ومن ثم ليبيا واليمن في الإطاحة برؤوس أنظمة الفساد في تلك الدول. فقامت ثورة ١٥ آذار عام ٢٠١١م بانطلاق أول مظاهرة في العاصمة دمشق حيث عجّت بالنشطاء والمناهضين لنظام الإجرام الأسدي وطالبت بالحرية والكرامة والانعتاق ووضع حد للفساد القائم في الدولة، لكن سرعان ما تفرقت هذه المظاهرة وتمت ملاحقة المتظاهرين، وتبعتها بأيام مظاهرة كبيرة أخرى في درعا بعد قيام قوات الأمن باعتقال وتعذيب أطفال درعا، ثم تلَتها مظاهرات عديدة في شتّى محافظات سوريا وأريافها.

لم يجلس متفرجاً رأس النظام والفساد بشار الأسد وقام بدور الإجرام من خلال قمع المظاهرات السلمية وإطلاق النيران على مَن حمل بيده أغصان الزيتون واعتقالهم وتعذيبهم في السجون، وحرق منازلهم وإهانة ذويهم وتهجيرهم.

حتى سقط مئات الآلاف من الضحايا وتشرد الملايين في الداخل السوري حتى تفاقمت الأوضاع وحصلت انشقاقات عسكرية في صفوف جيش الأسد حتى ازدادت في وقت لاحق، ومن ثم تشكل “الجيش السوري الحر” وتحوّلت الثورة السلمية إلى مسلحة رغماً عن الشعب الذي سعى جاهداً ألا تصل إلى هذا الحد لكنه الخيار الوحيد المتبقي أمامه بعد عدم استجابة النظام سلمياً وبعد استخدامه كافة أشكال العنف مع الاعتقال والتصفية في السجون والاعتداء على الأعراض. وكان لقاتل الأطفال ونظامه المصلحة في ذلك وخصوصاً بعد أن كان لدى الرأي العام العالمي وكثير من الدول العربية وغيرها موقفاً من إجرامه القمعي والاستبدادي كالسعودية والكويت والبحرين اللواتي سحبن سفراءهن من دمشق أواخر أغسطس لعام ٢٠١١م، وكما أصدرت الجامعة العربية أول قرار بشأن أحداث سوريا ومن ثم حدث تصعيد غير مسبوق لدى بعض الدول الغربية من هذه الاحتجاجات بعد أن كانت مكتفية بإدانة القمع، حيث أعلنت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وكذلك كندا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعاً في وقتٍ واحد على وجوب تنحي بشار الأسد بعد فقدانه شرعيته بالكامل.

لم يكترث النظام الأسدي الإجرامي من كل ذلك وبعد أن أجبر الثوار على حمل السلاح للدفاع عن ثورتهم وحقوقهم وأعراضهم وأراضيهم التي انتهكها، بل وقصفها بشتى أنواع السلاح وحتى الكيميائي وحصاره لمدنهم وتدميره حتى للبُنى التحتية.

إنما جلبَ واستدعى حلفاءه من الخارج من ميليشيات ومرتزقة كان أولهم جماعة حزب الله اللبنانية ومن ثم إيران الشيعية واستغل الأقليات السورية وأرهبها ثم جندها لصالحه.

وساهموا بتخريب البلاد وقتل وتشريد الشعب، وبقي الشعب بثواره صامداً رغم ذلك يُقاوم بالسنان واللسان. فما كان أمام الأسد إلا أن صدّر بعض المتطرفين والمخابراتيتين وأفرغ سجونه بالكامل وكان منهم من كان بين المساجين ثم زرعهم داخل كيان الثورة ليكون له الحجة أمام الرأي العام، فكان من بين المساجين مَن ساند الثورة ووقف إلى جانب الشعب ومنهم مَن ذكَرْنا ليسعى في تخريب الثورة وتدميرها وتحريف مسارها.

ومع مرور الوقت ازدادت أعداد الثوار وقوتهم فكان على أيديهم تحرير أكثر من ٨٠% من سوريا حتى أنهم وصلوا حتى ساحات العاصمة دمشق وقصر رئاسة النظام ولم يعد بإمكان النظام الأسدي وحلفائه أن يسيطروا على الأراضي بعد ثلاثة سنوات من المعارك.

