تكمن المعضلة الجوهرية في الواقع السياسي السوري المعاصر في ظاهرة “الإعدام المعنوي الاستباقي”، حيث تندفع منصات الهجوم الممنهج لتقويض التجربة قبل اكتمال نصابها الوظيفي أو منحها الفرصة الكافية للعمل. إننا نشهد حالة من الاستهداف الحاد تطال نخبة من الوزراء والمسؤولين الذين انبثقوا من رحم الحالة الثورية، حاملين معهم إرثاً من التضحيات الميدانية التي تمثل الركيزة الأساسية لشرعيتهم السياسية والأخلاقية. ومع ذلك، يُستباح هذا الرصيد التاريخي عبر محاولات دؤوبة لاصطياد الهفوات وتضخيم الأخطاء الإجرائية، بمعزل تام عن السياق الموضوعي والظروف القاسية التي تُدار فيها المؤسسات في زمن الأزمات والحروب.
إن تفكيك سيكولوجية هذا النقد العدائي يكشف عن بنى شخصية مأزومة؛ فهناك فئة محكومة بالعجز عن الفعل تجد في تقويض المنجزات آلية نفسية لتعويض قصورها عن تقديم البدائل، وهناك نخب نرجسية تتبنى مقاربات خيالية منفصلة عن تعقيدات الواقع الميداني، مما يدفعها نحو ممانعة نفسية تجاه أي منجز لا يتطابق مع تصوراتها الشخصية المطلقة. هذا السلوك يعكس نرجسية مفرطة ترفض الاعتراف بحدود الجهد البشري وتتعامل مع السلطة كهدف دائم للتصويب بغض النظر عن النتائج المحققة على الأرض.
وضمن هذا المنظور، تتجلى أزمة الثقة كعائق أساسي يمنع التلاحم بين المجتمع ومؤسساته، إذ يُنظر إلى كل محاولة بناء بصفتها محلاً للشك، ويُختزل الفعل العام في رصد السقطات بدلاً من تقويم المسارات. إن هذا الانتقال من مفهوم الحرية كقيمة أخلاقية وبنائية إلى استخدامها كأداة للتجريح والحقد الشخصي يمثل انتكاسة كبرى في الوعي، فالحرية في جوهرها ممارسة رصينة ومسؤولة، غايتها الكبرى هي حفظ الكيان وتطوير البناء المؤسساتي، لا تحطيم الرموز وتجريف الكفاءات تحت مقصلة النقد غير المنضبط.
إن الإمعان في هذا النمط المشوه من ممارسة الحرية يضع المسؤول أمام خيار اضطراري يتمثل في تبني نهج صارم وحازم لحماية كيان المؤسسة من التآكل الداخلي، وهو ما قد يفضي بالضرورة إلى تحويل الفاعل السياسي إلى شخصية ترفض الرأي الآخر وتشكك في النوايا نتيجة انعدام الثقة في نزاهة الناقد ومقاصده. وفي هذه اللحظة الحرجة، يصبح الانحياز لقرار المسؤول وحماية هيبة الدولة ضرورة وجودية، مقابل نبذ أولئك الذين استغلوا مناخات الحرية لتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات وهدم الكيان الوطني تحت غطاء زائف من النقد والحرص المصطنع.
وتعد العلاقة بين سيولة الحرية وصلابة السلطة واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في الفلسفة السياسية، وتحديداً في سياق النظم الانتقالية أو المأزومة. فمن منظور علم الاجتماع السياسي، تؤدي فوضى الحرية – التي تتحول من ممارسة نقدية رصينة إلى أدوات تقويض معنوي واغتيال للشخصية – إلى خلق ما يسمى بـالفراغ المؤسساتي الوظيفي. فعندما يشعر المسؤول أن كيان المؤسسة مهدد ليس بسب قصور في الأداء، انما بسبب حدة وتوحش النقد يجد نفسه مدفوعاً نحو ما يسميه الفيلسوف الألماني كارل شميت بحالة الاستثناء و في هذه الحالة، يتولد لدى الفاعل السياسي قناعة بأن حفظ الكيان يتقدم على مراعاة الحقوق مما يدفعه لتبني نهج شمولي لحماية الدولة من التآكل الداخلي .
هذا التحول ليس بالضرورة نابعاً من نزعة إجرامية متأصلة، بل هو استجابة سيكوسياسية لغياب العقد الاجتماعي الناظم للنقد اضافة الى النرجسية التي تمارسها النخب في نقدها الهدام تخلق بيئة من عدم الثقة المطلقة حيث يبدأ المسؤول برؤية أي رأي مخالف كـفعل تخريبي أو تآمر استباقي هنا، تتحول السلطة من أداة للإدارة إلى درع للحماية، وينزلق المسؤول تدريجياً نحو عدم تقبل راي الاخر ؛ وهو نمط من الحكم يبرر فيه المسؤول قمعه للحريات بكونه ضريبة ضرورية لمنع الانهيار الشامل أمام فوضى الغوغاء.
علمياً، يساهم هذا المناخ في صناعة الديكتاتور العادل في مخيلة السلطة، وبذلك، تقع النخب في مفارقة كبرى: فبينما تظن أنها تمارس أقصى درجات الحرية في نقدها اللاذع، فإنها في الواقع تقدم المبرر الأخلاقي والسياسي للمسؤول ليتحول إلى شخصية سلطوية منغلقة، ترى في الانفراد بالقرار والضرب بيد من حديد الوسيلة الوحيدة لضمان استمرارية البقاءالمؤسساتي وسط غابة من التشبيح الفكري والاغتيال المعنوي
أخيرا :
إن الطريق الوحيد للخروج من دائرة تبادل الاتهامات والشكوك هو أن نتعلم كيف ننتقد من أجل البناء لا من أجل التحطيم. نحن اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فإما أن ندعم المسؤولين الذين صمدوا في الداخل وقرروا العمل في أصعب الظروف، أو أن نتركهم لقمة سائغة لمنصات التواصل التي لا ترحم. إن الاستمرار في الهجوم الشخصي وتضخيم الأخطاء الصغيرة يجعل أصحاب الكفاءات والعقول يهربون من العمل العام، خوفاً على سمعتهم من التجريح، وهذا سيترك الساحة فارغة من أي شخص مخلص وقادر على التغيير.
علينا أن ندرك أن الحرية ليست وسيلة لإهانة الآخرين أو تصفية الحسابات القديمة، بل هي مسؤولية تجاه الوطن. عندما ننتقد مسؤولاً، يجب أن يكون هدفنا إصلاح الخطأ لا تحطيم الشخص، لأننا عندما نحطم الرموز التي تعمل على الأرض، فنحن في الحقيقة نهدم أعمدة المؤسسات التي نحلم ببنائها. إن حماية هيبة مؤسساتنا والوقوف صفاً واحداً خلف من يضحي ويعمل هو الضمان الوحيد لكي لا تضيع تضحيات السنوات الماضية سدى، ولكي نبني وطناً يقوم على الثقة والاحترام المتبادل بدل الحقد والكراهية.


