Search

ميزان “التضامن”: حين تلدُ العدالةُ انتماءً سورياً جديداً

لا يمكن قراءة اعتقال أمجد يوسف بوصفه مجرد إجراء قانوني بحق مرتكب جناية، بل هو في جوهره هزة ارتدادية في الوعي الوطني السوري. إنها اللحظة التي يتوقف فيها الزمن عند حدود “المجزرة”، ليبدأ مساراً جديداً يتجاوز رمزية الضحية والجاني، نحو تأسيس سردية وطنية تقوم على أن “الدولة” هي الحصن الذي يحمي، وليست الظل الذي يُخشى.

العدالة الانتقالية: من “جبر الضرر” إلى “بناء الدولة”

إن العدالة الانتقالية ليست ترفاً قانونياً أو رغبة في الثأر، بل هي مختبر القيامة الوطنية. عندما تتبنى الدولة أعمدة هذه العدالة الأربعة:

 1. كشف الحقيقة: لمواجهة الماضي بشجاعة دون مواربة.

 2. المحاسبة: لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

 3. جبر الضرر: لترميم الأرواح قبل الأبنية.

 4. ضمان عدم التكرار: مأسسة القوانين التي تجعل من

كرامة الإنسان خطاً أحمر.

عندها فقط، يتحول مفهوم “الدولة” في العقل الجمعي السوري من “سلطة إكراه” إلى “مظلة حقوق”، ويصبح الاصطفاف الشعبي خلفها نتيجة منطقية للشعور بالأمان، لا صدىً لخطابات التجييش.

 ميثاق الدم والسيادة: القانون فوق الجميع

إن اصطفاف السوريين خلف حكومتهم في هذه المرحلة المفصلية مرهون بمدى قدرة المؤسسة القضائية على إثبات أن الدم السوري غالي قولاً وفعلاً. حين يرى المواطن أن القانون يطال الجميع، بغض النظر عن الرتبة أو النفوذ، يولد لديه شعور فطري بالملكية تجاه هذه الدولة.

“العدالة هي الخيط الرفيع الذي يربط بين الفرد ومجتمعه؛ فإذا انقطع، تاهت الهوية، وإذا اشتد، تشكلت الكتلة الوطنية الصلبة.”

 ترميم الهوية الوطنية الجامعة

لقد أثخنت الجراحُ جسدَ الهوية السورية، وما اعتقال المتورطين بجرائم ضد الإنسانية إلا عملية جراحية ضرورية لاستئصال الأورام التي تمنع تعافي النسيج المجتمعي. هذه الخطوة ترسل رسالة “تطمين سيادي” بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، تنحاز للحق وتنصف المظلوم، مما يفتح الباب أمام مصالحة وطنية لا تقوم على “نسيان الماضي”، بل على “تجاوزه بعد إنصافه”.

الطريق نحو النهضة المستدامة

إن الطريق نحو استعادة الثقة محفوف بالتحديات، ويستلزم إرادة سياسية صلبة تحول القضاء إلى سلطة مستقلة تماماً. نجاح هذا المسار يعني تحويل “لحظة أمجد يوسف” من جرح وطني نازف إلى **حجر زاوية**

في بناء سورية المستقبل.

في الختام:

الاصطفاف الحقيقي ليس تصفيقاً للسلطة، بل هو إيمانٌ بالمؤسسة. وإذا ما استُكملت إجراءات العدالة بشفافية، فإن الشعب السوري سيصطف خلف دولته ككيان يمثله ويصون كرامته، لتصبح العدالة هي المحرك الفعلي لأي نهضة وطنية مستدامة، ولتكون سورية، بكل أبنائها، هي الرابح الأكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top