فاختار النظام ومَن يسودُه أن يفككوا الثورة من الداخل فكان ما يُسمى بتنظيم ” الدولة الإسلامية في العراق والشام” التنظيم الذي سعى على تفكيك مناطق سيطرة الثوار، فقتلت وشردت خيرة ثوار سوريا وأبنائها وقامت بعمليات تصفية وخطف كثيرة. ثم استدعت من الخارج كافة أشكال التطرف والمتطرفين واستمدت قوة كبيرة في ذلك وكان أبرز أعمالها أن تسيطر على الأراضي التي يقوم الثوار بتحريرها مسبقاً ومن ثم تسلمها لنظام الأسد بأشكال عديدة. وكان ذلك سبباً مهماً في تراجع الثورة وإجهاضها.

كما وجنّد النظام جماعات عديدة من الطوائف والأقليات فكان ما يُعرف بتنظيمي (PKK – PYD) الذين شاركا مع النظام وبدونه في معارك عديدة ضد الثوار.

لكن استطاعت الثورة النّيل من النظام وحلفائه ومعاونيه رغم زعزعته والانطلاق من جديد في تحرير البلدان المحتلة، حتى لم يتبقَ أمام النظام الإجرامي والمستفيدين من وجوده إلا التدخل عسكرياً لحسم المعركة لصالحهم فتدخلت روسيا بجيوشها وعتادها وطائراتها ودباباتها أواخر عام ٢٠١٥م، وقادت معارك النظام حتى الوقت الحالي وساهمت بسقوط الكثير من المناطق المحررة.

وكان للحليف الأكبر للثورة السورية تركيا دوراً في مساندة الشعب ضد تنظيمات داعش وقوات سوريا الديمقراطية أواخر مارس لعام ٢٠١٧ ثم وضعت نقاط فصل عسكرية بين مناطق سيطرة الثوار ومناطق سيطرة النظام الإجرامي وروسيا رغم فشلها في بعض الأحيان إلا أنها سعت جاهدة حتى أنها شاركت في معارك الثوار ضد النظام والتنظيمات المذكورة المتطرفة.

 

وبعد سنين من الكفاح والنضال وطول أمد الثورة السورية ومقارنةً بثورات الربيع العربي التي سبقتها، ازداد الوضع تعقيداً وتأزماً وخصوصاً مع كثرة الهيئات والتنسيقيات التفاوضية والحكومات الانتقالية لدى الثورة والتي صَعُب معرفة توجهاتها وما هو دورها في الثورة. ومع تعدد المبادرات الساعية لحل الأزمة والمؤتمرات كجنيف المتكررة وغيرها والحركات الدبلوماسية لحلحلة الوضع.

وبدا الأفق السياسي والعسكري مغلقاً لكلا الطرفين مع بداية عام ٢٠١٦م وحتى الآن وخصوصاً في العامين الأخيرين للثورة السورية وفي ظل استحالة تحقيق انتصار كامل على النظام وحلفائه، أو حتى الوصول لحلول سياسية تحقق آمال الشعب وطموحاته بعد ازدياد كبير من التضحيات التي قدمها.

كما وازدادت معاناة هذا الشعب في المراحل الأخيرة وخصوصاً مع حالات الفقر والجوع وحالات النزوح والتهجير في الداخل والخارج وعدم وجود أماكن يسهل العيش فيها والاستقرار كما هو الحال في مخيمات الشمال التي يقنطها الأكثر من المهجرين من كافة المحافظات والبلدان.

٢. المسببات الرئيسية لتأخُر التمكين في الثورة السورية:

لتأخر الحسم لصالح الثورة أسباب عديدة منها ما هو من فعل النظام وحلفائه ومنها ما هو من فعل الكيان الثائر، ومن أبرز هذه الأسباب:

– مفاهيم خاطئة وشعارات مخابراتية: فحين قامت الثورة السلمية رفع المتظاهرون شعارات عديدة وكان بعضها خاطئاً كشعار (لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس) فكان ذلك سبباً في قيام الكثير من المتظاهرين وبلا وعي بإغلاق المدارس والمؤسسات الحكومية بحجج واهية، فكان مثل هذه المفاهيم تمنع الثوار من الاستماع للناصحين من العلماء والمثقفين والمفكرين من أبناء الثورة. كثير من المفاهيم الخاطئة والشعارات التي كانت تخدم النظام وتضر بالثورة دون التطرق لذكرها جميعها.

– عدم وجود قيادة حكيمة “متكاملة” توجه الشعب الثائر وعلى كافة الأصعدة منذ سنين الثورة الأولى.

– استخدام كافة أشكال العنف والقوة العسكرية من قِبل نظام الإجرام الطائفي ضد الشعب الثائر؛ فوجّه طائراته ومدافعه في وجه المدنيين واستخدم حتى الأسلحة المحرمة وبدون أي ضوابط أخلاقية تحكمه.

