نشأت في شمال شرق سوريا، طيلة السنوات السابقة، بنية حكم مختلفة أوجدتها الظروف والتحولات التي مرت بها سوريا خلال سنوات الثورة. ولم يقتصر الأمر على مجرد وجود قوة عسكرية أو إدارة خدمية، بل تشكلت منظومات أمنية وقضائية وإدارية وسياسية. وبعد سقوط النظام في الثامن من ديسمبر ٢٠٢٤، أصبح ملف توحيد الأراضي السورية من أهم الملفات التي تتعامل معها السلطة الجديدة.
ولأن الدولة الحديثة لا تستقيم، في معناها القانوني والإداري، في ظل استمرار وجود مرجعيات متوازية للقضاء والأمن والمعابر والتمثيل السياسي، وإنما عبر توحيد المؤسسات ووحدة المرجعية التي تتبع لها، ظهرت الحاجة إلى توحيد النموذج المؤسسي للتخلص من ازدواجية السلطة على الأراضي السورية؛ حيث إن استمرار التعدد المؤسسي سيعني ترسيخ نموذج من التشظي الدائم، وتحويل الجزيرة السورية إلى حالة شبه منفصلة سياسياً وإدارياً، بما يفتح الباب أمام مزيد من الهشاشة الأمنية والارتهان الخارجي.
وبعد العديد من المحطات التي مر بها هذا الملف خلال سنة وأربعة أشهر، وكان أبرزها اتفاق 10 آذار، والمفاوضات التي تلته، والعمليات العسكرية التي مكنت الدولة من السيطرة على مساحات واسعة من الجزيرة السورية وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، واتفاق 29 كانون الثاني، تجري اليوم إعادة صياغة واقع المؤسسات في محافظة الحسكة عبر مسار دمج تدريجي ومتسارع، تقوده تفاهمات سياسية وميدانية بين دمشق وقسد، وتحكمه ضرورة الوحدة.
انطلاقاً من هذا المسار، لا يمكن قراءة التطورات الجارية في محافظة الحسكة كمجرد تفاصيل إدارية متناثرة يمكن التعامل معها بوصفها خطوات تقنية معزولة عن بعضها البعض. فزيارة وفد من وزارة العدل السورية، برئاسة النائب العام، إلى الحسكة لبحث تفعيل المؤسسات العدلية، وإدخال معبر سيمالكا ضمن الإطار الحكومي، ووصول اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب إلى المحافظة للبدء بالإجراءات العملية للتحضير لانتخابات ممثلي مجلس الشعب عن محافظة الحسكة، ولقاء مظلوم عبدي، قائد قسد، مع الرئيس الشرع في دمشق، فضلاً عن اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من آخر قواعدها الرئيسية في 16 نيسان، كلها مؤشرات تدل على أن عملية التفاوض دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز هو: إنهاء التعدد المؤسسي وتوحيد المرجعية.
ومع التحسن الذي أحرزه هذا المسار من خلال التقدم الإيجابي في بعض جوانب عملية التفاوض، وما أسفرت عنه من نتائج ملموسة في الفترة الحالية، كإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين، برزت العديد المؤشرات التي دلت على محاولات الطرفين إضفاء طابع مؤسساتي منظم عليه، فعلى سبيل المثال، لا تُعتبر زيارة وفد وزارة العدل إلى الحسكة مجرد معالجة لملف قضائي، بل تشير إلى انتقال الدمج من المستوى السياسي العام إلى مستوى البنية القانونية للدولة. كما أن بدء عملية التحضير لانتخابات مجلس الشعب تدل على أن الحكومة السورية تسعى إلى تثبيت تمثيل المحافظة داخل الإطار السياسي الوطني. أيضا يعد استعادة معبر سيمالكا، ووضعه ضمن إطار المنظومة الحكومية يعني أن ملف الحدود، المرتبط بشكل أساسي بالسيادة، لم يعد موضوعاً قابلاً للتفاوض، كونه جزء من عملية استعادة الدولة لمرجعيتها وفرض سيادتها على أراضيها ومنافذها.
رغم ذلك لا يمكن قياس القيمة السياسية لهذا المسار بنتائجه الحالية أو المرحلية فقط؛ فالإشكالية الأساسية لا تكمن في إنهاء التعدد المؤسسي، بل في الكيفية التي يتم من خلالها تنفيذ هذه العملية: هل تجري ضمن تسوية وطنية عادلة تعترف بخصوصية بعض المناطق وتعددها القومي والمجتمعي، وتمنح سكانها تمثيلاً فعلياً وشراكة سياسية حقيقية؟ أم تجري ضمن إطار إعادة مركزية هدفها الأول فرض السيطرة الإدارية والسيادية؟ خصوصاً أن الوقائع تشير إلى أن ما تم إنجازه حتى الآن، رغم أهميته، يتمحور بشكل رئيسي في ملفات السيادة الصلبة، كالقواعد العسكرية والمعابر والقضاء والتحضير للانتخابات. وهذه كلها ملفات في غاية الأهمية، لكنها لا تجيب عن التساؤلات المرتبطة بطبيعة النظام المحلي المقبل، وصلاحيات الإدارة في المنطقة، وشكل التمثيل الكردي والعربي والسرياني فيها، خصوصاً أن الاتفاقات أو الإجراءات المعلنة ما زالت تترك مسائل حساسة من دون حسم نهائي، لا سيما فيما يتعلق بشكل الاندماج العسكري.
كما أظهرت التطورات الأخيرة أن المسار، رغم تقدمه، ما يزال هشاً وقابلاً للتعثر. فعدم تمكن وفد وزارة العدل من تسلم قصر العدل في القامشلي اعتبره الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ الاتفاق مع قسد تصعيداً غير مبرر يعرقل استكمال تنفيذ التفاهمات. كما تحدثت تقارير محلية عن إعادة انتشار لقوات قسد في الحسكة، بما يوحي باستمرار وجود فجوة بين التفاهم السياسي والتنفيذ العملي لم تُردم بعد بصورة نهائية. وهذا يعني أن إنهاء التعدد المؤسسي لم يتحول بعد إلى واقع مستقر ومحسوم على الأرض. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال هذه التوترات في كونها دليلاً على فشل المسار، بل يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها. فكلما اقترب مسار الدمج من الملفات الحساسة، كالقضاء والأمن والحدود والتمثيل السياسي، ظهرت مقاومات واعتراضات واختبارات ميدانية يبرز معها حجم التعقيد الكامن في الانتقال من التعدد إلى الوحدة. وهذا أمر متوقع في منطقة لم تكن تعيش مجرد اختلاف إداري، بل عرفت خلال السنوات السابقة نمطاً خاصاً من الإدارة الذاتية والسلطة.
لذلك، ينبغي ألا تخفي عملية استعادة الدولة لسيطرتها وبسط نفوذها المؤسساتي والقانوني على المنطقة حقيقة أن الاستقرار لا يمكن بناؤه بالسيطرة فقط، بل أيضاً باكتساب الشرعية وثقة الأهالي والسكان. وإذا كانت الدولة السورية راغبة في جعل عملية إنهاء التعدد المؤسسي خطوة تأسيسية، لا خطوة ظرفية، فهي تحتاج إلى ما هو أكثر من تسلم المواقع، ونقل المقار إليها، وتوحيد المؤسسات؛ إنها تحتاج إلى بناء ثقة محلية، وتقديم تصور واضح لموقع سكان المنطقة في الدولة الجديدة، وإقناعهم بأن وحدة المرجعية لا تعني إلغاء التنوع، وأن استعادة السيادة لن تكون على حساب الشراكة والتمثيل والكرامة السياسية والحرمان من الحقوق. فمن دون بناء هذه الثقة، قد يتحول إنهاء التعدد المؤسسي من فرصة لإعادة بناء الدولة إلى سبب جديد لإنتاج التوترات بصيغ وأشكال مختلفة، خصوصااً أن الحساسيات الرمزية والاجتماعية في المنطقة ما تزال قائمة، وتظهر أحياناّ في حوادث محلية متفرقة مرتبطة بالهوية والرموز، كإنزال علم في مكان، وإطلاق النار على علم في مكان آخر، وبعض التجاوزات هنا وهناك، ما يؤكد أن المعالجة الإدارية وحدها غير كافية.
في الختام، يمكن القول إن ما يجري اليوم في محافظة الحسكة يحمل إمكانية لإنهاء حالة الازدواج المؤسسي التي استمرت سنوات وفتحت الباب أمام التداخل بين المحلي والإقليمي والدولي. إلا أن نجاح هذا المسار لن يتحدد بسرعة الدمج أو عدد المؤسسات التي انتقلت إلى سلطة الدولة، بل بقدرة الحكومة السورية على تحويله إلى مشروع وطني جامع، لا إلى مجرد توسيع رقعة السلطة المركزية. فالدولة لا تستعيد نفسها فقط حين تسيطر، بل حين تقنع أيضاً، وبين السيطرة والإقناع يتحدد ما إذا كانت محافظة الحسكة تشهد اليوم ولادة صيغة سورية أكثر تماسكاً، أم مجرد نهاية مؤقتة لمرحلة وبداية توتر جديد بوسائل مختلفة. وبناء على ذلك، فإن إنهاء التعدد المؤسسي في سوريا يجب النظر إليه بوصفه شرطاً لازماً لبناء الدولة، لكنه ليس شرطاً كافياً. فالدولة التي تُبنى على وحدة المرجعية من دون عدالة سياسية قد تستعيد شكلها، لكنها لا تستعيد استقرارها. وهذا ما يبدو أن الحكومة السورية تعيه وتدركه من خلال اتباعها سياسة النفس الطويل منذ البداية، لكن يبقى تقييم مسار الاندماج متوقف، بشكل أساسي، على عامل الثقة وقدرة الحكومة السورية على اكتسابها من خلال سياساتها، بما يدفع هذا المسار نحو النجاح.


