استراتيجية إيران بعيدة المدى لتعزيز نفوذها العسكري في سوريا

استراتيجية إيران بعيدة المدى لتعزيز نفوذها العسكري في سوريا

بعد انطلاق الثورة السورية شعرت إيران بخطر كبير يهدد نفوذها في المنطقة في حال انهيار أحد أهم أعمدة ما يسمى بـــــ”محور المقاومة والممانعة” الذي عملت إيران على تعزيزه بعد احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية العام 2003، وهو ما عبر عنه علي أكبر ولايتي مستشار المرشد علي خامنئي للشؤون الدولية عام 2012 بقوله: “إن سورية تمثل حلقة السلسلة الذهبية في محور المقاومة”، مشيراً إلى أن سبب الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على سوريا هو دورها الكبير في محور المقاومة ورغبتها في كسر هذه الحلقة. وهو ما أكده أيضاً سعيد جليلي، ممثل خامنئي خلال لقائه مع بشار الأسد في آب/أغسطس 2012 بقوله: “إن ما يجري في سوريا ليس قضية داخلية، وإنّما هو صراع بين محور المقاومة من جهة، وأعداء هذا المحور في المنطقة والعالم من جهة أخرى، وأنَّ إيران لن تسمح بكسر محور المقاومة الذي تشكل سوريا ضلعاً أساسيا فيه”. 

لذلك وضعت إيران منذ بداية الثورة السورية استراتيجية طويلة الأمد تتضمن إنشاء مجموعة من الميليشيات خارج هياكل المؤسسة العسكرية لمساندة النظام والحيلولة دون سقوطه وخلق نفوذ متعدد الطبقات داخل مفاصل الدولة بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية مستفيدة من تجربتها في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، حيث بدأت بإنشاء ما يسمى “قوات الدفاع الوطني”، تحت إشراف قادة الحرس الثوري الإيراني ودعمتها بمقاتلين من مختلف الطوائف السورية، ليس فقط العلويين ولكن أيضاً من السنة والدروز والشيعة والأرمن وأقليات أخرى، وأقامت لها مقرات في أغلب المحافظات السورية بعد إعادة هيكلة ودمج اللجان الشعبية المحلية الموالية لبشار الأسد التي تم إنشائها لدعم الجيش والقوات الأمنية في قمع المظاهرات السلمية، ولعب الجنرال حسين همداني الذي قتل في حلب عام 2015 وكان يعتبر العقل المدبر لإيران في دعم نظام بشار الأسد، دوراً مهماً في تشكيل هذه القوات كمكافئ سوري لقوات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان كقوة قتالية فعالة إلى جانب الجيش. كما أنشأت إيران لاحقاً ما يعرف بقوات الدفاع المحلية في عدد من المحافظات خاصة حلب والرقة ودير الزور ويقدر عددها بأكثر من 50 ألف مقاتل، إلى جانب جلبها عدد من الميليشيات الشيعية التابعة لها من العراق وإيران وأفغانستان مثل لواء أبو الفضل العباس ولواء فاطميون وزينبيون بذريعة حماية المراقد والمزارات الشيعية في سوريا.

خضعت الاستراتيجية الإيرانية إلى تغييرات تكتيكية خلال السنوات الماضية بعد التدخل العسكري الروسي ومحاولة روسيا كبح جماح الميليشيات الموالية لإيران والأسد في سوريا، حيث عملت إيران على إدماج هذه الميليشيات ضمن قوات الجيش السوري في الفيلق الخامس والرابع المتمركز في اللاذقية، والتراجع تكتيكياً عن خططها بإنشاء قوات موازية للجيش والحرص على دمج العناصر الأكثر ولاءً من وكلائها في الجيش السوري ضمن الفرقة الرابعة وقوات الحرس الجمهوري وإنشاء عدد من الشركات الأمنية الخاصة، بالتوازي مع الحفاظ على وجود ضباط وخبراء عسكريين من الحرس الثوري الإيراني في عدد من المواقع والقواعد العسكرية والمطارات والمراكز الحساسة في دمشق وريفها والقنيطرة ومصياف لتطوير برامج الصواريخ والأسلحة الكيميائية والطائرات المسيرة التي يتم ارسالها إلى حزب الله جنوبي لبنان. ولم تقتصر استراتيجية الدمج ضمن صفوف الجيش على العناصر المحلية الموالية لإيران، بل شملت عناصر من ميليشيات أجنبية بعد منحهم الجنسية السورية لإضفاء الشرعية عليهم، وتشير المعلومات إلى حصول أكثر من 15 ألف مقاتل من الجنسيات الباكستانية والافغانية والإيرانية والعراقية على الجنسية السورية خلال الأعوام السابقة. 