– تحويل الثورة السلمية بعد طول أمد إلى ثورة مسلحة بسياسة القمع الخبيثة التي اتبعها النظام، وعدم وصول الفصائل الثورية المقاتلة إلى حالة الأداء المنضبطة والموحدة وقيامهم في مهادنة النظام لبعض من المناطق المشتعلة دون غيرها واستفراد النظام في أخرى.

– دخول أعداد كبيرة من المتطرفين من الخارج بعد أن سمحت الدول الأوروبية لهم بالعبور إلى الداخل السوري وانخراطهم بداخل الثورة مساهمين بعضهم في تحريف بوصلة الثورة والمقاتلين بعد أن كان الخلاف متمحور حول رحيل الأسد وهدم نظامه الديكتاتوري فقط.

– تأسيس ما يُسمى بتنظيم ” الدولة الإسلامية ” المدعوم فعلياً من قوى خارجية هدفها جلب كافة أشكال التطرف والإرهاب من الخارج وضرب الثورة السورية في قلبها بعد تحرير مناطق شاسعة من سوريا. فكان هذا التنظيم يقوم بأعمال التخريب وقتل قيادات الثورة والثوار وسلب المناطق التي تم تحريرها ثم إعادة تسليمها للنظام المجرم.

– دخول القوات الروسية المسلحة براً أواخر عام ٢٠١٥م بكافة عتادها وذلك بعد دخول الإيرانيين وما يُعرف بحزب الله وفشلهم في السيطرة على المناطق المناهضة للنظام الأسدي. حيث قام كل المذكورين بكافة أشكال العنف لمساندة النظام وقتل الأطفال والنساء وقصف البلاد بالسلاح المحرم وتهجير الشعب السوري، وبذلك لم تعد المعركة مقتصرة على إسقاط النظام فقط، بل باتت حرب مقاومة مصيرية ضد احتلال عدة دول ومنها دول كبرى كروسيا.

– حالة الفقر والنزوح الشامل الذي أودت بالشعب السوري لمرحلة مزرية باتت فيها الثورة تتحول من ثورة كرامة إلى ثورة لأجل رغيف الخبز عند كثيرين، ونواتها مخيمات النزوح في الشمال السوري.

– حالات الفساد والتشرذم والتشتيت على كافة الأصعدة عسكرياً وإدارياً وظهور المتسلقين على أكتاف المضحين في سبيل مصالحهم. ولم تجد الثورة مركزاً يضم كل كياناتها أو أجهزة رقابة تحرص على ضبط هذه الكيانات. مع وفرة القوى الظاهرة في المحرر من حكومات وهيئات وفصائل لكن اقتصرت جهودها على بقع معينة أو توجهات معينة.

– التقاعس وعدم انخراط كافة السوريين في الثورة وإقبال بعضهم على النظام إمّا خوفاً منه ومن بطشه أو خوفاً من الكيانات التي اخترقت الثورة باسمها. والبعض المستفيد من بقاء النظام والحرب القائمة في سوريا.

– التآمر الدولي الحاصل على الثورة السورية فَلَم يقُم المجتمع الدولي بأدنى واجباته من حماية لحقوق السوريين ولا حتى في ردع إجرام النظام وأعوانه عن ارتكاب المجازر بحق المدنيين. وحتى

أنه لم يعترف حتى بكيان المعارضة أو يسمح لها بامتلاك السلاح النوعي للدفاع عن السوريين.

– توفير كامل الدعم المادي والنوعي للنظام على عكس قوى الثورة والمعارضة، من خلال استيلاء النظام على جميع الموارد الموجودة في الداخل من خيرات كحقول النفط والغاز والثروات المعدنية وغيرها، ونهب وسرقة الشعب بالقوة المسلحة وفرض الضرائب والرسوم. والمساعدات التي تصله من حلفائه في الخارج ومن المنظمات الدولية تحت غطاء الإنسانية. مع توفير كافة أنواع الأسلحة النوعية والفريدة عسكرياً من طائرات ودبابات ومدرعات، بعكس قوى الثورة التي لم تحصل على أدناها والتي عانَت كثيراً في ذات الوقت من انقطاع للدعم وندرته. مما يُظهر عدم التكافؤ الملحوظ بين قوى الثورة وقوى النظام الإجرامي.

وسيبقى الشعب السوري ثائراً مستمراً صابراً رغم كل الإجرام والتضحيات حتى آخر رمق والثورة لم ولن تفشل، بل انتصرت فعلياً منذ أول شعلتها وأول قطرة دماء سالت من أول شهيد من أبنائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى