هجرة بلا ضوابط

هجرة بلا ضوابط 

في السنوات الماضية مرّت العديد من الدول العربية بموجة من التغيير ضمن ما يسمى “الربيع العربي” وكان هذا التغيير له العديد من النتائج والآثار التي اختلفت من بلد لآخر بحسب طبيعة البلد ونظام الحكم القائم فيه والتقسيم الديموغرافي في تلك البلاد، وكان من أوضح تلك الآثار ظهوراً مشكلة عابرة للحدود، لم تتمكّن جميع دول العالم من منعها أو السيطرة عليها حتى الآن، ألا وهي مشكلة الهجرة غير الشّرعية، التي أصبح طالبوها عُرضة للموت جوعاً وعطشاً على حدود أغنى الدول في العالم، أو غرقاً في قيعان البحار والمحيطات، ولكن لماذا؟

إنّ تلك الظاهرة العالمية كثيراً ما دفعتني للتساؤل حول الحافز الذي يجعل ملايين الأشخاص يفكرون بترك أوطانهم والتضحية بحياتهم وحياة عائلاتهم في سبيل الوصول إلى أرض جديدة يبدؤون فيها حياة جديدة وينتظرون فيها مستقبلاً مجهولاً، هل هذا الحافز هو الحرية أم حُبّ الحياة أم البحث عن حياة أفضل؟ كل هذه الإجابات ممكنة، فبالإضافة للبحث عن مستقبل أفضل وحياة مستقرة نجد شريحة لا بأس بها لديها حافز غريب، يظهر لدى عدد من المهاجرين من خلال استقراء أحوالهم وهو “السعي نحو الانفلات من القيود” سواءً كانت تلك القيود دينية أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها.

إن عدداً ممن ينتمون لهذه الشريحة من المهاجرين الذين خرجوا من بلادهم وتوجّهوا إلى بلاد الغرب عبَّر عن انفلاته هذا بشكل من الأشكال، إما من خلال التعرّي وترك الحجاب، أو بإعلان ميوله الجنسية الشاذّة أو بالتخلّي عن شريك حياته والبحث عن حياة جديدة، أو بعرض يوميات حياته على وسائل التواصل دون وازع ديني أو أخلاقي، أو بعرض أفكاره المعادية للدين والمجتمع بشكل علنيّ بعد أن كان لا يجرؤ على البوح بها في بلاده.

إن جميع هذه المظاهر التي شاهدناها وسمعناها لا تدل أبداً على أن المهاجر في وقتنا الحاضر بات يبحث فقط عن الطعام والأمان والكرامة التي هي من ضروريات الحياة، بل بات المهاجر المعاصر يبحث عن رفاهياته الفكرية والجسدية والاجتماعية قبل أن يبحث عن ضرورياته الحياتية، فنجد بعض من خرجوا من بلادهم بهدف اللجوء والنجاة من الحرب، باتوا اليوم لا يقبلون بأقل من منزل كبير متعدد الطوابق يحتوي على كل وسائل السعادة والرفاهية، وباتوا يعيشون وفقاً للنمط الغربي من الحياة البعيد كلّ البعد عن ديننا وقيمنا، وكأن الشعوب التي خرجت في الثورات على حكّامها لم تخرج إلا لمثل هذا!.

والأغرب من هذا عندما نجد أحد أولئك الذين هاجروا من بلادهم ما زال يؤيد حكومة بلاده الفاسدة التي من المفترض أنه هاجر من البلاد بسببها، أو إن استطاع فإنه يسافر إلى بلاده كضيف وهو يحمل جنسية بلاد جديدة، فيقيم في أفخم الفنادق والمنتجعات في بلاده، ثم يوجّه من هناك النداء لأبناء بلاده البؤساء للعودة إلى بلادهم وتسليم رقابهم إلى جلاديهم، ويعرض لهم مظاهر الحياة الفارهة التي يعيشها ويصور لهم بأن البلاد كلها باتت على هذا النحو بعد أن خرجوا منها قبل سنوات طويلة، والحقيقة مغايرة لذلك تماماً.

تلك الظاهرة الغريبة التي نشهدها لا أعتقد بأنها حصلت من قبل في التاريخ، لأن وسائل الانفلات المعاصرة التي باتت بين يدي النساء والرجال لم تكن متوفرة من قبل، وربما هذه الظاهرة هي نتاج لنظام عالمي مقصود يندرج تحت ما يسمى “نظام التفاهة” الذي حوَّل كل قضايا وهموم الشعوب الحقيقية إلى مجرد مظاهر للتفاهة والعبث والانفلات من كل القيود الدينية والاجتماعية التي تضبط حياة الناس، وتمنعهم من العيش كالقطيع.

وأخيراً لا بد من التأكيد بأن فكرة الهجرة بحدّ ذاتها ليست جريمة، وما مرّ من كلام لا يعمّم على جميع المهاجرين، فالكثير منهم مُحقّون فيما لو استدعت ظروفهم ذلك، ولكن ما أعقب ظاهرة الهجرة من آثار سلبية مدمرة قد تمتدّ إلى أجيال لاحقة فتفقد تلك الأجيال دينها وهويتها هو ما جعلها ظاهرة مؤسفة تحتاج إلى قيود وضوابط لقبولها، وإلا فإن ظاهرة الهجرة الحالية ستتحول من منقذ للشعوب إلى مهلك لها، لأنها هجرة بلا ضوابط.
مروان حياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى