بقلم: أ. بلال محمد الشيخ _ كاتب وسياسي سوري
إن النقاش حول مستقبل النظام الإيراني لا يمكن النظر إليه من زاوية الداخل الإيراني وحده، بل هو قضية إقليمية ودولية معقدة تتشابك فيها المصالح والهواجس الأمنية والجيوسياسية.
فبينما يتطلع الشعب الإيراني إلى الحرية والخلاص من نظام قمعي دموي أرهقهم لعقود، تقف دول المنطقة أمام معادلة صعبة: هل يشكل سقوط النظام الإيراني فرصة للتغيير أم تهديداً للاستقرار؟
إن انهيار النظام لا يعني بالضرورة قيام بديل ديمقراطي مستقر، بل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة تبدأ بتفكك الدولة إلى كيانات عرقية ومذهبية متصارعة، مروراً بانتشار المليشيات المسلحة وتهريب السلاح عبر الحدود، وصولاً إلى موجات لجوء ضخمة إلى دول الجوار، ما يخلق أزمات أمنية واقتصادية لا قدرة للمنطقة على تحملها.
هذه التداعيات لن تبقى محصورة داخل إيران، بل ستتسرب إلى تركيا والسعودية وباكستان، لتضعها أمام تحديات أمنية وجيوسياسية غير مسبوقة، وقد تمتد آثارها حتى الصين التي تُعد هدفاً رئيسياً في لعبة النفوذ العالمي.
الأخطر من الفوضى هو احتمال أن يُستبدل النظام الإيراني بسلطة موالية لإسرائيل، وهو سيناريو يثير قلقاً بالغاً لدى دول المنطقة لأنه يعني اختلال ميزان القوى بشكل جذري لصالح إسرائيل، وامتداد نفوذها من شرق المتوسط حتى آسيا الوسطى عبر إيران وأذربيجان، بما يشكل تطويقاً استراتيجياً لتركيا والسعودية وباكستان، ويضع الصين تحت ضغط مباشر في ممرات التجارة والطاقة إذ تُعد إيران محوراً أساسياً في استراتيجية الحزام والطريق التي تتبناها بكين، وفي مساعيها الأوسع لتأمين طرق الطاقة وتعزيز نفوذها الإقليمي.
وسيُجبر عدم استقرار إيران الصين على إعادة تقييم أوضاعها بسرعة..
بهذا المعنى، فإن سقوط النظام الإيراني قد يتحول إلى نقطة تحول جيوسياسية تعيد رسم خرائط السيطرة في الشرق الأوسط بطريقة أكثر خطورة مما هو قائم اليوم.
أما بالنسبة لسورية، ورغم العداء المستحق للنظام الإيراني بسبب دعمه السابق للنظام البائد وارتكابه جرائم حرب في سورية، فإن وجود إيران ضعيفة لكن مفهومة السلوكيات قد يكون أفضل من بديل مجهول يُصنع على مقاس القوى الكبرى.
فالنظام الإيراني الحالي، مع سلوكياته الميليشياوية في المنطقة ودول الجوار، يشكل نوعاً من التوازن أمام تركيا والسعودية وإسرائيل، أما انهياره الكامل فقد يفتح المجال أمام إسرائيل لتوسيع نفوذها بلا قيود، وهو ما سيكون وبالاً على المنطقة بأسرها.
ولا شك أن الشعب الإيراني يستحق الحرية والخلاص من نظام قمعي دموي، لكن المعضلة تكمن في أن أي تغيير يأتي من الخارج أو عبر انهيار مفاجئ قد يقود البلاد إلى فوضى تقسيم وصراعات مذهبية وعرقية، وهو ما يجعل حلم الحرية بعيد المنال.
إن الخلاص الحقيقي يجب أن ينبع من الداخل الإيراني، عبر حركة شعبية قادرة على فرض التغيير دون أن تفتح أبواب الجحيم على البلاد والمنطقة. فالتغيير الذي يُصنع على طريقة الآخرين غالباً ما يكون مشوهاً ومفخخاً بالمصالح الخارجية، بينما التغيير الذي ينبع من الداخل وحده قادر على بناء دولة مستقرة تحترم مواطنيها وتنسجم مع محيطها.
وتتسع دائرة التداعيات لتشمل أبعاداً عرقية وجيوسياسية إضافية، إذ إن تركيا ستراقب عن كثب أي حراك كردي داخل إيران خشية أن يشجع المطالب الكردية عبر حدودها، بينما ستنظر دول الخليج إلى خوزستان ذات الغالبية العربية باعتبارها نقطة حساسة قد تفتح الباب أمام مطالب بالحكم الذاتي أو الانفصال، وهو ما يمثل فرصة للبعض وتحدياً للجميع.
وفي باكستان، فإن أي تحولات في إيران قد تنشط القومية البلوشية وتفاقم التمرد القائم في بلوشستان، فيما قد تسعى أذربيجان إلى استغلال وجود جالية أذرية كبيرة في شمال إيران لتعزيز نفوذها، وهو ما قد يؤجج التوترات العرقية على جانبي الحدود.
أما إسرائيل، فإن قلقها يتجاوز وضع الجالية اليهودية في إيران إلى خشيتها من أن تتحول إيران ما بعد النظام إلى ساحة متشرذمة تسودها النزاعات الطائفية والعرقية، بما يخلق بيئة غير مستقرة ويغير معادلات القوة في المنطقة بشكل جذري.
ويبقى السؤال الأهم في هذا السياق: هل انتهى النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط بعد أن ضيقت أمريكا الخناق على إيران داخلياً وخارجياً، أم إن إيران تبقى قوة إقليمية عظمى لا يستطيع أحد إخضاعها أو إضعافها؟
إن الإجابة ليست بسيطة، فالعقوبات الأمريكية المتواصلة والضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية أضعفت قدرة إيران على المناورة وأثرت بشكل مباشر على اقتصادها الداخلي وعلى أدواتها التقليدية في التمدد الإقليمي، لكن في المقابل ما زالت إيران تمتلك شبكة واسعة من التحالفات والميليشيات الممتدة في العراق ولبنان واليمن، وهي أدوات نفوذ يصعب تفكيكها بسهولة، كما أنها تستند إلى خطاب أيديولوجي يضمن لها قاعدة شعبية في بعض المجتمعات.
هذا التناقض يجعل من الصعب القول إن النفوذ الإيراني قد انتهى فعلاً، بل يمكن القول إنه دخل مرحلة إعادة تموضع، حيث تحاول إيران الحفاظ على حضورها الإقليمي رغم الضغوط، وتستثمر في نقاط ضعف خصومها لتبقى لاعباً أساسياً في معادلة الشرق الأوسط.
إن خلاصة هذا المشهد أن سقوط النظام الإيراني ليس بالضرورة نصراً للحرية أو استقراراً للمنطقة، بل قد يكون بداية لفوضى عارمة تعيد تشكيل الشرق الأوسط بطريقة أكثر خطورة.
لذلك، فإن دول المنطقة تنظر إلى بقاء نظام ضعيف يمكن التنبؤ بسلوكه على أنه خيار أقل تكلفة من انهيار شامل يفتح الباب أمام نفوذ إسرائيلي متعاظم وفوضى لا تنتهي.
وبين طموح الشعب الإيراني المشروع في الحرية وهواجس دول المنطقة من الفوضى، يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تحقيق التغيير دون أن يتحول إلى كارثة إقليمية.


