منذ عام ٢٠١٥، شكلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الركيزة المحلية الأساسية للاستراتيجية الأمريكية في مواجهة تنظيم داعش على الأرض السورية، إلا أنَّ سقوط النظام السوري في الثامن من ديسمبر ٢٠٢٤ أعاد رسم التوازنات الإقليمية في المنطقة من جديد؛ حيث وجدت قسد نفسها أمام واقع سياسي مختلف تماماً، بدأ بفقدانها مواقع استراتيجية شمال وشرق حلب كتل رفعت ومدينة منبج لصالح الدولة السورية، وصولاً إلى توقيع اتفاق ١٠ آذار والذي كان يقضي بإدماجها ضمن هيكلية الجيش السوري الجديد.
بعد النجاح الذي حققته الدبلوماسية السورية بعودتها إلى المجتمع الدولي، وتحصيل الاعتراف والشرعية الدولية، تُوّجت هذه الجهود بانضمام سوريا الرسمي للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب؛ مما وضع واشنطن أمام خيار الشريك الأصلي المتمثل بالدولة السورية، بدلاً من الشريك الوظيفي المتمثل بميليشيا قسد.
مع استشعار قسد هذا التحول في الموقف الأمريكي، لجأت نحو المناورة والمماطلة بهدف كسب الوقت لعرقلة تنفيذ اتفاق آذار وتعطيل مسار بناء الدولة؛ من خلال دعم واحتضان بؤر الانفصال في الساحل والجنوب، واستثمار حيي الأشرفية والشيخ مقصود كتهديد أمني لمدينة حلب، المركز الاقتصادي والصناعي والتجاري في البلاد.
ومع ظهور العديد من المؤشرات التي تدل على وجود دعم إسرائيلي لقسد بهدف إرباك دمشق وإشغالها داخلياً وإجبارها على تقديم تنازلات في المفاوضات، إلا أنَّه اصطدم بحقيقة أنَّ قسد ارتكبت خطأً استراتيجياً باستجلابها دعماً من الطرف الأكثر تضرراً من سقوط النظام والمتمثل بإيران. تجلى هذا الدعم من خلال استعمال قسد مسيرات إيرانية الصنع استهدفت فيها الأحياء السكنية والمنشآت العامة في مدينة حلب، وهو سلوك وضعها في صدام مباشر مع إحدى أولويات إدارة الرئيس ترامب والتي تهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، وكذلك الرغبة الأمريكية المشتركة مع تركيا في استقرار سوريا. كما منح هذا السلوك غير المنضبط من قسد الذريعة الميدانية لتحقيق الحسم العسكري في مدينة حلب.
وفي ظل التقدم الذي حصل في مفاوضات باريس بين الوفدين السوري والإسرائيلي برعاية أمريكية، وبلوغ الرغبة الثلاثية لسوريا وإسرائيل وأمريكا ذروتها في إنهاء الوجود الإيراني في سوريا، وقعت قسد بين فكي كماشة؛ فمن طرف وجدت نفسها داخلياً في مواجهة الدولة السورية والانتفاضة الشعبية للعشائر العربية ضدها بعد انتهاء المهلة المحددة لاتفاق آذار، ومن طرف آخر تحكمها إقليمياً تناقضات الدعم الإيراني الإسرائيلي والرغبة التركية بإنهاء الملف مع تراجع الدعم الأمريكي وانشغال إيران بلمفها الداخلي والتهديدات الخارجية التي تتلقاها من الولايات المتحدة الامريكية.
هذه العوامل أدت لتضييق هوامش المناورة أمام قسد، مما جعلها كياناً قابلاً للذوبان بسرعة، خصوصاً بعد تلقيها ضربة أخرى خسرت فيها أوراقاً جديدة كانت تعتمد عليها بادعائها تمثيل حقوق الكرد في سوريا؛ ليأتي المرسوم رقم ١٣ لعام ٢٠٢٦ الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع ويؤكد على حفظ الحقوق التعليمية واللغوية والثقافية للكرد، تلاه التقدم الكاسح الذي حققه الجيش السوري بمساندة العشائر العربية في غرب الفرات وشرقه ما افقدها مساحات واسعة على الأرض.
وفي ظل توالي الضربات التي تتلقاها قسد، خسرت اليوم جل معاقلها لصالح الجيش السوري، لتنحصر المعركة في أقصى الشرق قرب الشريط الحدودي التركي والعراقي، في المناطق ذات الغالبية الكردية، تاركة خلفها السجون ومخيم الهول التي كانت إحدى الأوراق الأخيرة التي تحاول الاستثمار فيها أمام المجتمع الدولي بحجة احتواء هذه السجون على مقاتلي داعش.
وبعد خسارتها لجميع الأوراق، لم يتبقَ في يد قسد سوى ورقة بناء المظلومية حيث تعمل من خلالها على تصوير الصراع على أنه صراع عربي كردي، من خلال بث الإشاعات والأكاذيب لإخافة الأهالي في مناطق سيطرتها، بالإضافة إلى قيامها بعمليات اعتقال وتصفية لبعض الشبان العرب المتواجدين ضمن المناطق المتبقية تحت سيطرتها، محاولةً استفزاز العشائر العربية لتثبت من خلالها مظلوميتها الزائفة التي تدعي فيها إبادة المكون الكردي.
ومع انتهاء مهلة الـ ٤ أيام التي أعطتها الحكومة السورية لقسد لتنفيذ اتفاق ١٨ كانون الأول، الذي وقعته بعد خسارتها لمحافظتي الرقة ودير الزور، وتضمن بنوداً عديدة أهمها دمج قسد كأفراد وبسط الدولة سيطرتها على كامل المنطقة، تم تمديد الهدنة ١٥ يوماً أخرى بناءً على طلب التحالف الدولي، ريثما يتم الانتهاء من ملف نقل سجناء داعش إلى العراق من السجون السورية.
وفي الوقت الذي يرى فيه مراقبون أن طول المدة قد يمنح قسد فرصة إعادة ترتيب صفوفها وتموضعها وتمترسها بشكل يسمح لها بإطالة أمد المعركة، أو البحث عن فرص أخرى للمناورة كي تستغلها سياسياً على أمل تغيير المناخ الدولي لصالحها، يرى مراقبون آخرون أن تأخير موعد الحسم العسكري لـ ١٥ يوماً هو بمثابة فرصة حقيقية أمام التيار السوري في قسد للتخلص من الجناح القنديلي الذي يعتبر العائق الأكبر داخل قسد، وبالتالي يصبح الوصول لحلول مع الدولة السورية ممكناً؛ كما أن المدة ستمنح الدولة السورية فرصة إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والعسكرية وتنظيم صفوفها في المناطق الواسعة التي بسطت سيطرتها عليها خلال الفترة الماضية.
في النهاية، تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن “قسد” استنفدت جل أوراق المناورة؛ فمن خسارة الحواضن العربية إلى تبدد المظلومية الكردية قانونياً، وصولاً إلى العزلة الدولية. ومع انتهاء المهلة الأخيرة، يبدو أن كيان “قسد” يتجه نحو الذوبان النهائي، سواء عبر الانضواء تحت سيادة الدولة أو التلاشي عسكرياً تحت وطأة ضرورات احتكار الدولة للسلاح وبسط سيادتها على الأرض السورية