وعقب الغزو الروسي لأوكرانيا عملت إيران على استغلال انشغال روسيا بالحرب لتعزيز وجود الميليشيات الموالية لها في عدد من النقاط التي انسحبت منها القوات الروسية للمشاركة في الحرب في أوكرانيا. وتشير المعلومات إلى أن ضباط في الحرس الثوري الإيراني عقدوا خلال الأشهر الماضية عدة اجتماعات عسكرية وأمنية على مستويات رفيعة في القصر الجمهوري بدمشق ومع قادة الأجهزة الأمنية السورية تم خلالها إقرار خطط لملئ الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الروسية بميليشيات موالية لإيران خاصة قرب الحدود مع إسرائيل والأردن الأمر الذي زاد من نشاط هذه الميليشيات في تهريب المخدرات عبر الحدود السورية – الأردنية بالتواطؤ مع عدد من كبار الضباط في الأمن العسكري والفرقة الرابعة. إضافة إلى توقيع إيران اتفاقية مع نظام بشار الأسد تتضمن استمرار الحرس الثوري الإيراني بالتنسيق مع القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، بقيادة ما يسمى بقوات الدفاع المحلية في المحافظات حتى انتهاء الحرب في سوريا.  

على الجانب الآخر عملت روسيا بدورها خلال السنوات الأخيرة على تقويض الاستراتيجية الإيرانية من خلال التنافس على السيطرة على الجيش والقوات غير الرسمية، حيث عملت قيادة القوات الروسية في قاعدة حميميم على استقطاب قيادات عسكرية وشبه عسكرية إلى جانبها في إطار التنافس على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية الأمر الذي شكل تحدياً جديداً أمام مشروع الدمج الإيراني، إضافة إلى تحد آخر يتمثل في معارضة تيار علماني داخل الجيش والحكومة لتزايد النفوذ الديني الشيعي في هياكل الدولة/النظام. 

مع ذلك يبقى للمشروع الإيراني انعكاسات خطيرة في المستقبل خاصة وأن غالبية الموالين لإيران يعارضون أي نفوذ للولايات المتحدة وحلفائها في سوريا وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، ويوفر هذا المشروع فرصة لإيران على المدى البعيد للحفاظ على طبقة من التأثير والنفوذ الرسمي وشبه الرسمي في الهياكل العسكرية والأمنية ويمنع تشكيل أي حكومة غير موالية لطهران حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية لا تتضمن إبعاد بشار الأسد والدائرة المقربة منه عن السلطة. لذلك ستعمل إيران خلال المرحلة المقبلة على تحصين هذا النفوذ ضد التغييرات التي قد تطرأ في المستقبل على مستوى الحكومات أو النخب السياسية والحفاظ على دور ما في صنع السياسة العسكرية والأمنية في البلاد على المدى الطويل. إلى جانب ذلك فإن استمرار النفوذ الإيراني على هذه الشاكلة من شأنه أن يمنع تطوير أي علاقات مستقبلية مع تركيا والسعودية والولايات المتحدة وينذر بتحويل البلاد إلى مسرح لمواجهات إقليمية ودولية وحروب الوكالة وانفلات أمني قد يمتد لعدة سنوات، خاصة في حال نجحت إيران خلال المرحلة المقبلة في تنفيذ مشروعها العسكري في سوريا من خلال خلق منظمات عسكرية وأمنية قوية موازية للجيش، كما هو الحال بالنسبة للحرس الثوري الإيراني والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.
د. وسام الدين العكلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى