العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية في سورية

العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية في سورية (المسائل الجزائية)

إن تعدّيات السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية في سورية وصلت حدّ الإلغاء الفعلي، وإن بقي الشكل والاسم موجودَين، ولم يعد القول بوجود سلطة تشريعية في سورية يستقيم وواقع الحال، وصرنا عندما نتحدث عن تشريع فنحن نقصد تماماً ما تقرره السلطة التنفيذية في الوزارات أو الدوائر الحزبية أو الأفرع الأمنية وتصدره بصيغة قوانين أو مراسيم، وعليه فإصدار القوانين التي تتعدّى على سلطة القضاء لا يصدر من السلطة التشريعية وإنما يصدر من الفاعل الحقيقي الذي هو السلطة التنفيذية.

اتّسمت العلاقة بين السلطتين بتعدّي السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، وكانت التشريعات التي هي الأداة الرئيسية لهذه التعديات تأخذ اتجاهين، الأول يرمي إلى تشديد العقوبات بشكل غير متوازن على بعض الأفعال التي لا تشكل جرائم أو هي بالأساس جرائم بسيطة، والثاني تشكيل محاكم استثنائية غايتها إيقاع الحد الأعلى من العقوبة بأقصر وقت ولو على حساب التضحية بحق الدفاع:

1- استصدار قوانين جزائية خاصة: كانت السمة الرئيسية لهذه القوانين هي صدورها في أوقات الأزمات الأمنية التي تهدد النظام، ومن ناحية ثانية كانت تتسم بالقسوة الشديدة، ولم يكن الأثر الاجتماعي والسياسي لهذه القوانين مهمّاً لدى السلطة التنفيذية، فكان كل ما يهمها هو الحفاظ على النظام في مواجهة التهديدات، وكانت هذه القوانين تؤدي للإخلال بالسياسة العقابية المستقرة، وتؤدي لمفارقات غريبة، مثلاً: التشديد لعقوبة جريمة سرقة السيارات وجعلها جناية لا تقل عقوبتها عن خمس سنوات، ومنع إخلاء السبيل فيها قبل صدور حكم نهائي بالبراءة، وأيضاً إصدار قوانين الأمن الاقتصادي التي جعلت من إخراج مبالغ مالية تافهة خارج سورية جناية عقوبتها خمس سنوات، ووجه التعدي على السلطة القضائية أن هذه القوانين كانت تظهرها وكأنها ذراع للسلطة التنفيذية، ويدها التي تبطش بقسوة وظلم، بينما يفترض أن يكسب القضاء ثقة واحترام الشعب من خلال ظهور استقلاله وعمله لتحقيق العدل والإنصاف.

2- تشكيل المحاكم الاستثنائية: لم تحقق المحاكم العادية للسلطة التنفيذية غايتها كاملة بسبب تطبيقها لإجراءات قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تحافظ نسبياً على حقوق المتهم، وعدم تشددها بالعقوبات، فسعت لإحداث محاكم استثنائية لا تحمل -في معظم أشكالها- من صفات القضاء الحقيقي سوى الاسم فقط، وتاريخ هذه المحاكم طويل منذ أيام السبعينات والثمانينات لا يتسع المقام سوى لعرض ما تبقى منها الآن وهو:

أ- محاكم الميدان العسكرية: هي محكمة جزائية استثنائية، يشكلها وزير الدفاع، لا يترافع فيها المحامون بسبب حرمان المتهمين فيها من حق الدفاع كونها معفاة من التقيد بالأصول والإجراءات، تصدر الأحكام عنها مبرمة لا تقبل أي طريق من طرق الطعن.

ب- محكمة قضايا الإرهاب: محكمة جزائية استثنائية، أخفّ وطأة من محكمة الميدان العسكرية، تختص بالنظر بقضايا الإرهاب، تحاكم المدنيين والعسكريين تخضع أحكامها للطعن بالنقض، وهي معفاة أيضاً من التقيد بالأصول المنصوص عليها بالتشريعات النافذة، ما عدا حق الدفاع عن المتهم.
ووجه التعدي على السلطة القضائية هنا هو إخراج مسائل معينة من ولايتها، ووضعها تحت ولاية محاكم استثنائية هي امتداد للسلطة التنفيذية، مما يؤثر بشكل أو بآخر على قدرة القضاء على إدارة مرفق العدالة.

في الحقيقة لم يكن للسلطة القضائية أي أداة لمواجهة تعديات السلطة التنفيذية، فالقضاء ملزم حسب نص الدستور والمبادئ المستقرة عالمياً بتطبيق إرادة الشعب التي يعبر عنها من خلال قوانين تصدرها السلطة التشريعية، ويتم بحث ضمانات استقلال القضاء في ضوء هذا الدور، ولكن لم يبحث أحد في ضمانات استقلال القضاء في حال غياب دور السلطة التشريعية وتحولها لأداة بيد السلطة التنفيذية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى