Search

حين يصمت التصفيق: كيف يقرأ السوريون رموز التحول السياسي؟

توجّه الرئيس أحمد الشرع إلى المنصة لإلقاء كلمته أمام أعضاء مجلس الشعب في جلسته الافتتاحية، التي عُقدت في الثاني عشر من تموز/يوليو 2026. ظل أعضاء المجلس في أماكنهم، من دون أن ترافق المشهد هتافات التمجيد أو موجات التصفيق الطويلة التي ارتبطت في ذاكرة السوريين بالمشاهد البرلمانية السابقة. وعلى بساطة هذا التفصيل البروتوكولي، كان من أكثر مشاهد الجلسة إثارة للانتباه والنقاش. فالتصفيق ممارسة طبيعية في البرلمانات والمناسبات السياسية، وقد يكون تعبيرًا عن الترحيب أو التأييد، فلماذا بدا غيابه مهمًا في الحالة السورية؟
لم يقرأ السوريون غياب التصفيق بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا مجردًا، وإنما قرؤوه في ضوء حقبة اكتسب فيها التصفيق معنى سياسيًا يتجاوز وظيفته الطبيعية. فقد ارتبطت جلسات مجلس الشعب في ظل النظام السابق، في الذاكرة السياسية السورية، بصورة النواب الذين يستقبلون رئيس الجمهورية بالتصفيق المطوّل والمتكرر، ويقاطعون كلماته بإظهار التأييد والحماسة. وبفعل التكرار، لم يعد التصفيق في هذا السياق تعبيرًا عفويًا عن الاستحسان، بل تحوّل إلى أحد طقوس إظهار الولاء والامتثال، وإلى صورة تختصر علاقةً غير متوازنة بين رأس السلطة والمؤسسة التي يُفترض أن تراقب أداءها وتناقش سياساتها.
وبلغ رسوخ هذا المعنى حدّ انتقاله من المجال السياسي الرسمي إلى الثقافة الشعبية الساخرة. ففي لوحة «التصفيق» من الجزء الثالث من المسلسل السوري الكوميدي بقعة ضوء، يجتمع مسؤولون في أحد الفروع الأمنية لمناقشة «خطر» مواطن لا يصفق في المناسبات العامة، ويحملونه مسؤولية تراجع نسبة التصفيق في البلاد. تقوم المفارقة على المبالغة الكوميدية، لكنها تكشف أن التصفيق كان قد أصبح مفهومًا سياسيًا يفهمه السوريون من دون حاجة إلى شرحه: ليس حركةً بالأيدي فحسب، بل مقياسًا ساخرًا للولاء، يمكن أن يتحول الامتناع عنه إلى فعل يثير شكوك السلطة.
لهذا لم يكن غياب التصفيق في الجلسة الجديدة حدثًا مستقلًا عن الماضي، بل اكتسب معناه من المقارنة به. فلو لم يحمل السوريون تجربة طويلة ومريرة مع هذا النوع من المشاهد، لما استوقفهم غياب التصفيق أصلًا، ولربما مرّ بوصفه تفصيلًا عاديًا لا يستحق النقاش. لكن الذاكرة السياسية لا تستقبل الصور الجديدة على أرض محايدة، إنها تربطها بصور سابقة، وتقارن بينها، ثم تمنحها دلالات تتجاوز معناها المباشر. وهكذا لم يعد الصمت مجرد غياب للصوت، بل صار، لدى كثير من المتابعين، نقيضًا رمزيًا لصخب سياسي سابق ارتبط بالتمجيد والاستعراض.
تفسّر الشعوب التحولات السياسية ليس فقط من خلال الخطابات الرسمية والنصوص القانونية، بل أيضًا من خلال الإشارات والرموز، مهما بدت صغيرة. ويزداد وزن هذه الرموز في المراحل الانتقالية، ولا سيما في فترات ما بعد النزاع، حين لا تكون ملامح الواقع السياسي الجديد قد تبلورت بعد. فالمؤسسات تحتاج إلى وقت حتى تُختبر، والقواعد الجديدة لا تكشف نتائجها منذ اليوم الأول، لذلك يبحث المجتمع عن مؤشرات أولية تساعده على استشراف اتجاه المرحلة المقبلة.
غير أن المجتمعات لا تستقبل هذه المؤشرات بذاكرة فارغة، بل تقرؤها من خلال مخزون من التجارب والصور المتراكمة عن السلطة. وتعمل الذاكرة السياسية هنا كمرشّح يعيد تأويل التفاصيل الصغيرة، فيمنحها وزنًا أكبر من معناها المجرد، ويحوّلها إلى مؤشرات يختبر المجتمع من خلالها ما إذا كان الماضي قد انتهى، وما إذا كانت قواعد جديدة قد بدأت بالتشكل. الماضي، بهذا المعنى، لا يبقى خلف المجتمع، بل يحضر في الطريقة التي ينظر بها إلى المشهد الجديد ويمنحه معناه.
