Search

وسائل التواصل الاجتماعي: بين الغنى المعلوماتي والفقر النقدي

لا يؤخذ على وسائل التواصل الاجتماعي قصورها في عمليّة إتاحة المعلومات ومتابعة الأحداث المتجدّدة، بل لعلّها يسّرت ذلك بشكلٍ أكبر من أيّ وقتٍ مضى. فبينما كانت عمليّة الوصول إلى الأخبار والمعلومات تتطلّب جهدًا ووقتًا في البحث والتنقّل بين المكتبات وربّما المدن، بات بإمكان الباحث اليوم الوصول إلى مبتغاه من مكتبه من خلال جهازٍ لوحيٍّ وخلال ثوانٍ معدودةٍ. إلّا أنّ غزارة البيانات الّتي يتلقّاها الأفراد اليوم لا تُترجم بالضرورة إلى معرفةٍ حقيقيّةٍ عميقةٍ، ولا تنمّي بذاتها مهارة البناء المنهجيّ والتفكير التحليليّ والنقديّ، بل ربّما تسهم لدى كثيرين في زيادة الفوضى الفكريّة والمعرفة غير المنظّمة إذا لم تستغلّ هذه البيانات بالشكل الأمثل في عمليّة بناءٍ صحيحٍ.
ومع هذا الإغراق المعرفيّ، يتبادر سؤالٌ يفرض نفسه بقوّةٍ: كيف تؤثّر كثافة التدفّق المعلوماتيّ عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ على الحسّ النقديّ والتفكير التحليلي لدى المستخدمين؟ وما السبب الأكثر تأثيرًا في ذلك؟
ويمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال عددٍ من الفرضيّات، من أبرزها:
-الآليّات الإدراكيّة التلقائيّة للدماغ، في التعامل مع التدفّق المعلوماتيّ الكثيف.
-الآليّات التقنيّة المتعلّقة بالتصميم الهيكليّ وخوارزميّات وسائل التواصل والمنصّات الرقميّة.
-ضعف الوعي الرقميّ والتأهيل التربويّ لدى الكثير من المستخدمين.

المعرفة في الماضي (معلوماتٌ أقلّ وجهدٌ أكبر)
عكست وسائل تحصيل المعلومات في كلّ عصرٍ واقع الإنسان وتطوّره، فقد كان الوصول إلى المعلومة قديمًا يكاد ينحصر بالتناقل الشفهيّ، وهو ما يفرض شكلًا من محدوديّة تناقل المعارف وصعوبة الوصول إليها، وبذلًا أكبر في البحث والاستقصاء. ورغم تطوّر طرق وأساليب الكتابة وإسهامها في حفظ المعرفة وإتاحتها بشكلٍ أكبر خصوصًا بعد اختراع الطابعة، إلّا أنّ ذلك لم يُلغِ الحاجة إلى القراءة المتأنّية الفاحصة.
العالم الرقمي: وضغط الزمكان
ومع تطوّر العالم الرقميّ بشكلٍ مذهلٍ في القرن الحاليّ، تحوّل الوصول إلى المعرفة نفسها من الندرة إلى الفائضيّة، ومن المحلّيّة إلى العالميّة، وتجلّى مفهوم العولمة بصورةٍ أوضح. إذ لم يعد مفهوم (العالم قريةٌ صغيرةٌ) مجرّد وصفٍ إنشائيٍّ بلاغيٍّ، بل بات يعكس معنىً عميقًا ذا أبعادٍ واقعيّةٍ. إلّا أنّ هذا التحوّل الكبير حمل في طيّاته تحوّلًا آخر في طبيعة تلقّي المعرفة ومعالجتها، وهو ما يثير الإشكاليّة حول مدى أثره على التفكير النقديّ والتحليليّ كعامليّ أساسٍ في تشييد بناءٍ منهجيٍّ متماسكٍ يمثّل معرفةً عميقةً، خصوصًا مع توقّع استمرار الإشكاليّة ذاتها مستقبلًا، بل وربّما ترسّخها بشكلٍ أكبر.

الآليّات الإدراكيّة للدماغ
بين التخزين الخارجي والفائض المعلوماتيّ (كيف يستجيب الدماغ)
تشير أولى الفرضيّات المفسِّرة لهذه الظاهرة إلى طبيعة استجابة الدماغ للبيانات الواردة عليه، وما يحدثه ذلك من تغيّرٍ في النظر إلى مفهوم امتلاك المعرفة.
إنّ الاعتماد على توفّر المعلومات وسهولة الوصول إليها، قد لا يؤثّر مباشرةً في القدرة النقديّة والتحليليّة لدى المتلقّي، بل قد يسهم في إنضاج العمليّة التعليميّة إذا استُخدم بشكلٍ صحيحٍ. إلّا أنّ هذا الأمر يدفع بشريحةٍ عريضةٍ من المستخدمين إلى عدم التعمّق في مضمون ودلالات الفكرة وامتداداتها المفاهيميّة. حيث تنمّي لديهم شعورًا بامتلاك المعرفة، في حين أنّ كون المعلومات متاحةً على الشبكة أو في الحاسوب لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة فعلًا. وفي دراسة نُشرت في (SCIENCE) عام 2011 بعنوان (GOOGLE EFFECTS ON MEMORY)، خلص الباحثون إلى أنّ الناس حين يتوقّعون أنّ المعلومة ستكون متاحةً عبر الحاسوب أو الشابكة، يميلون إلى تذكّر مكان العثور عليها أكثر من تذكّر مضمونها، وهو ما قد يعزّز ثقافة الاعتماد على معرفة مكان المعلومة أكثر من امتلاكها معرفيًّا.
يتداخل هذا البعد مع الاستجابة الآليّة التلقائيّة للدماغ البشريّ في التعامل مع فائض المعروض اليوميّ عليه. إنّ كثافة وزخم المعلومات والأخبار الّتي يتلقّاها المتابع يوميًّا، يشكّل عبئًا إضافيًّا على الدماغ البشريّ، حيث يميل الدماغ -بسببه- إلى الاعتماد بدرجةٍ أكبر على المعالجة السريعة والاختصارات الذهنيّة بدلًا من التحليل العميق المتأنّي. وهو ما أيّدته بعض الدراسات الداعمة لنظريّة المعالجة المزدوجة، ونظريّة العبء المعرفيّ (لجون سويلر) الّذي يرى أنّ الحمل المعلوماتيّ يقلّل الموارد الذهنيّة المتاحة للمعالجة العميقة والتحليل النقديّ، نظرًا للقدرة المحدودة للذاكرة العاملة. كما أنّ التصفّح المتعدّد والانتقال السريع بين الوسائط والمقاطع القصيرة، قد يؤثّر سلبًا في مهاراتٍ مثل الانتباه والتركيز وقوّة الذاكرة لدى الكثيرين. ومع تكرار ذلك لمددٍ طويلةٍ، قد تتراجع الممارسة التحليليّة -عند الكثيرين- لتتحوّل إلى نمط تفكيرٍ وسلوكٍ متكرّرٍ، يؤثّر بشكلٍ ملحوظٍ في قدراتهم التحليليّة وحسّهم النقديّ. ولعلّ إعادة نشر الكثير من المحتوى السطحيّ وغير الدقيق علميًّا من قبل الكثير من المستخدمين خير مثالٍ على ذلك.
إنّ هذه الدراسات لا تجعل وسائل التواصل الاجتماعيّ سببًا آليًّا لهذه النتائج، ولا تؤكّد على وجود تلازمٍ حتميٍّ بينهما بشكلٍ حاسمٍ، إلّا أنّها تدعم -في الوقت ذاته- نظريّة تأثير التدفّق المعلوماتيّ الكبير والتصفّح المتعدّد لفتراتٍ طويلةٍ على القدرة التحليليّة والنقديّة لدى الكثير من المتلقّين، خصوصًا إذا باتت تشكّل نمطًا حياتيًّا متكرّرًا.

الآليّات التقنيّة: خوارزميّات المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي
(الإغراق بالمعروض واقتصاد الانتباه)
تشغل وسائل التواصل الاجتماعيّ حيّزًا مهمًّا بين قطاعات الأعمال والاستثمار، وتلعب دورًا وسيطًا مؤثّرًا بين المعلنين والمستخدمين. كما أنّها تشكّل قاعدة بياناتٍ ضخمةٍ لرصد وقياس تفضيلات المستخدمين. لذا فإنّ أحد أهمّ أهداف الشركات المالكة لوسائل التواصل الاجتماعيّ هو زيادة عدد المستخدمين، وإقناعهم باستخدامها لأطول وقتٍ ممكنٍ.