لذلك، لم ينظر كثير من السوريين إلى جلسة مجلس الشعب بوصفها إجراءً مؤسسيًا فحسب، بل بوصفها مشهدًا رمزيًا يبحثون فيه عن ملامح الدولة المقبلة. ولم يكن الاهتمام منصبًا على قرار بعينه بقدر ما اتجه إلى التساؤل عمّا إذا كانت قواعد اللعبة السياسية قد بدأت تتغير، وإلى قراءة الطريقة التي قدّمت بها المؤسسة نفسها في ظهورها الأول.
في هذا السياق، قُرئ غياب هتافات التمجيد بوصفه محاولة رمزية لإعادة الاعتبار إلى مكانة المؤسسة التشريعية، ورسم علاقة أقل استعراضية بينها وبين الرئاسة. كما حمل خطاب الرئيس عن الشورى وتقريب الآراء وترسيخ الحوار دلالةً تتجاوز مفرداته المباشرة، إذ ربط عدد من المتابعين بين الدعوة إلى التشاور وبين تصور لمستقبل سياسي يقوم على قدر أكبر من المشاركة في اتخاذ القرار. وقد دعا الرئيس أحمد الشرع أعضاء المجلس إلى ترسيخ ثقافة الحوار واحترام المؤسسات، وإلى جعل المجلس منبرًا للحكمة وصوتًا للشعب.
وحمل انتخاب رئيس مجلس الشعب بالاقتراع السري دلالة مؤسسية مشابهة. فقد انتُخب عبد الحميد عكيل العواك رئيسًا للمجلس بعد منافسة ثلاثة مرشحين، في عملية اقتراع سرية نص عليها النظام الانتخابي المؤقت. والاقتراع السري في أصله إجراء تقني، لكنه اكتسب في هذا السياق قيمة رمزية، لأنه يتيح للنواب مساحةً أوسع للتعبير بعيدًا عن ضغط التصويت العلني، ويبتعد عن صورة الموافقات الجاهزة التي التصقت بالمجلس السابق في الذاكرة السورية.
وكان للمظهر العام لبعض عضوات المجلس حضور رمزي أيضًا. فقد ظهرت مرفت صبحي توتو مرتدية النقاب، في حين حضرت فصلة خضر يوسف بالزي الكردي التقليدي. وقُرئ هذا التباين بوصفه تعبيرًا بصريًا عن التنوع الثقافي والهوياتي في المجتمع السوري، لا مجرد اختلاف شخصي في الملابس. فاللباس، عندما يظهر داخل مؤسسة عامة في لحظة تأسيسية، يمكن أن يتحول من شأن فردي إلى رسالة حول الصورة التي تسعى المؤسسة إلى تقديمها عن المجتمع الذي تمثله.
ولا يعني ذلك أن هذه المشاهد كلها تحمل رسالة واحدة محددة مسبقًا، أو أن السوريين استقبلوها بالطريقة نفسها. فالرمز السياسي لا يملك معنى ثابتًا مستقلًا عن الجمهور، وقد يراه بعضهم مؤشرًا على تحول حقيقي، بينما يراه آخرون مجرد تفصيل لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل. لكن تعدد القراءات لا يلغي أهمية الرمز، بل يكشف أن المؤسسات الجديدة لا تتواصل مع المجتمع من خلال قراراتها وقوانينها فقط، وإنما أيضًا من خلال صورتها ولغتها وطريقة حضورها في المجال العام.
وليس دور هذا المقال الحكم على صدقية هذه الرموز أو مدى ترجمتها إلى ممارسات سياسية فعلية، فذلك يتطلب وقتًا ونتائج يمكن اختبارها على الأرض. وإنما يسعى إلى تفسير سبب اكتسابها هذا الوزن اللافت في وعي السوريين منذ اللحظة الأولى. وحتى عندما تحتمل بعض الرموز أكثر من قراءة، فإن الاهتمام بها يعكس حساسية المجتمع تجاه كل إشارة يمكن أن توحي بالقطيعة مع الماضي. فالرموز في المراحل الانتقالية ليست دليلًا قاطعًا على تحقق التغيير، لكنها مؤشرات أولية يختبر الناس من خلالها اتجاه المرحلة الجديدة، مستندين إلى خبرة تاريخية جعلت التفاصيل الصغيرة مدخلًا لفهم طبيعة السلطة وقواعد عملها.
لم يكن ما استوقف كثيرًا من السوريين في تلك الجلسة، إذن، مجرد غياب التصفيق، بل ما حمله هذا الغياب من احتمال ولادة لغة سياسية مختلفة. لم يكن الاحتفاء بالصمت في ذاته، وإنما بإمكان أن يتحول مجلس الشعب من مسرح للتمجيد إلى فضاء يسمح بالاختلاف وإبداء الرأي. ففي مجتمع خرج من عقود من الحكم السلطوي ومن حرب طويلة، يقرأ الناس بدايات التحول في التفاصيل الصغيرة قبل أن تتضح النتائج الكبرى.
وهكذا بدا غياب التصفيق لحظة رمزية مكثفة، عبّرت عن رغبة عميقة في أن تكون الدولة الجديدة مختلفة فعلًا. فالرموز لا تصنع التغيير، ولا تستطيع أن تحل محل السياسات والمؤسسات، لكنها تكشف حاجة المجتمع إليه، وتمنحه اللغة الأولى التي يتخيل بها مستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top