تستند هذه الخوارزميّات في عملها إلى أنماط السلوك البشريّ، إذ يفضّل الكثير من المستخدمين منشورات ومقاطع الفكاهة والترفيه في الكثير من الأوقات. كما تشكّل العناوين المثيرة والجدليّة عامل جذبٍ لانتباه آخرين. وفي الوقت ذاته يمثّل التجديد والتنوّع في المعروض القصير والبسيط أفضل طاردٍ لعنصر الملل الّذي يتسلّل مع الزمن إلى المستخدمين. ولعلّ هذا أحد تفسيرات النجاح الاستثنائيّ لتطبيق (Tik Tok)، الّذي وصل لمليار مستخدمٍ خلال أربع سنواتٍ تقريبًا مختصرًا نصف الزمن الّذي احتاجته منصّات منافسة ك(انستغرام) للوصول إلى نفس عدد المستخدمين، وذلك من خلال تميّزه بالمقاطع القصيرة وتخصيص المقترحات لتنسجم أكثر مع التفاعل، وهو ما دفع بقيّة المنصّات والتطبيقات إلى تبنّي آليّاتٍ مشابهةٍ لاحقًا.
لذا… تميل خوارزميّات المنصّات ومواقع التواصل إلى ترجيح الاقتراح التلقائيّ -نسبيًّا- للموادّ الترفيهيّة والمنشورات والمقاطع المختصرة والقصيرة والتفاعليّة، مقارنةً بالمحتوى المطوّل والمتخصّص، لضمان جذب أكبر عددٍ من المستخدمين، وإبقائهم في حالٍ من التفاعل الحيّ لأطول زمنٍ ممكنٍ. وهو ما يتوافق مع عددٍ من الدراسات الحديثة، الّتي تشير إلى أنّ أنظمة التغذية الراجعة تؤثّر في أنماط التفاعل ومدّة الاستخدام، من خلال إعادة ترتيب أولويّات الظهور، دون شعور المستخدمين بذلك. (Algorithmic Influence on Social Media Content and User Behavior – Nature Index (2025)) – (Guess, A. M. et al. (2023) Science)
ولا يعني ذلك عدم وجود المحتوى العلميّ الرصين، بل إنّ هناك العديد من المنتديات والصفحات المخصّصة لذلك. إلّا أنّ خوارزميّات المواقع ووسائل التواصل الّتي تراعي عاملي الجاذبية والتفاعل لدى المستخدمين، تمنح المحتوى المبسّط والأعلى تفاعلًا فرص ظهورٍ أكبر.
لم يعد أثر الخوارزميّات يقتصر فقط على تنظيم المحتوى وعرضه، بل يمتدّ إلى تشكيل نمط التلقّي نفسه، من خلال هندسة العرض الّتي ترجّح المحتوى السريع الجاذب مقابل المحتوى الّذي يتطلّب تأنّيًا وتحليلًا وتركيزًا أطول. لا تمنع الخوارزميّات المستخدمين من الوصول إلى المعرفة الجادّة، لكنّها تعيد ترتيب أولويّات الظهور للمستخدمين وفق معايير التفاعل السلوكيّ لا العمق المعرفيّ، وهو ما قد يحدّ تدريجيًّا من التعرّض للمحتوى الّذي يفعّل ممارسة التفكير النقديّ، ما يقود إلى تقليل ممارسته فعلًا لدى العديد من المستخدمين.

الوعي الرقمي (هل الإنسان موجِّهٌ أم موجَّهٌ؟)
تشير الفرضيّتان السابقتان (العامل الإدراكيّ والتقني) إلى سببين مهمّين، لكنّهما ليسا كافيين لتفسير الظاهرة بمفردهما، فهما لا يفسّران سبب اختلاف درجة تأثير هذه الوسائل في المستخدمين. ففي حين تمثّل الوسائل مصدرًا للتشتّت وبناء الوهم المعرفيّ لدى كثيرين، إلّا أنّها تمثّل في الوقت ذاته أداةً مهمّةً في بناء المعرفة العميقة والنضج والتفوّق لدى العديد من الناجحين.
إنّ الوعي الرقميّ والتأهيل التربويّ للمستخدمين يلعبان دورًا حاسمًا في تفسير هذه الظاهرة. فمع كلّ تطوّرٍ في وسائل تحصيل المعرفة ستحدث تغيّراتٌ جديدةٌ في بيئة التلقّي، وستظلّ آليّات الاستجابة في الدماغ هي ذاتها، غير أنّ المتغيّر الأهمّ والأكثر قابليّة للتطوير والتكيّف هو وعي الإنسان وإرادته. وكما كان وعي الإنسان بقيمة المعرفة وإرادته في تحصيلها عاملًا حاسمًا في الماضي، فهو اليوم أكثر حسمًا في عصر التدفّق المعلوماتيّ واليسر المعرفيّ، ولعلّه سيظلّ العامل الأكثر تأثيرًا في كيفيّة توظيف هذه الوسائل المتطوّرة مستقبلًا.
والوعي الرقميّ ليس مجرّد القدرة على استخدام هذه الوسائل، بل التعاطي معها بنضجٍ، من خلال امتلاك مهاراتٍ تمكّنه من التحقّق من الأخبار، والتمييز بين الحقائق والآراء، وتقييم المصادر، وتحليل المعلومات، وعدم الوقوع في فخّ السرديّة والتحيّزات المعرفيّة. وهو ما يتوافق مع إطار الكفاية الرقميّة والإعلاميّة الّذي تبنّته اليونيسكو، الّذي عدّ التفكير النقديّ وتقييم المعلومات جزءًا أساسيًّا من الكفاءة الرقميّة.
تبدو فرضيّة الوعي الرقميّ والتأهيل التربويّ الأكثر ترجيحًا بين الفرضيّات الثلاث، لا لأنّ العوامل الإدراكيّة والتقنيّة غير مؤثّرةٍ، بل لأنّ هذه الفرضيّة تفسّر اختلاف استجابة الأفراد للبيئة الرقميّة ذاتها، وكونها تشير إلى العامل الأكثر قابليّةً للتطوير والتأثير، والتكيّف مع العوامل الأخرى وتكييف الوسائل المتجدّدة، والحدّ من آثارها السلبيّة.
وبذلك يتبيّن أنّ أثر وسائل التواصل الاجتماعيّ لا يتحدّد بالخصائص التقنيّة والاستجابات الإدراكيّة وحدهما، بل يتأثّر بدرجةٍ كبيرةٍ بقدرة المستخدم على إدارة بيئته الرقميّة ووعيه بها، وممارسة التفكير النقديّ والتحليل المنهجيّ في التعامل معها.
لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعيّ والمنصّات الرقميّة تحوّلًا جذريّا في بيئة الوصول إلى المعلومات وكيفيّة التفاعل معها، إلّا أنّها أوجدت في الوقت ذاته تحدّياتٍ جديدةً تتعلّق بالقدرة التحليليّة والحسّ النقديّ لدى كثيرٍ من المستخدمين، نتيجة تضافر وتداخل العوامل الإدراكيّة والتقنيّة والتربويّة. ومع استمرار التطوّر المتسارع لوسائل الوصول إلى المعلومات وتحصيل المعرفة، فمن المتوقّع أن تستمرّ الإشكاليّة نفسها في المستقبل، وربّما بحضورٍ أقوى وبصورةٍ أوضح، ما يدفعنا إلى البحث عن حلولٍ عمليّةٍ تعظّم المنفعة من وسائل التواصل الاجتماعيّ عبر تنمية الوعي الرقميّ، وتوظّف التكنولوجيا بما يعزّز القدرة على التحليل والنقد، إلى جانب سرعة الوصول إلى المعلومة.
لقد نجح الإنسان في تقريب المعلومة منه أكثر، إلّا أنّ التحدّي الحقيقيّ مستقبلًا ليس في المزيد من السرعة في الصول إليها، بل في قدرته على التمييز بينها، وتحويلها إلى معرفةٍ عميقةٍ ترقى بالإنسان بدل أن تغرقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top